إيران وكأس العالم قصة إخفاق وسط تحديات سياسية ورياضية
في مشهد مليء بالتحديات السياسية والرياضية خرج المنتخب الإيراني من كأس العالم بعد تعادلات مثيرة وأهداف ملغاة بتقنية VAR وسط أجواء استثنائية وضغوط كبيرة على الفريق. التفاصيل الكاملة على خَبَرَيْن.

في مشهدٍ يختلط فيه الإحباط الرياضي بتعقيدات السياسة والهوية، أنهى المنتخب الإيراني لكرة القدم مشاركته في كأس العالم 2026 دون أن يتجاوز دور المجموعات، وهي البطولة التي أقيمت في ظلّ ظروفٍ استثنائية لم يشهدها المنتخب في أيٍّ من مشاركاته السابقة.
أتمّ المنتخب الإيراني مشاركته السابعة في كأس العالم بعد تعادله 1-1 أمام مصر في Seattle يوم الجمعة، ليحلّ ثالثاً في المجموعة السابعة بثلاث نقاط جمعها من ثلاثة تعادلات. وجاء الإقصاء الرسمي في اليوم التالي، حين أسفرت نتائج المجموعات الأخرى عن خروجه من دائرة الفرق الثمانية المتأهّلة من المركز الثالث، وهو تصنيفٌ أتاحه توسيع FIFA للبطولة من 32 إلى 48 فريقاً.
قال ميلاد، أحد سكّان طهران الذي تابع جميع المباريات المؤثّرة في مسيرة المنتخب: "كان هذا بعيداً عن التوقّع؛ لم أستطع أن أصدّق كيف خرجنا مجدّداً، وكنّا على بُعد مقعدٍ واحد فقط من التأهّل".
وقد بلغت الظروف من الغرابة حدّاً دفع المدرّب الأول إلى التساؤل عن دور العناية الإلهية، فيما راحت قنوات التلفزيون الرسمي تتّهم منتخباتٍ أخرى بالتلاعب والتواطؤ.
في مباراة مصر، سجّل المدافع الأوسط شجاع خليلزاده هدفاً في الدقيقة 93 كان كفيلاً بإرسال إيران مباشرةً إلى دور الـ32، غير أنّ تقنية VAR ألغته بعد أن كشفت أنّ قدمه اليمنى تجاوزت خطّ التسلّل بضعة سنتيمترات.
وفي أعقاب الهدف الذي سرعان ما أُلغي، أُصيب أحد أعضاء الجهاز الفنّي بكسرٍ في أنفه إثر اصطدامٍ غير مقصود مع زميلٍ له خلال احتفالات الفريق الجماعية الصاخبة.
وكان خليلزاده قد احتفل بهدفه بوضع نظّارة شمسية، فما كان من المنتخب المصري الذي تأهّل إلى دور الـ16 إلّا أن ردّ عليه بصورةٍ على Instagram تُظهر المهاجم محمد صلاح يبتسم وهو يرتدي النظّارة ذاتها.
وفي مقابلةٍ مباشرة مع التلفزيون الرسمي عقب المباراة، قال المدرّب أمير قلعهنويي إنّه يعتقد أنّ الجميع استمتع باللقاء، لكنّه أشار إلى أنّه بدا أحياناً كأنّ "الله كان في خلافٍ معنا"، في إشارةٍ إلى سلسلة من سوء الحظّ شملت إلغاء ثلاثة أهداف إيرانية بتقنية VAR طوال البطولة، وهو الرقم الأعلى بين جميع المنتخبات المشاركة.
وأضاف قلعهنويي أنّ اللاعبين والجهاز الفنّي بأسره عانوا من ظروفٍ استثنائية لم يسبق لأيّ منتخبٍ مشاركٍ في كأس العالم أن واجهها، إذ خاضت إيران هذه البطولة في وقتٍ تخوض فيه حرباً فعلية ضدّ الدولة المضيفة الرئيسية، الولايات المتحدة، منذ أربعة أشهر.
وكانت القوات الأمريكية قد قصفت عدداً من الجزر في مضيق هرمز بالمياه الإيرانية الجنوبية قبل ساعاتٍ قليلة من انطلاق مباراة إيران ومصر.
وعلى صعيد الإجراءات المتّخذة بحقّ الوفد الإيراني، رُفضت طلبات تأشيرة عددٍ من مسؤولي الاتحاد الإيراني لكرة القدم وأعضاء الجهاز الفنّي والإعلاميين للسفر إلى الولايات المتحدة، بحجّة انتمائهم المزعوم إلى الحرس الثوري الإسلامي (IRGC). أمّا الفريق اللاعب فقد دخل الأراضي الأمريكية بموجب قيودٍ مشدّدة غير مسبوقة، وأُلزم بالإقامة في مدينة Tijuana المكسيكية بدلاً من Tucson في ولاية Arizona كما كان مقرّراً في الأصل. وكان على اللاعبين دخول الأراضي الأمريكية قبل 24 ساعة فحسب من موعد كلّ مباراة ومغادرتها في اليوم ذاته، مع تخفيفٍ طفيف أجاز لهم الوصول قبل يومين لمباراة Seattle.
"جنونٌ تامّ"
بعد مباراة مصر، كانت إيران بحاجةٍ إلى أن تسير ثلاثة أمورٍ لصالحها في آنٍ واحد: أن تخسر كرواتيا أمام غانا، لكنّها فازت 2-1؛ وأن يتعثّر الكونغو الديمقراطية أمام أوزبكستان، لكنّه فاز 3-1؛ وأن تُسفر مباراة الجزائر والنمسا عن فائزٍ واحد، لكنّها انتهت بالتعادل 3-3.
وقبل ساعاتٍ من مباراة الجزائر والنمسا، نشر جواد خيّاباني، المعلّق الرياضي الإيراني المعروف بأسلوبه الصاخب على مدى عقود، رسالةً مصوّرة باللغة العربية موجَّهة إلى "الإخوة المسلمين في الجزائر"، طالبهم فيها بهزيمة النمسا وإتاحة الفرصة لإيران، بوصفها دولةً إسلامية تعاني من ويلات الحرب، للتقدّم إلى الدور التالي.
وعاش معلّقو القنوات الرسمية الإيرانية التي بثّت المباراة مباشرةً تقلّباتٍ انفعالية حادّة، حين سجّل الجزائري Riyad Mahrez هدفاً في الوقت بدل الضائع ليُحوّل النتيجة إلى 3-2، وهو ما كان سيُرسل إيران إلى الدور التالي.
صاح أحد المعلّقين المتحمّسين: "الآن، دولةٌ مسلمة تفعل شيئاً لإبقاء دولةٍ مسلمة أخرى في دور الـ16"، مازجاً بين الرياضة والدين في آنٍ واحد.
بيد أنّ فرحة المعلّق وكثيرٍ من الإيرانيين المتابعين تبخّرت لحظاتٍ لاحقة، حين استغلّ النمساوي Sasa Kalajdzic أولى لمساته في المباراة ليُسجّل التعادل برأسيةٍ داخل منطقة الجزاء. وقد أفادت هذه النتيجة المنتخبَين معاً، إذ أهّلتهما كليهما إلى الدور التالي، ليواجه النمسا إسبانيا وتلتقي الجزائر بسويسرا.
وتصاعدت بعد ذلك اتّهاماتٌ من داخل إيران وخارجها بأنّ المباراة كانت مدبَّرة، فردّ مدرّب النمسا Ralf Rangnick على هذه الاتّهامات قائلاً: "لو كتب Alfred Hitchcock مثل هذه الدراما، لقلتُ على الأرجح إنّه كان مجنوناً تماماً".
جراحٌ اجتماعية لم تندمل
للمرّة الثانية على التوالي في كأس العالم، لم يحظَ المنتخب الإيراني بدعمٍ شعبي موحَّد من الإيرانيين في الداخل والخارج، وذلك في ظلّ التداعيات المستمرّة للاحتجاجات الشعبية ضدّ الجمهورية الإسلامية، النظام الديني الذي يحكم إيران منذ ثورة عام 1979.
في يناير 2026، سقط آلاف الإيرانيين قتلى، من بينهم ما لا يقلّ عن 230 طفلاً، خلال احتجاجاتٍ واسعة النطاق اندلعت في أرجاء البلاد التي يتجاوز عدد سكّانها 90 مليون نسمة. وكالعادة في مثل هذه الأحداث، حمّلت الحكومة "الإرهابيين" المدعومين من الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الأحداث، في حين وصفت منظمة Amnesty International ما جرى بأنّه "قمعٌ دموي غير مسبوق" من قِبَل الدولة، شمل قطعاً تاماً للإنترنت.
وبعد أشهرٍ قليلة من تلك الأحداث التي خلّفت جراحاً عميقة في النسيج الاجتماعي الإيراني، يرى بعض الإيرانيين أنّ لاعبي المنتخب الذين أحجموا جميعاً عن التعليق على الاحتجاجات، وإن كان بعضهم قد أبدى دعمه للدولة لا يمثّلون إيراناً موحّدة.
وخارج الملاعب الأمريكية خلال البطولة، رفع عددٌ من الإيرانيين المعارضين للجمهورية الإسلامية علم الأسد والشمس المستخدَم قبل ثورة 1979، في مقابل العلم الرسمي الذي يتضمّن كلمة "الله" في مركزه. غير أنّ غالبية الإيرانيين في المهجر انتهى بهم المطاف إلى التشجيع على المنتخب في المدرّجات المكتظّة.
وكتب محمد خاكپور، الكابتن السابق للمنتخب الإيراني المقيم حالياً في الولايات المتحدة، في منشورٍ على Instagram يوم الأحد، أنّ تباين مشاعر الإيرانيين إزاء إقصاء المنتخب يحمل رسالةً اجتماعية عميقة.
وقال: "حين يشعر جزءٌ من المجتمع بأنّ المنتخب لم يعد يمثّل مشاعره وآلامه وآماله، تتشكّل هوّةٌ حقيقية. قد لا يفرح الناس بالخسارة الرياضية، لكنّهم قد يفرحون أحياناً بانهيار صورةٍ لا يعتبرونها حقيقية".
وفي السياق ذاته، قال فرهاد، وهو مقيمٌ في شرق طهران يبلغ من العمر 36 عاماً، إنّ الناس قد يتذكّرون المنتخب بعد عقودٍ ليس فقط بوصفه رمزاً للجمهورية الإسلامية، بل أيضاً بما خلّفه من سجلٍّ كروي.
وأضاف: "شخصياً، كنتُ أفضّل أن يتأهّل، لكنّني لستُ محطَّماً لأنّه لم يفعل".
أخبار ذات صلة

أفضل خطوط هجوم في كأس العالم: أين ستصنف رباعية فرنسا بعد 2026؟

إسبانيا تشعل الملعب أمام النمسا: أويارثابال يسجّل ثنائية ويامال يتألّق وأوروبا تستيقظ في الدور الحاسم

أشار Gordon إلى أن Harry Kane يلعب بمستوى Messi، مشيداً بزميله في المنتخب الإنجليزي "الاستثنائي" بعد ثنائيته أمام الكونغو
