أوروبا تدفع ثمن انهيار مشروع الطائرة المقاتلة
أعلنت فرنسا وألمانيا عن إلغاء مشروع طائرة الجيل السادس، مما يبرز ضعف التعاون الدفاعي الأوروبي في وقت حرج. انهيار المشروع الذي كلف 116 مليار دولار يعكس التوترات بين الشركات ويطرح تساؤلات حول مستقبل الأمن الأوروبي.

فرنسا وألمانيا تُجهزان على مشروع طائرة الجيل السادس و أوروبا تدفع الثمن
أعلنت فرنسا وألمانيا الاثنين إلغاءَ مشروعهما المشترك لتطوير طائرة مقاتلة من الجيل السادس، في قرارٍ وصفه المراقبون بأنّه ضربةٌ موجعة لمساعي التعاون الدفاعي الأوروبي في لحظةٍ بالغة الحساسية.
أكّد مكتب الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron وقفَ المشروع رسمياً، في حين تأتي هذه الخطوة في سياقٍ بالغ الدلالة: أوروبا تتساءل بصوتٍ مرتفع عن مدى استعداد الولايات المتحدة في عهد الرئيس Donald Trump للوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها في حلف NATO، وهو ما يجعل من الوحدة الدفاعية الأوروبية ضرورةً استراتيجية لا ترفاً سياسياً.
مشروع بمئة مليار دولار يتبخّر
كان مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) يُمثّل رهاناً أوروبياً كبيراً، إذ كانت تكاليفه المتوقّعة تبلغ نحو 116 مليار دولار. غير أنّ المشروع انهار في نهاية المطاف بسبب فشل شركة Dassault Aviation الفرنسية وشركة Airbus التي كانت تمثّل ألمانيا وإسبانيا في المشروع في الاتفاق على توزيع أدوار القيادة والسيطرة. ويُشير المطّلعون على مسار المفاوضات إلى أنّ التنافس الحاد بين الشركتين كان العاملَ الحاسم في تفكّك هذه الشراكة.
وقال قصر الإليزيه في بيانٍ رسمي: "رأت السلطات الألمانية أنّه لم يكن بالإمكان ممارسة مزيدٍ من الضغط على الشركات المعنية"، مضيفةً: "ستواصل السلطات الفرنسية تشجيع شركاتنا وقواتنا المسلّحة على استكشاف السُّبل الكفيلة بمتابعة مشاريع أوروبية طموحة تنسجم مع مصالحنا الأمنية الوطنية".
من الطموح إلى الانهيار
أُطلق المشروع في عام 2017، وانضمّت إليه إسبانيا بعد عامين، بهدفٍ واضح: تطوير طائرة مقاتلة تحلّ محلّ المقاتلة الفرنسية Rafale ومقاتلة Eurofighter التي تعتمدها أسلحة جوية بريطانية وألمانية وإسبانية وغيرها، وذلك بحلول عام 2040 تقريباً. وكان يُفترض أن يُرافق الطائرةَ الجديدةَ أسرابٌ من الطائرات المسيّرة وسحابةٌ بيانية قتالية عالية الأمان.
وقد بذلت فرنسا وألمانيا جهوداً متكرّرة لإنقاذ المشروع من الانهيار، وكان آخرها نقاشٌ جرى الأسبوع الماضي بين Macron والمستشار الألماني Friedrich Merz، لكنّ ذلك لم يُفضِ إلى أيّ اختراق.
السياق الأشمل: أوروبا وحدها في الميدان؟
لا يمكن فهم هذا الإخفاق بمعزلٍ عن السياق الاستراتيجي الأوسع. فالاتحاد الأوروبي يُعاني منذ سنواتٍ من عجزٍ بنيوي في تنسيق سياساته الدفاعية، ويعود ذلك جزئياً إلى مخاوف متجذّرة من أن يُضعف أيّ تعاونٍ أوروبي مستقلّ بنيةَ حلف NATO. بيد أنّ هذه المخاوف باتت تتراجع أمام قلقٍ أشدّ وطأةً: احتمال أن تنسحب الولايات المتحدة من دورها الأمني التقليدي في القارّة.
Trump لم يُخفِ شكوكه في جدوى حلف NATO، وقد رفع منسوب القلق الأوروبي حين لوّح باستخدام القوة العسكرية للاستيلاء على جزيرة Greenland من الدنمارك، الشريك في الحلف. وفي الوقت الذي واصلت فيه روسيا عدوانها على أوكرانيا، وارتفعت المخاوف من امتداد الحرب إلى الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي وحلف NATO، جاء الموقف الأمريكي ليُضاعف الشعور الأوروبي بالهشاشة.
وقد اتّخذ التوتّر بين ضفّتَي الأطلسي منحىً جديداً في الأسابيع الأخيرة، حين انتقدت الدول الأوروبية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ورفضت الانخراط فيها، فارتفع سقف خطاب Trump ضدّ حلفائه الأوروبيين. ويرى قادة أوروبيون كثيرون أنّ هذا التحوّل الأمريكي الظاهر نحو الابتعاد عن أوروبا قد يُضعف المنظومة الأمنية للقارّة ويمنح روسيا جرأةً إضافية.
ولكن وهنا تكمن المفارقة المُحرجة في اللحظة التي تحتاج فيها أوروبا أكثر من أيّ وقتٍ مضى إلى إثبات قدرتها على بناء قوّتها الدفاعية بنفسها، تُخفق أكبر دولتين فيها في الاتفاق على تقاسم أدوار مشروعٍ كانت تُقدّمه للعالم نموذجاً على وحدتها. ما انهار هنا ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل روايةٌ كاملة عن التضامن الأوروبي في مواجهة التحدّيات.
أخبار ذات صلة

تايوان تختبر صواريخ موجّهة نحو الصين من منصّة إطلاق أمريكية

الهجمات الأمريكية الإيرانية: ماذا تعني لتوازن القوى الإقليمي

إيران تشنّ هجماتٍ على البحرين والكويت والأردن ردّاً على الضربات الأمريكية
