خَبَرَيْن logo

أزمات الطاقة تضع دول الجنوب في مأزق خطير

تسعى الحكومات الكبرى لحماية اقتصاداتها من أزمة الطاقة العالمية، بينما تعاني دول الجنوب من نقص الاحتياطيات. اكتشف كيف تؤثر هذه الديناميكيات على الأسواق العالمية وأهمية التخزين الاستراتيجي في مواجهة التحديات. خَبَرَيْن.

شعار وكالة الطاقة الدولية (IEA) مضاء باللون الأزرق، يعكس دورها في إدارة احتياطيات الطاقة العالمية وسط أزمة الطاقة الحالية.
تتكون الرابطة من دول صناعية فقط.
التصنيف:اقتصاد
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في وقتٍ تُحكم فيه قوات الحرس الثوري الإيراني قبضتها على مضيق هرمز، محوّلةً إياه إلى بؤرة لأشدّ أزمة طاقة عرفها العالم في تاريخه الحديث، تتسابق الحكومات الكبرى على ضخّ احتياطياتها النفطية الطارئة في الأسواق فيما تقف دول الجنوب العالمي على الهامش، شبه عزلاء أمام العاصفة.

صحيحٌ أن ارتفاع أسعار الوقود جرّاء تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ألقى بظلاله على معظم اقتصادات العالم، غير أن الدول الفقيرة المعتمدة على الاستيراد تتحمّل العبء الأثقل، وهي في الوقت ذاته الأقلّ امتلاكاً للاحتياطيات القادرة على تخفيف الصدمة.

وكالة الطاقة الدولية: نادٍ للأثرياء

تأسّست وكالة الطاقة الدولية (IEA) عام 1974، حين كانت الدول الغربية المتقدّمة تستأثر بالحصة الأكبر من الاستهلاك النفطي العالمي. ومنذ نشأتها، ظلّت عضويتها حكراً على الدول الصناعية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). اليوم، تضمّ الوكالة 32 دولة عضواً لا تمثّل سوى نحو 16% من سكان العالم.

وفي مارس الماضي، أعلنت الوكالة عن ضخّ احتياطي طارئ مشترك بلغ 400 مليون برميل بهدف كبح الأسعار عالمياً وهو ما يُفترض أن يعود بالنفع على جميع الدول نظرياً. بيد أن هذه الخطوة كشفت في الوقت ذاته عن هشاشة مخزونات الطاقة في معظم دول الجنوب العالمي.

وخارج منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بؤرة الصراع يُتوقَّع أن تكون منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأشدّ تضرّراً اقتصادياً، نظراً لاعتماد كثير من اقتصاداتها اعتماداً كبيراً على الوقود المستورد. وقد خفّض بنك التنمية الآسيوي في آخر توقّعاته الشهر الماضي نمو الاقتصادات النامية في المنطقة إلى 4.7% لعام 2026، بعد أن كان قد قدّره بـ 5.1%.

مضخة نفط silhouetted against a vibrant sunset, symbolizing the energy crisis and rising fuel prices impacting global economies, especially in developing nations.
Loading image...
تغرب الشمس خلف مضخة خاملة بالقرب من مدينة كارنس، تكساس، الولايات المتحدة، في 8 أبريل 2020.

"رفاهية لا تستطيعها الدول الفقيرة"

وصف خالد وليد، الباحث في معهد سياسات التنمية المستدامة في إسلام آباد، الدولَ النامية بأنها الأقلّ قدرةً على تحمّل الأسعار المرتفعة، مما يجعلها الأشدّ عرضةً لصدمات الأسعار.

وقال وليد: "بناء الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية يستلزم تكاليف باهظة في الإنشاء والتعبئة والتمويل والإدارة والحوكمة. وبالنسبة للدول التي تعاني ضغوط العملة الأجنبية وأعباء خدمة الديون وفواتير استيراد الغذاء ودعم الكهرباء ومتطلّبات الحماية الاجتماعية، فإن تخزين الملايين من براميل النفط قد يبدو ترفاً حتى حين يكون ضرورةً استراتيجية."

وتُعدّ البيانات المتعلّقة بالمخزونات النفطية حول العالم شحيحةً وغير منتظمة، مما يُصعّب تقدير الأرقام الحقيقية. وتُلزم وكالة الطاقة الدولية دولها الأعضاء بالاحتفاظ باحتياطيات تعادل 90 يوماً من وارداتها. وبحلول مارس الماضي، كانت دول الأعضاء تحتفظ بمجموع 1.2 مليار برميل في مخزوناتها الحكومية، فضلاً عن 600 مليون برميل إضافية تحتفظ بها شركات القطاع الخاص بموجب تفويضات حكومية.

توزيع الاحتياطيات: تركّز في يد القِلّة

على الرغم من أن وكالة الطاقة الدولية لا تمثّل سوى أقلّ من خُمس سكان العالم، فإن عدداً من الدول غير الأعضاء تمتلك هي الأخرى مخزونات ضخمة. فوفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، تمتلك الصين ما يُقدَّر بنحو 1.4 مليار برميل من الإمدادات الطارئة، وهو رقم يتجاوز الاحتياطيات المجمّعة للولايات المتحدة واليابان والدول الأوروبية الأعضاء في منظمة OECD والمملكة العربية السعودية مجتمعةً. وتضمّ قائمة الدول غير الأعضاء في الوكالة التي تحتفظ بمخزونات معتبرة: الهند، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وإيران.

وتُشير تقديرات الوكالة إلى أن أكبر 10 دول أو تكتّلات من حيث الاحتياطيات تستحوذ على 70% من المخزونات العالمية، وتضمّ هذه العشرة من بينها الصين والولايات المتحدة واليابان والهند والدول الأوروبية الأعضاء في OECD ما يقارب نصف سكان العالم.

خزانات نفطية كبيرة تظهر في الخلفية مع أبراج كهربائية، تعكس أزمة الطاقة العالمية وتأثيرها على الدول النامية.
Loading image...
خزانات تخزين النفط في قاعدة تخزين النفط الخام فوجي أويل ناكاسودي في سوديغاورا، محافظة تشيبا، اليابان، في 25 مارس 2026 [يويشي يامازاكي/أ ف ب]

وفي هذا السياق، يرى Andreas Goldthau، خبير الطاقة في مدرسة Willy Brandt للسياسات العامة بجامعة Erfurt الألمانية، أن تنامي النفوذ الاقتصادي لدول كالصين والهند أضعف قدرة وكالة الطاقة الدولية على التأثير في أسعار النفط، مما يُفاقم مخاطر أمن الطاقة عالمياً.

وقال Goldthau : "كلّما تراجعت حصة دول OECD في الطلب العالمي نتيجة انخفاض كثافة استهلاك النفط داخلياً ونموّ الطلب في الخارج تقلّصت الحصة السوقية المنظَّمة تحت مظلّة الوكالة وآليات إدارة الطوارئ المشتركة. بعبارة أخرى، يواجه سوق النفط العالمي تحدّياً متصاعداً: مجموعة متناقصة الحجم من الدول تتولّى امتصاص تقلّبات السوق."

ويُقدّر Claudio Galimberti، كبير الاقتصاديين في شركة Rystad Energy ومقرّها هيوستن بولاية تكساس، أن أكثر من 70% من سكان العالم يعيشون في دول تفتقر إلى احتياطيات كافية. ويرى Galimberti أن الدول ينبغي أن تستهدف الاحتفاظ باحتياطيات تكفي لـ 120 إلى 150 يوماً أي أكثر من معيار الوكالة البالغ 90 يوماً لتتمكّن من إدارة صدمات أسعار الطاقة بصورة أفضل، مضيفاً: "الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية مسألة أمن قومي بامتياز."

الواقع الميداني: أيام معدودة من الوقود

في أجزاء واسعة من آسيا النامية المعتمدة بشكل كبير على استيراد الوقود، باتت التصريحات الرسمية تكشف صراحةً أن المخزونات تقع دون مستوى معيار وكالة الطاقة الدولية بفارق كبير، وسط موجة من نقص الطاقة.

ففي مقابلة أواخر الشهر الماضي، أفصح وزير الطاقة الباكستاني Ali Pervaiz Malik عن أن بلاده لا تمتلك من احتياطيات النفط الخام سوى ما يكفي لخمسة إلى سبعة أيام. وفي السياق ذاته، أعلن مسؤولون في إندونيسيا وبنغلاديش وفيتنام في الأسابيع الأخيرة أن مخزوناتهم الراهنة لا تتجاوز 23 يوماً إلى شهر واحد.

ويوضح Neil Crosby، رئيس قسم الأبحاث في شركة Sparta بسنغافورة، أن كثيراً من الدول النامية لا تعاني فقط من شُحّ التمويل اللازم لبناء الاحتياطيات الاستراتيجية، بل تواجه أيضاً عقبات تقنية جوهرية كانقطاع الشبكة الكهربائية وضعف طاقة التكرير المحلية. ويعني ذلك أنها غير مهيّأة للاحتفاظ بمخزونات كبيرة من النفط الخام التي كان من شأنها كبح أسعار الوقود، وبالتبعية أسعار السلع الأساسية كالغذاء.

الطاقة المتجدّدة: "أقوى دفاع على المدى البعيد"

يرى Crosby أنه في حين يمكن للجنوب العالمي تخفيف بعض تكاليف بناء الاحتياطيات من خلال الشراكة مع القطاع الخاص، فإن الحكومات ستحتاج في المحصّلة إلى تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري خلال السنوات المقبلة، وهو مسار يستلزم استثمارات مكلفة في الطاقة الخضراء.

وقال Crosby لـ Al Jazeera: "في نهاية المطاف، أقوى دفاع على المدى البعيد هو تسريع مشاريع الطاقة المتجدّدة لفصل توليد الطاقة المحلية بصورة دائمة عن سوق النفط الدولية."

في المقابل، يرى Adi Imsirovic، المتداول المخضرم في النفط والمحاضر في جامعة Oxford، أن أزمات الطاقة في هذه الدول كثيراً ما تتفاقم بسبب سياسات "مناهضة لحرية السوق". وقال : "دعم الوقود الأحفوري وتحديد سقوف الأسعار وآليات التحكّم المماثلة هي السبب الرئيسي للنقص وهدر الوقود الثمين."

عامل يعبئ الوقود في محطة بنزين، مع التركيز على أزمة الطاقة العالمية وتأثيرها على الدول الفقيرة.
Loading image...
عامل يعبئ الوقود في دراجة نارية بعد أن رفعت الحكومة الباكستانية أسعار الوقود بسبب الحرب على إيران، في بيشاور، باكستان، في 3 أبريل 2026.

هل يحتاج العالم إلى وكالة طاقة جديدة؟

يرى بعض المحلّلين أن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تُجلّي الحاجة إلى آليات جديدة لإدارة المخزونات العالمية وتوزيعها، بما يضمن استقراراً أكبر في الأسعار.

في الوضع الراهن، تقتصر عضوية وكالة الطاقة الدولية على دول منظمة OECD، مما يُقصي اقتصادات كبرى كالصين والهند وإن كانت كلتاهما من بين 13 دولة "مرتبطة" تتعاون مع الوكالة في شؤون الطاقة وتشارك في معظم اجتماعاتها.

ويرى Galimberti من Rystad Energy أن أزمة الطاقة الراهنة ستدفع الدول النامية على الأرجح إلى المطالبة بدور أكبر في إدارة المخزونات العالمية، مؤكّداً: "من الضروري أن تنضمّ هذه الدول إما إلى وكالة الطاقة الدولية القائمة أو أن تُنشئ هيئة جديدة للدفاع عن أمنها القومي."

أما وليد من معهد سياسات التنمية المستدامة، فيرى أن الجنوب العالمي يمكنه، بدلاً من إنشاء منافس لوكالة الطاقة الدولية، السعي نحو اتفاقيات إقليمية تشمل تجارة الكهرباء عبر الحدود وتبادل الطاقة في حالات الطوارئ والتمويل المشترك للبنية التحتية الاستراتيجية. وقال: "جنوب آسيا ورابطة أمم جنوب شرق آسيا (ASEAN) وأفريقيا والدول الجزرية الصغيرة النامية جميعها يمكن أن تستفيد من هذه الترتيبات."

بيد أن Crosby من Sparta يُبدي تحفّظات عملية على هذه المقاربة، قائلاً: "في الواقع، تعاني هذه التكتّلات في الغالب من صعوبات في التوافق الداخلي، إذ يخلق الجمع بين الدول المستوردة صافياً والمصدّرة صافياً تعارضاً جوهرياً في الأهداف الاقتصادية خلال فترات تقلّب الأسعار. وعلاوة على ذلك، توفّر اتفاقيات تبادل الإمدادات الإقليمية حمايةً محدودة في أوقات النقص العالمي المتزامن، إذ قد يجد التكتّل الإقليمي بأسره نفسه في آنٍ واحد دون فائض يمكن تبادله."

أخبار ذات صلة

Loading...
إطلاق صاروخ SpaceX من منصة الإطلاق، مع ظهور مبنى الشركة في الخلفية، في إطار استعدادات الطرح العام الأولي بقيمة 75 مليار دولار.

SpaceX تستعدّ لطرح عام بقيمة 75 مليار دولار

تستعد SpaceX لإحداث ثورة في عالم الطروحات العامة، مع طرحها التاريخي بقيمة 75 مليار دولار. هل سيصبح إيلون ماسك أول تريليونير في العالم؟ تابع التفاصيل المثيرة حول هذا الحدث الفريد في تاريخ الأسواق المالية!
اقتصاد
Loading...
واجهة بورصة نيويورك مع علم الولايات المتحدة، تعكس الفجوة الاقتصادية المتزايدة بين الأغنياء والفقراء في أمريكا.

ثروة الأمريكيين الأثرياء تتسع: الأرقام والأسباب

هل تساءلت يومًا عن كيفية توزيع الثروة في أمريكا؟ الأثرياء يمتلكون 68% من الثروة الوطنية، بينما تتراجع الفئات الأدنى. اكتشف الأسباب وراء هذا التباين المثير وكيف يؤثر على حياتنا اليومية. تابع القراءة لتفاصيل أكثر!
اقتصاد
Loading...
ارتفاع أسعار الوقود في محطة بنزين أمريكية، مع مضخة وقود متصلة بسيارة سوداء، يعكس تأثير التضخم على نفقات الاستهلاك.

التضخم الأمريكي يقفز إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات وسط التوترات مع إيران

تتسارع وتيرة التضخّم في الولايات المتحدة، مما يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف حرج. مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، كيف ستؤثر هذه التغيرات على الاقتصاد؟ تابع معنا لتكتشف المزيد عن الأرقام والاتجاهات الحالية.
اقتصاد
Loading...
صورة لعامل يعمل على منصة نفطية تحت سماء غائمة، تعكس التحديات الحالية في قطاع الطاقة الأمريكي مع انخفاض الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.

احتياطيات أمريكا الاستراتيجية من النفط تتراجع بسرعة

تقترب الاحتياطات النفطية الاستراتيجية الأمريكية من أدنى مستوياتها منذ الثمانينيات، مما يضع الولايات المتحدة كمورّد النفط الأخير في العالم. مع تصاعد أسعار الوقود، هل ستتمكن من استعادة توازنها؟ تابع القراءة لاكتشاف المزيد.
اقتصاد
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية