إعادة تشكيل الأمن الخليجي بعد الحرب على إيران
مع اقتراب اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، تواجه دول الخليج تحديات جديدة في إعادة رسم خريطة أمنها. كيف ستتعامل مع تهديدات إيران وتأثير الحرب على اقتصاداتها؟ اكتشف التفاصيل وآفاق المستقبل في خَبَرَيْن.

-مع اقتراب واشنطن وطهران من التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق نار طويل الأمد، يبدو أن دول الخليج باتت أمام لحظة مفصلية: كيف تُعيد رسم خريطة أمنها الإقليمي بعد حربٍ لم تختَرها، وتحمّلت تبعاتها؟
جاء ذلك في سياق إعلان الرئيس الأمريكي Donald Trump إلغاء ضربات جديدة على إيران، مؤكّداً أن اتفاقاً مع طهران بات وشيكاً، وأنه سيُعلَن عن موعدٍ ومكانٍ للتوقيع قريباً. في المقابل، بدا المسؤولون الإيرانيون أكثر تحفّظاً؛ إذ أفاد مسؤولٌ إيراني رفيع بأن الحكومة لا تزال تدرس مسوّدة مذكّرة التفاهم المقترحة مع واشنطن. غير أن تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني Shehbaz Sharif اللاحقة تُشير إلى أن الاتفاق في طريقه إلى الإتمام، وما قد يتبع ذلك خلال الأيام القادمة قد تكون له تداعياتٌ بالغة الأثر على منظومة الأمن الإقليمي الجماعي.
الخليج تحت الاستهداف
تُشغّل الولايات المتحدة منشآتٍ عسكرية في ما لا يقلّ عن 19 موقعاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشمل قواعد دائمة في البحرين ومصر والعراق والأردن والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وفقاً لـ Council on Foreign Relations. وقبيل اندلاع الحرب على إيران، كان ما بين 40,000 و50,000 جندي أمريكي منتشرين في أرجاء المنطقة.
كان يُفترض أن هذا الحضور العسكري الأمريكي يُشكّل درعاً واقية لدول الخليج من النزاعات المشتعلة في محيطها، إلا أن الأشهر الأربعة الماضية كشفت عن ثغراتٍ جوهرية، حين باتت دول الخليج المضيفة للقواعد الأمريكية هي ذاتها هدفاً للضربات الإيرانية.
يقول محجوب الزويري، الأكاديمي والخبير في شؤون السياسة الشرق أوسطية: "إذا أردنا وصف النموذج الأمني السائد في المنطقة منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن مفهوم الشراكات الأمنية هو الأدقّ تعبيراً عنه. لقد اختارت دول المنطقة ربط أمنها بتحالفاتٍ دولية واسعة، وقدّم هذا النموذج على مدى عقود رادعاً معقولاً وعمقاً لوجستياً واستخباراتياً يصعب تعويضه."
مظلّة أمنية مثقوبة
كشفت الحرب على إيران عن مفارقةٍ لافتة: فبينما يُكرّر المسؤولون الإيرانيون وصف جيرانهم الخليجيين بـ"الإخوة"، لم يتوقّفوا عن استهدافهم طوال فترة الحرب. وعلى الرغم من احتجاج دول الخليج بأن أراضيها لم تُستخدَم منصّةً لأي هجماتٍ على إيران، فإنها تعرّضت للاستهداف مراراً.
منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتهما العسكرية على إيران في 28 فبراير، ارتقى ما لا يقلّ عن 28 شخصاً في دول مجلس التعاون الخليجي الست جرّاء هجماتٍ بالطائرات المسيّرة والصواريخ يُرجَّح أنها إيرانية، مما أثار تساؤلاتٍ جدية حول جدوى الترتيبات الأمنية الأمريكية-الخليجية.
يقول Simon Mabon، أستاذ العلاقات الدولية في Lancaster University : "الحرب وحدها أحدثت شرخاً عميقاً في الشعور بالأمان؛ المظلة الأمنية الأمريكية في أحسن أحوالها غير فعّالة، وفي أسوأها شبه ميتة. لطالما اعتمدت دول الخليج عليها في حماية نفسها، غير أن وجود القوات الأمريكية على أراضيها حوّلها هي ذاتها إلى أهداف. لا مفرّ من الجغرافيا، وبصرف النظر عن التوترات والعدائيات والهجمات، فإن إيران لن تختفي من الخريطة. لا بدّ من إيجاد طريقةٍ للتعامل مع هذا الواقع."
الثمن الاقتصادي للحرب
أسفر إغلاق مضيق هرمز عن ضرباتٍ موجعة لدول خليجية تسعى إلى تنويع اقتصاداتها بعيداً عن الاعتماد على النفط، نحو السياحة والخدمات والمال، وإن تفاوتت حدّة التأثير من دولةٍ إلى أخرى.
تمكّنت المملكة العربية السعودية من إعادة توجيه بعض صادراتها النفطية عبر خط أنابيب الشرق-الغرب نحو البحر الأحمر، فيما استفادت عُمان التي تقع موانئها الرئيسية خارج المضيق من ارتفاع أسعار الطاقة. أما الإمارات والبحرين والكويت وقطر، فقد تضرّرت بشكلٍ أكبر نظراً لاعتمادها على المضيق في تصدير طاقتها، وإن كانت الحرب قد دفعت نحو إعادة التفكير في الترتيبات الأمنية والاقتصادية القائمة منذ أمدٍ بعيد.
يقول Mabon: "ثمة خطوط أنابيب جديدة قيد الإنشاء، لكن طاقتها الاستيعابية أصغر بكثيرٍ من طاقة المضيق نفسه. ستحتاج إلى استثماراتٍ ضخمة وسنواتٍ من التطوير قبل أن تقترب من تعويضه."
الانفتاح على إيران.. خيارٌ مطروح؟
ربما يكون الدرس الأبرز من هذا النزاع أن دول الخليج ستميل إلى التعامل مع إيران بدلاً من المواجهة، وهو مسارٌ كانت بعض الدول قد شرعت فيه قبل اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية. فقد استعادت الإمارات علاقاتها الدبلوماسية مع طهران عام 2022، وبعد عامٍ واحد توصّلت المملكة العربية السعودية وإيران إلى اتفاقٍ لتطبيع العلاقات بوساطةٍ صينية.
يرى الزويري أن النزاع قد يُحيي مساعي إرساء ترتيباتٍ أمنية إقليمية تقودها دول المنطقة بنفسها، على غرار ما تصوّرته مبادرة هرمز للسلام عام 2019، التي اقترحت إطاراً أمنياً خليجياً يضمّ إيران والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي الست. بيد أن حجم انعدام الثقة المتراكم منذ ذلك الحين ولا سيما الضربات الإيرانية على الجيران الخليجيين يجعل تحقّق هذا التشكيل أمراً مستبعداً في المدى المنظور.
يقول الزويري: "الحرب الأخيرة فتحت الباب واسعاً أمام إعادة النظر في منظومة الأمن الخليجي مع الجوار. كيف تقترح طهران ميثاق عدم اعتداءٍ بينما تُمطر الصواريخ على المدن المجاورة؟ المبادرة تبدو سليمةً من الناحية النظرية، لكنها مُفلسةٌ عملياً ما لم يتغيّر السلوك الإيراني."
ما وراء واشنطن
قد يكون الحلّ لدول الخليج في ترتيبٍ هجين يُبقي على الروابط مع واشنطن، مع استكشاف خياراتٍ إقليمية ومحلية موازية، من بينها الاستثمار المتصاعد في الصناعات الدفاعية الوطنية. ولعلّ اتفاقية الدفاع المشترك التي أبرمتها المملكة العربية السعودية وباكستان في سبتمبر الماضي والتي تنصّ على اعتبار الهجوم على أيٍّ منهما هجوماً على الأخرى تُقدّم نموذجاً قابلاً للاقتداء.
غير أن المرّات السابقة التي شعرت فيها دول الخليج بأن واشنطن تخلّت عنها أفضت إلى ردودٍ متباينة؛ فقد عمّقت الإمارات والبحرين علاقاتهما مع إسرائيل، إلا أن المشهد الراهن يُلمح إلى أن ثمة نزوعاً نحو عملٍ جماعي أكثر تنسيقاً في ملف الأمن.
يختم الزويري بقوله: "أثبتت الحرب أن كلّ ضامنٍ، مهما رفع من رايات، يحمي في نهاية المطاف مصالحه هو. تدفع المنطقة ثمن حربٍ لم تختَرها... أمن الخليج لن يُصنَع في واشنطن، بل سيُصنَع حين تُدرك دول الخليج أنها هي من يجب أن تبنيه، لأن النيران حين تشتعل، فإن أقرب الناس إلى اللهب هم دائماً من يدفعون الثمن."
أخبار ذات صلة

ارتقاء ثمانية أشخاص في غزة على يد إسرائيل رغم خطة ترامب لنزع سلاح حماس

اتفاق نزع سلاح حماس يلقى ترحيباً حذراً على الصعيد الدولي

السعودية تُجرّ نحو صراعٍ حاولت تجنّبه بإصرار
