إيران تعزز سيطرتها على مضيق هرمز الاستراتيجي
تتصاعد لهجة إيران بشأن مضيق هرمز، مؤكدةً أنه بات أداة استراتيجية لمواجهة العقوبات الأمريكية. المسؤولون يؤكدون عدم التنازل عن السيطرة عليه، ويعتبرونه بمثابة قوة تعادل الأسلحة النووية. اكتشف المزيد حول هذا الملف الشائك على خَبَرَيْن.

في وقتٍ تنتظر فيه الولايات المتحدة ردّ طهران على مسوّدات الاتفاق المتداولة عبر وسطاء، تُصعّد السلطات الإيرانية ووسائل الإعلام المرتبطة بالدولة من لهجتها إزاء مضيق هرمز، مؤكّدةً أنّ السيطرة عليه باتت تحتلّ مكانةً استراتيجية لم تحظَ بها من قبل.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي للصحفيين يوم السبت إنّ طهران لا تزال تدرس المقترح الأمريكي، مضيفاً: «نحن نؤدّي عملنا، ولا نُعير انتباهاً للمواعيد النهائية أو التوقيتات»، في إشارةٍ مباشرة إلى الجداول الزمنية التي يضعها الرئيس الأمريكي Donald Trump لانتزاع ردٍّ إيراني.
وفي غياب أيّ اختراقٍ يلوح في الأفق، تواصل السلطات الإيرانية تصعيد مكانة المضيق في عقيدتها الاستراتيجية، إذ بات يُنافس ملفّ البرنامج النووي الخلافي الذي كلّف البلاد عقوداً من العقوبات والعزلة الدولية.
وقال محمد مخبر، المستشار الرفيع للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والنائب الأول للرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، إنّ المؤسستَين الدينية والعسكرية في إيران «أهملتا نعمة» هذا المضيق سنواتٍ طويلة. وأضاف في تصريحٍ لوكالة مهر للأنباء يوم الجمعة: «في الواقع، هذه قدرةٌ على مستوى القنبلة الذرية، لأنّ من يملك قدرةً تؤثّر في الاقتصاد العالمي بأسره بقرارٍ واحد، يملك قدرةً هائلة».
وأكّد مخبر أنّ السلطات لن تتخلّى بأيّ حالٍ عن السيطرة «التي اكتسبناها عبر هذه الحرب»، وأنّها ستسعى إلى «تغيير النظام الحاكم» للمضيق سواءٌ عبر القنوات الدولية أو من خلال تشريعاتٍ محلية يُقرّها البرلمان الذي تهيمن عليه التيارات المتشدّدة.
في السياق ذاته، قال النائب الأول للرئيس الحالي محمد رضا عارف إنّ سيطرة طهران على مضيق هرمز ستكون أداةً لمواجهة العقوبات الأمريكية، بما فيها تلك الرامية إلى تقليص صادرات النفط الإيرانية التي تتوسّع أسبوعاً بعد أسبوع. وقال يوم الخميس: «لن نواجه بعد الآن ما يُسمّى العقوبات، لأنّ تصرّفات Trump وأعدائنا الأخيرة رسّخت حقّنا ورؤيتنا تجاه المضيق، ولا أعتقد أنّنا سنواجه مزيداً من المشكلات الجدية». وأضاف أنّ «إدارة إيران ستضمن أمن هذا الممرّ المائي وتعود بالنفع على جميع دول المنطقة».
«إن لم يكن لنا، فلن يكون لأحد»
ذهب التلفزيون الرسمي إلى أبعد من ذلك، إذ استحضر موازياتٍ تاريخية من صدر الإسلام، تحديداً معركة أُحُد قرب المدينة المنوّرة قبل نحو 1,400 عام، حين تركت مجموعةٌ من الرماة موقعهم الاستراتيجي رغم أوامر النبي محمد ﷺ، ما أتاح للفرسان المنافسين الهجومَ من الخلف.
وقال حسين حسيني، مقدّم برامج على قناة Ofogh، لمشاهديه صباح السبت إنّ مضيق هرمز هو «ممرّ أُحُد» بالنسبة لإيران، وإنّ التخلّي عنه قد يُمهّد لهزيمتها. وأضاف: «الإيرانيون الأذكياء حريصون على ألّا يتخلّوا عن هذا الممرّ وألّا يُعيدوه. لن تعود أوضاع المضيق إلى ما كانت عليه من قبل؛ على الأعداء أن يُدركوا هذا جيّداً».
وتجدر الإشارة إلى أنّ رسائل نصّية متعدّدة نُسبت إلى مجتبى خامنئي منذ توليه منصب المرشد الأعلى خلفاً لوالده عقب اندلاع الحرب، شدّدت هي الأخرى على ضرورة الإمساك بزمام هذا الممرّ المائي.
غير أنّ السلطات تحرص على إيصال رسالةٍ مفادها أنّ هذا الملفّ ليس وليد اللحظة، بل إنّها ناقشت تداعيات أيّ نزاعٍ على الممرّات المائية جنوب إيران قبل الحرب الراهنة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بوقتٍ طويل.
وفي هذا الإطار، بثّت عددٌ من وسائل الإعلام المرتبطة بالدولة يوم الجمعة مقطعاً مصوّراً لخطابٍ أدلى به الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، رجل الدين الإصلاحي البارز الذي توفّي عام 2017، يقول فيه إنّ إيران لا تهدّد بإغلاق المضيق دون مسوّغ، كون ذلك يضرّها هي أيضاً. وقال رفسنجاني في هذا الخطاب غير المؤرَّخ أمام صحفيين في البرلمان: «لطالما أكّدنا أنّنا سنُغلق مضيق هرمز في الوقت الذي لا يكون فيه الخليج العربي صالحاً للاستخدام بالنسبة لنا. إذا كان الخليج العربي غير صالحٍ لنا، فسنجعله غير صالحٍ للآخرين؛ هذه هي سياستنا».
وعلى صعيد الميدان، تبادل الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) والسفن الحربية الأمريكية إطلاق النار بشأن حرية العبور في المضيق خلال الأيام الأخيرة، في وقتٍ تواصل فيه واشنطن فرض حصارٍ بحري على الموانئ الإيرانية وتدرس المضيّ قُدُماً في عمليات «Project Freedom»، مع تأكيدها أنّ وقف إطلاق النار المُبرم الشهر الماضي لا يزال سارياً.
التداولات الداخلية حول مفاوضات واشنطن
تخضع مختلف جوانب المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة لنقاشاتٍ يومية داخل المؤسسات الإيرانية، إذ يُقدّم المسؤولون أنفسهم باعتبارهم في موقع المتقدّم بعد المعارك.
ويُعارض التيار المتشدّد، الذي ازداد تجذّراً جرّاء الحرب، أيّ تنازلاتٍ كبرى تتعلّق بالبرنامج النووي أو الترسانة الصاروخية أو أيّ ملفٍّ رئيسي آخر. ويذهب بعضهم إلى أنّ التخصيب النووي أو استخراج المواد عالية التخصيب المدفونة تحت أنقاض المنشآت التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل لا ينبغي أن يُطرحا أصلاً على طاولة البحث.
وقال علي خزريان، ممثّل طهران في البرلمان وعضو لجنة الأمن القومي، لوسائل الإعلام الرسمية يوم الجمعة، نقلاً عن مسؤولين رفيعين لم يُسمّهم، إنّ إيران «لم تنخرط في أيّ نوعٍ من المفاوضات النووية». وأضاف أنّ إدارة Trump تروّج لـ«أكذوبة» اتفاقٍ نووي محتمل بهدف «التعويض عن هزائمها في الميدان».
أمّا المحلّل السياسي المقرّب من المؤسسة مهدي خرّاطيان، فقد أكّد للتلفزيون الرسمي أنّ الاعتقاد بأنّ أيّ اتفاقٍ مع واشنطن قادرٌ على رفع جميع العقوبات وفتح الباب أمام الاستثمارات ليس سوى «أحلام وأوهام»، داعياً طهران إلى مزيدٍ من التقارب مع الصين.
وعلى الصعيد الآخر، زار وزير الخارجية Abbas Araghchi الصين الأسبوع الماضي لإجراء مباحثاتٍ رفيعة المستوى، غير أنّ هذا الدبلوماسي لم يَسلم هو الآخر من الانتقادات الداخلية بسبب دوره في تعزيز مسار التفاوض مع الولايات المتحدة.
وقد وصل الأمر ببعض النوّاب المتشدّدين كمحمود نبويان، الذي شارك في أبريل ضمن وفدٍ من عشرات المفاوضين في محادثاتٍ مع الولايات المتحدة في باكستان، إلى المطالبة بإقصاء Araghchi من الفريق المفاوض برئاسة Mohammad Bagher Ghalibaf. وكتب نبويان على منصّة X: «يتعيّن على السيد Ghalibaf إقصاء رجال الاتفاق المُكلف، أي الاتفاق النووي، من الفريق كلياً»، في إشارةٍ إلى الاتفاق النووي المُبرم عام 2015 مع القوى الكبرى، والمعروف بـ«خطّة العمل الشاملة المشتركة» (JCPOA)، الذي قيّد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات، قبل أن ينسحب منه Trump عام 2018.
أخبار ذات صلة

ألمانيا تفقد مقعدها في مجلس الأمن: هل دعمها لإسرائيل السبب؟

خليل الرحمن: وزير خارجية بنغلاديش الذي فاز برئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف إطلاق نار مشروط
