خَبَرَيْن logo

تحديات الأمن الأوروبي في ظل الانسحاب الأمريكي

تتزايد المخاوف بشأن الأمن الأوروبي مع تراجع الالتزام الأمريكي وتهديدات روسيا. ترامب يعلن سحب القوات من ألمانيا، مما يكشف عن أزمة عميقة في العلاقات الأطلسية. كيف ستستجيب أوروبا لهذه التحديات المتزايدة؟ اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

دبابة تطلق قذيفة في تمرين عسكري، تعكس التوترات الأمنية في أوروبا وتأثير الانسحاب الأمريكي على حلف الناتو.
دبابة ليوبارد 2A6 تطلق النار خلال عرض قدمه الجنرال الألماني أثناء زيارة المستشارة الألمانية لقوات الجيش الألماني (البوندسفير) في ثكنات القوات المسلحة الألمانية في مدينة مونستر بشمال ألمانيا، في 30 أبريل 2026. دانيال رينهاردت/وكالة فرانس برس/صور غيتي.
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في برلين كما في لندن وباريس، باتت الأسئلة المتعلقة بمستقبل الأمن الأوروبي تُطرح بإلحاحٍ لم يسبق له مثيل منذ نهاية الحرب الباردة. لا يكاد يمرّ أسبوعٌ دون أن تنشأ مواجهةٌ جديدة بين إدارة ترامب وأوروبا، لكنّ ما يتشكّل اليوم يتجاوز حدّة التصريحات ومناوشات الرسوم الجمركية: إنّه تصدّعٌ في الأساس الذي قامت عليه العلاقة الأطلسية منذ عقود.

في عامٍ شهد خلافاً حادّاً حول الرسوم الجمركية، وتهديداً أمريكياً بضمّ غرينلاند، وخلافاتٍ حول دعم أوكرانيا، يبقى التصدّع في حلف شمال الأطلسي (NATO) التهديدَ الأشدّ إلحاحاً على الأمن الأوروبي.

قرار الانسحاب وردود الفعل

أعلن الرئيس الأمريكي Donald Trump أنّ الولايات المتحدة ستسحب 5,000 جندي وربّما أعداداً أكبر من القواعد الأمريكية في ألمانيا، وجاء ذلك في أعقاب انتقاد المستشار الألماني Friedrich Merz للطريقة التي تعاملت بها واشنطن مع الملفّ الإيراني، حين وصف طهران بأنّها أذلّت واشنطن.

ولم يتوقّف Trump عند ألمانيا، إذ وجّه انتقاداتٍ حادّة لإسبانيا وإيطاليا بسبب عدم دعمهما للحملة الأمريكية ضدّ إيران. وحين سُئل عن احتمال سحب القوات الأمريكية من هذَين البلدَين، أجاب بصراحة: "ربّما... انظر، لماذا لا أفعل ذلك؟ إيطاليا لم تقدّم لنا أيّ مساعدة، وإسبانيا كانت فظيعة، فظيعة للغاية."

وكانت إسبانيا قد رفضت منح الجيش الأمريكي إذناً باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي في أيّ عملياتٍ أو ضربات مرتبطة بالصراع. أمّا انتقاد إيطاليا فجاء لافتاً، إذ تُعدّ رئيسة وزرائها Giorgia Meloni من أبرز حلفاء Trump في أوروبا.

طالما شكا Trump من أنّ الولايات المتحدة تتحمّل وحدها عبء الأمن الغربي بصورةٍ غير عادلة، وسبق أن وصف ألمانيا أكبر اقتصادات أوروبا بأنّها "مقصِّرة" في هذا الملفّ. والانسحاب الجزئي الراهن ليس سوى فصلٍ جديد في هذه الرواية المتكرّرة، غير أنّه يكشف عن أزمةٍ أعمق.

في مواجهة تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا وتنامي التهديد الروسي، تتعهّد ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا بإطلاق مرحلةٍ جديدة من الإنفاق الدفاعي. لكنّ الطريق طويلٌ وضيّق، والوقت المتاح لقطعه ليس كثيراً.

واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها

قال وزير الدفاع الألماني Boris Pistorius يوم السبت، في أعقاب تصريحات Trump بشأن سحب القوات: "إذا أردنا أن نبقى أطلسيّين، فلا بدّ من تعزيز الركيزة الأوروبية داخل حلف NATO." ووصف Pistorius الانسحاب بأنّه كان "متوقّعاً"، مشيراً إلى أنّه لم يكن مفاجئاً.

وفي السياق ذاته، أكّد المستشار Merz في مقابلةٍ يوم الأحد أنّه "لا توجد صلة" بين التوتّر مع Trump وتقليص عدد القوات الأمريكية، وفقاً لما نقلته وكالة Reuters.

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس يسير أمام صف من الجنود أثناء مراسم رسمية، في سياق مناقشات حول الأمن الأوروبي.
Loading image...
حاول وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستورياس، التقليل من أهمية الخلاف مع الولايات المتحدة.

لا تزال آلاف الجنود الأمريكيين متمركزة في ألمانيا، وإن كانت أعدادهم تمثّل جزءاً يسيراً ممّا كانت عليه في السابق. فبحسب بيانات وزارة الدفاع الأمريكية، بلغ عدد العناصر العسكرية الأمريكية النشطة في ألمانيا 36,436 عنصراً في ديسمبر 2025. وفي ذروة الحرب الباردة، كان نحو 250,000 جندي متمركزاً في ألمانيا الغربية آنذاك.

لقد أُسدل الستار على تلك المظلّة الأمنية رغم استمرار التهديد الروسي. وقالت المتحدّثة باسم NATO، Allison Hart، يوم السبت إنّ الخطوة الأمريكية الأخيرة "تؤكّد الحاجة إلى أن تستثمر أوروبا أكثر في الدفاع."

وبحسب مسؤولٍ رفيع في البنتاغون هو Elbridge Colby، تريد واشنطن التركيز على التحدّيات التي "لا يمكن لغير القوة الأمريكية أن تؤدّي فيها دوراً حاسماً" في آسيا وفي نصف الكرة الغربي، مطالباً بـ"جهودٍ أكبر بكثير من حلفائنا لتولّي المسؤولية الأولى عن الدفاع التقليدي عن أوروبا."

وأضاف Colby أنّه من المنظور الأمريكي، "لا شيء في هذه الرؤية يعادي أوروبا. بل على العكس، إنّها تعكس أملاً وثقةً حقيقيّة في قدرة أوروبا على التصرّف بجدّيةٍ وحيويّة."

لكنّ بعض الأوروبيين يرون الأمر بعينٍ مختلفة إذ يعتبرونه تخلّياً عن التضامن والغاية المشتركة، ومثالاً صارخاً على الأحادية الأمريكية.

وقال رئيس الوزراء البولندي Donald Tusk يوم السبت: "أكبر تهديدٍ يواجه المجتمع الأطلسي ليس أعداءه الخارجيين، بل التفكّك المتواصل لحلفنا. يجب علينا جميعاً أن نفعل ما يلزم لوقف هذا المسار الكارثي."

جبلٌ من التحدّيات

وقف هذا المسار يستلزم رفع الإنفاق الدفاعي لدى معظم أعضاء NATO، وإحياء قدرات الإنتاج العسكري، والاستثمار في التقنيات الحديثة، وتعميق التعاون بين الحلفاء.

وفق الخطط الراهنة، من المقرّر أن يتضاعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي السنوي تقريباً بحلول عام 2030، ليبلغ نحو 750 مليار دولار.

لكنّ الاستخدام الأمثل لهذه الأموال يستدعي بدوره تغييراً في العقليّة. فعلى صعيد الدفاع، تتشبّث الحكومات بأولوياتها الوطنية بشدّة، ممّا أفضى تاريخياً إلى غيابٍ شبه تامّ للتعاون في الإنتاج والمشتريات.

جنود أمريكيون يرتدون زيهم العسكري ويقومون بدورية بالقرب من قاعدة عسكرية، مما يعكس التوترات الحالية في الأمن الأوروبي.
Loading image...
أعضاء من الجيش الأمريكي يتدربون في ألمانيا - ترامب يقول إنه سيسحب 5000 جندي وقد يتبعهم المزيد. شون غالوب/صور غيتي.

يرى المحلّلون أنّ صغر حجم دورات الإنتاج يجعل معدّاتٍ كدبّابة Leopard الألمانية أغلى بكثير من نظيرتها الأمريكية. فالولايات المتحدة تنتج نوعاً واحداً من الدبّابات الرئيسية، بينما تنتج أوروبا نحو اثني عشر نوعاً.

وخيرُ مثالٍ على تعارض المصالح الوطنية هو انهيار المشروع الفرنسي الألماني لبناء جيلٍ جديد من الطائرات المقاتلة. وسط خلافاتٍ متواصلة حول قيادة المشروع، قال الرئيس التنفيذي لشركة الطيران الفرنسية Dassault، Eric Trappier، في إشارةٍ إلى الجانب الألماني: "إذا أرادوا أن يفعلوها بأنفسهم، فليفعلوا."

ثمّة تحدٍّ آخر يرافق مسيرة أوروبا نحو التحرّر من الاعتماد على الأسلحة الأمريكية. تريد الاتحاد الأوروبي أن يتجه ما لا يقلّ عن نصف الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء نحو الداخل الأوروبي بحلول عام 2030.

المنطق بسيط: لا يمكن بناء قدراتك الذاتية إذا كنت تشتري من الخارج جاهزاً. وتاريخياً، ذهب ما يقارب 80% من المشتريات إلى خارج المنطقة الأوروبية، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة.

إدارة هذا التحوّل دون إفراز ثغراتٍ أمنية جديدة تمثّل تحدّياً ضخماً، يزداد تعقيداً في ظلّ الاستهلاك المتسارع للأسلحة والذخائر الأمريكية في الحرب على إيران، سواءٌ من قِبَل القوات الأمريكية ذاتها أو حلفائها الخليجيين.

الهوّة الصاروخية

تبرز الفجوة بصورةٍ حادّة في منظومات الدفاع الصاروخي، وهو مجالٌ تعاني أوروبا فيه أصلاً من ضعفٍ بنيوي. يصف المحلّلون معدّل استهلاك صواريخ الاعتراض كـ Patriots و THAADs في الصراع الخليجي بأنّه "مذهل"، فيما تعتزم واشنطن إرسال مزيدٍ من هذه الأسلحة لحلفائها الخليجيين بمليارات الدولارات.

واللافت أنّ البنتاغون أعلن، إلى جانب تقليص القوات في ألمانيا، أنّه لن يُرسل كما كان مخطّطاً كتيبةَ صواريخ بعيدة المدى مجهّزة بصواريخ Tomahawk وصواريخ فرط صوتية.

تنتج الشركات الأوروبية أنواعاً متعدّدة من صواريخ الاعتراض، لكنّها لا تفعل ذلك بالحجم الكافي، ولا سيّما تلك القادرة على التصدّي للصواريخ الباليستية والصواريخ الجوّالة المتطوّرة. وخلصت دراسةٌ حديثة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أنّها لا توفّر "بديلاً واحداً كاملاً للمنظومات الأمريكية."

عرض لمعدات عسكرية متقدمة في معرض دفاعي، حيث يتفاعل زوار مع نماذج صواريخ وأنظمة تسليح، في سياق تعزيز الأمن الأوروبي.
Loading image...
نظام صواريخ موجهة في جناح مجموعة EM&E خلال معرض الدفاع FEINDEF في مدريد، إسبانيا، يوم الاثنين 12 مايو 2025. وقد وعد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الشهر الماضي بأن البلاد ستفي بهدف الناتو المتمثل في 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

قد يُخفّف التصنيع المشترك من حدّة هذه الأزمة، لكنّ تقرير CSIS أشار إلى أنّ ذلك "يستلزم قدراً من الثقة الأطلسية المتبادلة والأولويات المشتركة، وهو ما قد لا يكون موجوداً بعد الآن."

هنا يكمن المأزق الأوروبي. المسار السريع نحو إعادة التسلّح يمرّ عبر الولايات المتحدة، لكنّه يشترط ثقةً متبادلة واتّساقاً في السياسات. أمّا المسار الأبطأ، فيتطلّب من أوروبا إنفاقاً أكبر، والتغلّب على تشرذم بنيتها الصناعية، والمراهنة على ما إذا كانت أولويات واشنطن اليوم مجرّد مرحلةٍ عابرة أم نظاماً جديداً راسخاً.

ثمّة بوادر تقدّم: المملكة المتحدة منخرطةٌ بعمقٍ في بناء هويّةٍ دفاعية أوروبية رغم Brexit، وتتكاثر المشاريع المشتركة بين شركات الدفاع وأوكرانيا. وشركاتٌ كـ Saab السويدية و Rheinmetall الألمانية و BAE البريطانية تسجّل أعلى مستوياتٍ في سجلّات طلباتها. كما اندمجت السويد وفنلندا، اللتان انضمّتا مؤخّراً إلى حلف NATO، بسرعةٍ في منظومة الحلف.

غير أنّ تجميع السيادات الوطنية لتسريع القدرة الدفاعية الأوروبية لا يزال الكأسَ المقدّسة التي يسعى الجميع إليها دون أن يبلغها أحد.

أخبار ذات صلة

Loading...
اعتقال متظاهر يحمل لافتة خلال احتجاج ضد سياسة ألمانيا تجاه إسرائيل، وسط تواجد مكثف للشرطة.

ألمانيا تفقد مقعدها في مجلس الأمن: هل دعمها لإسرائيل السبب؟

فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد مؤقت في مجلس الأمن، مما أثار انتقادات داخلية حادة. هل يمكن أن يكون دعمها لإسرائيل هو السبب؟ تابعوا معنا لاستكشاف أسباب هذه الهزيمة وتأثيرها على السياسة الخارجية الألمانية.
سياسة
Loading...
خليل الرحمن، وزير الخارجية البنغلاديشي، يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد انتخابه رئيساً للدورة الحادية والثمانين.

خليل الرحمن: وزير خارجية بنغلاديش الذي فاز برئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

في وقتٍ يتصاعد فيه الضغط على التعددية الدولية، أصبح خليل الرحمن رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة. تعرف على مسيرته الدبلوماسية وتحدياته المقبلة في هذا المنصب الرفيع. تابع القراءة لتكتشف المزيد!
سياسة
Loading...
اجتماع دبلوماسي في واشنطن بين ممثلين عن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة، حيث تظهر أعلام الدول المشاركة، وسط مناقشات حول وقف إطلاق النار.

إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف إطلاق نار مشروط

في ظل تصاعد التوترات، توصلت إسرائيل ولبنان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مشروطًا بوقف كامل من حزب الله. بينما تستمر الهجمات، يبقى الوضع معقدًا. هل ستنجح هذه المفاوضات في تحقيق السلام؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في المقال.
سياسة
Loading...
النائب الجمهوري Mike Johnson يتحدث في مجلس النواب الأمريكي، حيث تم التصويت على قرار يقيّد صلاحيات الرئيس ترامب في العمليات العسكرية ضد إيران.

قرار أمريكي نادر: مجلس النواب يقيّد صلاحيات ترامب في الحرب ضد إيران

في سابقة تاريخية، انضم أربعة جمهوريين إلى الديمقراطيين في تصويت يقيّد صلاحيات ترامب العسكرية ضد إيران. هل ستنجح هذه الخطوة في إنهاء النزاع؟ تابعوا التفاصيل حول تأثيرات هذا القرار على السياسة الأمريكية.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية