تعزيز التعاون الخليجي لمواجهة التحديات الأمنية
اجتمع قادة دول الخليج في الرياض لمناقشة مشاريع مشتركة حيوية، تشمل شبكة السكك الحديدية والربط الكهربائي والمائي، لتعزيز التعاون والأمن في مواجهة التحديات. تعرف على كيفية إعادة تعريف هذه المبادرات في ظل الظروف الراهنة. خَبَرَيْن.

-اجتمع قادة دول الخليج في الرياض هذا الأسبوع في أول لقاء مباشر بينهم منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. وإلى جانب الملفات الأمنية، تناول الاجتماع تسريع تنفيذ مشاريع مشتركة طال انتظارها.
تندرج هذه المبادرات تحت مظلة مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وتمتد لتشمل قطاعات النقل والطاقة والأمن المائي والدفاع، بهدف تعميق الروابط الاقتصادية وتعزيز الصمود الجماعي في مواجهة التحديات المتصاعدة.
يرى Thomas Bonnie James، الخبير في الدراسات الخليجية في AFG College التابعة لجامعة Aberdeen، أن أهمية هذه اللحظة تكمن في إعادة تعريف هذه المشاريع ذاتها. ويقول إن الضربات الإيرانية على البنية التحتية الرئيسية لدول المجلس قد "حوّلت هذه المشاريع من تطلّعات اقتصادية إلى ضرورات أمنية"، وهو تحوّل يُغيّر جذرياً المعادلة السياسية ويضخّ إلحاحاً حقيقياً في مسار تنفيذها.
فيما يلي استعراض لأبرز المشاريع الخليجية المشتركة.
شبكة السكك الحديدية الخليجية الموحّدة
أُقرّ مشروع سكة الحديد لدول مجلس التعاون في ديسمبر 2009، وهو من أكثر مشاريع البنية التحتية طموحاً في المنطقة.
يهدف المشروع إلى ربط الدول الست الأعضاء عبر شبكة سكك حديدية بطول 2,117 كيلومتراً تمتد من الكويت إلى مسقط، مروراً بالمملكة العربية السعودية والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة.
صُمّمت الشبكة لنقل الركاب والبضائع على حدٍّ سواء، بسرعات تصل إلى 200 كيلومتر في الساعة. ومن شأنها تقليص أوقات التنقّل بشكل ملحوظ، وتيسير حركة التجارة، وتحسين التنقّل لمواطني المنطقة ومقيميها. غير أن وتيرة التنفيذ جاءت متفاوتة، إذ تأخّرت المواعيد المحدّدة من 2018 إلى نحو عام 2030.
التحدي الحقيقي، كما تشير تحليلات James، لم يكن يوماً تقنياً بالدرجة الأولى، بل يكمن في صعوبة توحيد "ستّ سيادات" حول قواعد الجمارك والمعايير الفنية وضوابط الحدود وهي إشكالية حوكمة في جوهرها أكثر منها إشكالية إنشاء وتشييد.
مع ذلك، قد يُعيد المشهد الجيوسياسي الراهن رسم الأولويات. إذ يرى James أن الحرب مع إيران قد توفّر الغطاء السياسي اللازم لتسريع تنفيذ أكثر المقاطع أهمية استراتيجية، ولا سيما ممرات الشحن العابرة للحدود المرتبطة باللوجستيات الأمنية.
شبكة الربط الكهربائي
كثيراً ما يُوصف الربط الكهربائي بأنه من أنجح المشاريع المشتركة لدول المجلس، إذ يتيح لدوله تبادل الطاقة الكهربائية عبر الحدود. أُقرّ المشروع عام 1997، وأفضى إلى إنشاء هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون، المنوط بها بناء الشبكة وإدارتها.
بحلول عام 2009، دخلت المرحلة الأولى حيّز التشغيل لتربط البحرين والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت. ثم توسّعت الشبكة لاحقاً لتضمّ الإمارات وعُمان، واكتمل الربط الشامل في عام 2014.
تُقلّص هذه المنظومة الحاجة إلى احتياطيات ضخمة من الطاقة في كل دولة على حدة، وتخفّض تكاليف الإنتاج، وتوفّر دعماً طارئاً في الأزمات. كما تتيح للدول تبادل الفائض الكهربائي، مما يرفع كفاءة الشبكة الإقليمية وموثوقيتها.
يقدّم هذا المشروع نموذجاً عملياً لما يمكن أن تُحقّقه التكامل العميق. ويقول James إن الشبكة تبرز لأنها "بُنيت ونجحت فعلاً"، مستنداً إلى "15 عاماً من التشغيل، و 3 مليارات دولار من الوفورات الاقتصادية، وما يقارب 3,000 حالة دعم طارئ جرى التعامل معها عبر التحويلات العابرة للحدود".
السؤال الحقيقي الآن، كما يرى، هو ما إذا كان بالإمكان تكرار هذا النجاح في قطاعات أكثر تعقيداً كالمياه والنقل.
منظومة الربط المائي
على الرغم من الثروات النفطية والغازية الهائلة، تُصنَّف دول الخليج ضمن أشدّ مناطق العالم شُحّاً في المياه، وتعتمد اعتماداً كبيراً على محطات تحلية المياه التي تعمل بالوقود الهيدروكربوني لتأمين احتياجاتها من المياه العذبة.
إدراكاً لهذا الواقع، اقترحت دول المجلس مشروع الربط المائي الخليجي عام 2012 خلال اجتماع تشاوري في الرياض. تقوم الفكرة على ربط الشبكات المائية الوطنية بما يُتيح تبادل الإمدادات في حالات الشُّح أو الطوارئ.
أُنجزت الدراسات الخاصة بالمشروع، لكن التنفيذ لا يزال قيد التداول. وتبقى الاعتبارات البيئية والتحديات الفنية من أبرز العوامل المؤثّرة في مساره. وإن تحقّق، ستوفّر هذه الشبكة شبكة أمان حيوية تضمن توافر المياه على المدى البعيد، وتعزّز التعاون الإقليمي في مواجهة أحد أكثر نقاط الهشاشة إلحاحاً في منطقة الخليج.
يقول James إن استهداف إيران للبنية التحتية المائية في المنطقة كشف عن ثغرة هيكلية جوهرية فالأنظمة الوطنية المنفصلة تُفرز نقاط ضعف متعدّدة. ويرى أن تحقيق الصمود في هذه المنظومات يمرّ حتماً عبر بناء شبكة مترابطة على مستوى المنطقة.
تكامل خطوط أنابيب النفط والغاز
ظلّ التعاون في قطاع الطاقة في صميم تنسيق دول المجلس منذ أمد بعيد. وقد أولى الاتفاق الاقتصادي الموحّد وتحديثه الصادر عام 2001 أهمية بالغة لتوحيد سلسلة القيمة في قطاع النفط والغاز من الإنتاج إلى التسعير واستراتيجيات التصدير. وبات هذا الأساس يتجلّى اليوم في زخم متجدّد نحو إنشاء شبكة أنابيب إقليمية تهدف إلى تبسيط تدفّقات الطاقة وخفض التكاليف وتعزيز الثقل الجماعي للكتلة في الأسواق العالمية.
وتتجاوز أهمية هذا التكامل البُعد الاقتصادي لتطال الأمن الطاقوي، من خلال تنويع مسارات النقل وتحسين التنسيق بين الدول المنتجة.
بيد أن هذا التوجّه يكشف عن تحوّل دقيق في آليات عمل المجلس. يُفسّر James ذلك بقوله إنه "يمكن التعاون في البنية التحتية والاختلاف في استراتيجية الإنتاج في آنٍ واحد"، مشيراً إلى أن التكامل المادي العميق عبر الأنابيب المشتركة والمنظومات المترابطة قد يتقدّم حتى حين يكون التوافق في السياسات الوطنية أكثر مرونة.
منظومة الإنذار المبكّر المشتركة للصواريخ الباليستية
على الصعيد الأمني، تعمل دول المجلس على بناء منظومة مشتركة للإنذار المبكّر من التهديدات الصاروخية الباليستية.
تُصمَّم هذه المنظومة بوصفها شبكة دفاعية إقليمية متكاملة، تعتمد على أجهزة استشعار تعمل بالأقمار الاصطناعية وأنظمة رادار لرصد عمليات الإطلاق في الوقت الفعلي وتتبّع مسارها الكامل، مما يُمكّن السلطات العسكرية والمدنية من تنسيق الاستجابة وتحسين مستوى الجاهزية والحماية.
تعتمد المنظومة على أقمار اصطناعية مزوّدة بأجهزة استشعار حرارية قادرة على رصد البصمة الحرارية لعمليات الإطلاق الصاروخي لحظة الإشعال، مما يوفّر إنذاراً مبكّراً قبل أن تبلغ الصواريخ ارتفاعات أعلى. وتعمل بمنظومات مماثلة دول عدة في مقدّمتها الولايات المتحدة وروسيا واليابان وكوريا الجنوبية.
وهنا أيضاً، يبدو التحوّل مفاهيمياً بقدر ما هو تقني. إذ باتت البنية التحتية المدنية طاقةً ومياهاً ونقلاً تُعامَل بوصفها جزءاً لا يتجزّأ من المنظومة الأمنية. ويقول James إن المنطقة تتجه نحو مقاربة تعتبر "الصمود المدني مشكلة جماعية تستلزم حلاً جماعياً"، وهو ما يعكس تحوّلاً واضحاً في طريقة فهم دول المجلس لنقاط هشاشتها.
أخبار ذات صلة

SpaceX تستعدّ لطرح عام بقيمة 75 مليار دولار

ثروة الأمريكيين الأثرياء تتسع: الأرقام والأسباب

التضخم الأمريكي يقفز إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات وسط التوترات مع إيران
