خَبَرَيْن logo

انهيار مشروع المقاتلة الأوروبية يثير تساؤلات جديدة

انهار مشروع المقاتلة الأوروبية التي كانت تُعتبر ركيزة التعاون العسكري بين فرنسا وألمانيا، مما يطرح تساؤلات حول جدوى المشاريع المتعددة الجنسيات في تطوير تقنيات الدفاع. هل كان الفشل حتمياً؟ اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

اجتماع لزعماء أوروبيين، بما في ذلك الرئيس ماكرون، لتوقيع اتفاقية تتعلق بمشروع المقاتلة الأوروبية، مع تباين واضح في التعبيرات.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، واقفًا، يحضر مراسم توقيع كجزء من الكشف عن نموذج الطائرة المقاتلة بالحجم الكامل في باريس عام 2019.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين أُعلن رسمياً هذا الأسبوع عن انهيار مشروع بناء مقاتلة أوروبية تتفوّق على الأمريكية F-35، لم يُفاجأ أحدٌ تقريباً ممّن تابعوا مسار هذا الملفّ عن كثب.

التعارضات الصناعية هي ما أغرق المشروع في نهاية المطاف ذلك المشروع الذي كان يُقدَّم بوصفه ركيزةً سياسيةً جوهرية للتعاون العسكري الفرنسي-الألماني في إطار نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS). المشروع الذي قُدِّرت تكلفته بـ100 مليار يورو (ما يعادل 116 مليار دولار) بدا محكوماً عليه منذ البداية: فرنسا وألمانيا أرادتا طائرتَين مختلفتَين.

كان البرنامج يعِد أيضاً بـ"سحابة قتالية" (combat cloud) لتبادل المعلومات، وطائرات مسيَّرة متطوّرة تطير جنباً إلى جنب مع المقاتلة بوصفها "مرافقين غير مأهولين" (unmanned wingmen). هذه العناصر قد تنجو من الانهيار.

غير أنّ سقوط الجزء المتعلّق بالمقاتلة يطرح تساؤلات جدية حول جدوى النهج متعدّد الجنسيات في تطوير التقنيات العسكرية من الجيل القادم، في وقتٍ تُعيد فيه أوروبا رسم استراتيجيتها الدفاعية على وقع تآكل الشراكة عبر الأطلسي في عهد الرئيس الأمريكي Donald Trump.

هل كان الفشل حتمياً؟

منذ الإعلان عنه عام 2017، لم يخلُ مشروع بناء أول مقاتلة أوروبية من الجيل السادس من المشكّكين.

قال الجنرال الفرنسي المتقاعد Michel Yakovleff، النائب السابق للقائد الأعلى لقوات حلف NATO في أوروبا : "الدرس الأول هو أنّ الألمان والفرنسيين لم يريدوا الطائرة ذاتها." وفي أوساط الصناعة، أبدى الخبراء دهشتهم من أنّ المشروع استغرق كلّ هذا الوقت قبل أن ينهار.

كانت الطائرة ثمرةً مشتركة بين شركة Dassault Aviation الفرنسية ومجموعة Airbus الأوروبية للفضاء والدفاع التي تمثّل الجانب الألماني.

في نهاية المطاف، عجزت الشركتان عن الاتفاق على كيفية تصميم الطائرة وتصنيعها. وحمّل الجانب الفرنسي برلين جزءاً من المسؤولية على الأقل، إذ "رأت أنّه لم يكن بمقدورها ممارسة مزيدٍ من الضغط" على Airbus وDassault، وفق البيان الفرنسي. وقال السيناتور Cédric Perrin، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والقوات المسلّحة في مجلس الشيوخ الفرنسي: "الرئيس (Emmanuel) Macron وحده كان لا يزال يؤمن ببقاء (FCAS)."

نموذج لطائرة مسيّرة HX-2 معروضة في معرض جوي، حيث يتفاعل الزوار مع التكنولوجيا العسكرية الحديثة.
Loading image...
تظهر الطائرات المسيرة في معرض إيرلاند 2026 في برلين بتاريخ 11 يونيو 2026 في شونيفيلد، ألمانيا.

وأقرّت الحكومة الألمانية بعجز الشركتَين عن التعاون في المشروع، لكنّ المستشار الألماني Friedrich Merz، متحدّثاً في معرض برلين الجوي هذا الأسبوع، اتّخذ نبرةً تفاؤلية وهو يتطلّع إلى ما يمكن لبلدَيه تحقيقه في ما تبقّى من مشروع FCAS. ويبدو أنّ فرنسا وألمانيا ستتّجهان إلى مشاريع وطنية أو متعدّدة الأطراف بصورة مستقلّة لسدّ الفراغ الذي خلّفه انهيار مشروع المقاتلة المشتركة.

لفرنسا تاريخٌ عريق في بناء مقاتلاتها الخاصة، يمتدّ إلى الأيام الأولى للقتال الجوي. في حقبة الحرب الباردة، طوّرت فرنسا المسلّحة نووياً والمتشكّكة في NATO فلسفتها الخاصة في الحرب الجوية، وكان في صلبها مقاتلات عالية الكفاءة، بعضها مصمَّم للعمليات من حاملة طائراتها، وجميعها "متعددة المهام" بطبيعة تصميمها. مقاتلة Mirage من إنتاج Dassault ومؤخّراً Rafale قادرةٌ على التسلّل إلى الأجواء المعادية والاشتباك الجوي وإلقاء القنابل وإطلاق الصواريخ الجوّالة. أمّا ألمانيا، التي لا تمتلك حاملات طائرات ولا أسلحة نووية، فقد سعت إلى مقاتلة للاشتباك الجوي التقليدي، بل تساءلت عمّا إذا كانت بحاجة إلى طيّار أصلاً.

قال Yakovleff: "سلاح الجو الفرنسي بارعٌ جداً في صياغة متطلّبات عامة ومرنة وترك Dassault تتولّى إدارة التنازلات التقنية"، في مقابل المتطلّبات التقنية المفرطة التي أثقلت كاهل FCAS وعرقلت مسيرته. وحتى في سبعينيات القرن الماضي، كانت مؤسسة RAND الأمريكية للأبحاث تدرس كيف تمكّنت Dassault من تسليم مقاتلات متطوّرة في مواعيدها وبتكاليف أقلّ بكثير من نظيراتها الأمريكية.

منذ الحرب العالمية الثانية، لم تصنع ألمانيا مقاتلةً بمفردها، مفضّلةً المشاريع الأوروبية المشتركة. في السبعينيات، أنتجت ألمانيا الغربية آنذاك قاذفة Tornado بالتعاون مع المملكة المتحدة وإيطاليا؛ ثمّ في التسعينيات عملت مع المملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا لإنتاج مقاتلة Eurofighter للاشتباك الجوي.

هذه المحاولة الأخيرة كانت مشروعاً سياسياً بامتياز، يُجسّد الوحدة الأوروبية في وقتٍ تتصاعد فيه التوترات على حدود القارة. وقد كان فشلاً سياسياً بالقدر ذاته. قال Emil Archambault، الباحث في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية: "هذه مشكلة القيادة السياسية." فبرلين وباريس "أخفقتا في تحديد المتطلّبات بوضوح وفي رسم مسار واضح للمضيّ قُدُماً."

قيمة حقيقية

رغم أنّ انهياره استأثر بالعناوين، فإنّ خسارة المقاتلة المشتركة لا تُشكّل نكسةً جدية للقدرات الأوروبية، بحسب Per Erik Solli، كبير المحلّلين الدفاعيين في المعهد النرويجي للشؤون الدولية.

وإذا نجت الركيزتان المتبقّيتان من مشروع FCAS "السحابة القتالية" لتبادل المعلومات والطائرات المسيَّرة المرافِقة للمقاتلات فإنّ قيمةً حقيقية يمكن إنقاذها.

نموذج لمقاتلة أوروبية متطورة، تمثل مشروع FCAS، مع لافتات لشركتي داسو وآيرباص في معرض جوي، تعكس التحديات في التعاون العسكري.
Loading image...
نموذج لطائرة أوروبية تم تطويرها من قبل فرنسا وألمانيا وإسبانيا كجزء من نظام القتال الجوي المستقبلي، تم عرضه خلال معرض باريس الدولي للطيران في فرنسا في يونيو 2023. بنوا تيييه/رويترز

بالنسبة للمقاتلات الحديثة، قال Solli: "المسألة ليست مدى سرعتها أو حدّة مناوراتها." فمع ظهور الطائرات المسيَّرة المرافِقة، باتت المقاتلة "أشبه بسفينة قيادة لا بطائرة قتالية مستقلّة."

حين أُعلن عن FCAS لأول مرة عام 2017، كان العالم مكاناً مختلفاً تماماً. مع توقّع حلف NATO اندلاع نزاعٍ مع روسيا بحلول عام 2030، لم يعد موعد التسليم المحدَّد لعام 2040 يبدو حكيماً.

في تلك المرحلة، كان تركيز صناعة الدفاع "أقلّ على القدرات والجاهزية القتالية، وأكثر على التقدّم التكنولوجي ومواكبة الأقران والخصوم"، قال Ed Arnold، الباحث الأول المشارك في معهد الخدمات المتحدة الملكي (RUSI) البريطاني لأبحاث الدفاع. أمّا اليوم، فالإنتاج على نطاقٍ واسع هو الملك.

الإنفاق في الدار

بناء مقاتلة ليس أمراً يسيراً وهو مكلفٌ للغاية.

تُشير استطلاعات رأي جديدة أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أنّ الأوروبيين باستثناء إيطاليا يؤيّدون زيادة الإنفاق الدفاعي وشراء الأسلحة الأوروبية الصنع، في وقتٍ تبلغ فيه الثقة بالشريك الأمريكي أدنى مستوياتها منذ جيل.

وتُعدّ أوروبا اليوم أكبر مستوردٍ للأسلحة في العالم، إذ تضاعفت مشترياتها ثلاث مرات خلال الفترة 2021-2025 مقارنةً بالخمس سنوات السابقة، وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). وقد استفادت الولايات المتحدة من ذلك استفادةً كبيرة، إذ تضاعفت مبيعاتها للقارة الأوروبية أكثر من مرّتَين خلال الفترة ذاتها.

في مارس 2025، أعلن Macron المدافع الشرس عن الاستقلالية الأوروبية في الدفاع أنّه سيُقنع الحلفاء بشراء الأسلحة الأوروبية بدلاً من الأمريكية. وقال الزعيم الفرنسي: "هذه هي الطريقة لرفع وتيرة الإنتاج."

وشهدت الأشهر الأخيرة موجةً من الإعلانات من دولٍ أوروبية وغربية تسير في هذا الاتجاه. ألمانيا، التي طالما كانت راعيةً للمصنّعين الأمريكيين، خطت الخطوة الأوضح إلى الوراء في هذا الملف. ففي خطّتها للتسليح العسكري البالغة 80 مليار يورو (93 مليار دولار) للفترة 2025-2026، ستُستورَد نحو 90% من الأسلحة من مصادر أوروبية.

الدنمارك، التي أصابها جرحٌ من مطامع Trump في أراضيها المتمتّعة بالحكم الذاتي غرينلاند، لم تسمح للشركات الأمريكية بالمشاركة في مناقصة عقدٍ للصواريخ بمليارات الدولارات العام الماضي. والأمر لا يقتصر على الأسلحة والمعدّات. فبين حلفاء NATO الأوروبيين، تتصاعد أيضاً الدعوات للتوحّد حول نظام ذكاء اصطناعي أوروبي الصنع لساحة المعركة، بدلاً من نظام Maven AI الذي اعتمدته الولايات المتحدة.

موازين قوى متحوّلة

دبابة تطلق النار في سحابة من الدخان والغبار، تعكس التوترات العسكرية في أوروبا بعد انهيار مشروع المقاتلة الأوروبية FCAS.
Loading image...
دبابة ليوبارد 2A6 الرئيسية التابعة للجيش الألماني، Bundeswehr، تطلق النار خلال عرض قدم لوزير الدفاع الألماني بوريس بيستورياس في 4 مايو 2026، بالقرب من مدينة مونستر، ألمانيا.

يُلقي انهيار مشروع مقاتلة FCAS بظلاله الطويلة على المشروع المشترك الآخر بين فرنسا وألمانيا: بناء دبّابة الجيل القادم.

على خلاف ألمانيا، تفتقر فرنسا حالياً إلى القاعدة الصناعية اللازمة لبناء مدرّعاتها الثقيلة بنفسها. ومع الارتفاع الصاروخي في الإنفاق الدفاعي الألماني إذ يُخطّط برلين لميزانية عسكرية بـ150 مليار يورو بحلول عام 2029 ستتجاوز حتى ميزانية فرنسا، باستثناء الإنفاق النووي الفرنسي غير المُعلَن فإنّ موازين القوى على القارة باتت تتحوّل، مع استيقاظ العملاق الصناعي الألماني.

قال المحلّل الدفاعي Solli: "السياسيون الألمان باتوا أكثر ثقةً بدورهم في أوروبا."

وقال Arnold: "لماذا تبني دبّابةً مكلفةً للغاية ومعقّدة حين يمكنك الاستمرار في تطوير ما لديك أصلاً؟"، مشيراً إلى دبّابات Leopard الألمانية التصميم التي تتفوّق على المركبات المدرّعة الروسية.

غير أنّ انهيار مشروع المقاتلة قد يحمل في طيّاته بارقةَ أملٍ للدفاع الأوروبي، إذا وُجِّهت المليارات المرصودة له نحو تعزيز القدرات والمخزونات بصورة عاجلة. قال Arnold: "إذا كان شيءٌ ما لا يعمل، تُوقفه وتُحوّل موارده وتحصل على قيمةٍ أفضل لمالك.".

أخبار ذات صلة

Loading...
تدشين المدمّرة الكورية الشمالية "Choe Hyon" في حوض نامبو، مع عرض عسكري من الجنود، يمثل تحولًا في القوة البحرية للبلاد.

كوريا الشمالية تعزّز أسطولها بأكبر سفينة حربية في تاريخها

في حدث جديد، أزاحت كوريا الشمالية الستار عن أكبر مدمّرة في تاريخها، «Choe Hyon»، مما يعكس تحولاً جذرياً في قوتها البحرية. هل ستشكل هذه السفينة تهديداً جديداً في المنطقة؟ تابعوا التفاصيل المثيرة!
سياسة عسكرية
Loading...
وزير الدفاع الأمريكي Pete Hegseth يتحدث في اجتماع وزراء دفاع حلف NATO في بروكسل، مع التركيز على مراجعة القوات الأمريكية في أوروبا.

مراجعة القوات الأمريكية بأوروبا: هيغسث يُجدّد انتقاده لحلفاء الناتو

تواجه أوروبا تحديات كبيرة مع تصريحات وزير الدفاع الأمريكي حول مراجعة قوات الناتو. هل ستنجح الدول الأوروبية في تحمل مسؤولياتها الدفاعية؟ اكتشف المزيد حول مستقبل حلف الناتو واستعداده لمواجهة التحديات القادمة.
سياسة عسكرية
Loading...
عامل يرتدي بدلة واقية وقناعاً، يتجول في منشأة نووية تحتوي على معدات ضخمة لتخصيب اليورانيوم، مما يعكس جهود إيران في تعزيز تحصيناتها النووية.

إيران تُغلق مخزون اليورانيوم وتضع ألغاماً تحسباً لعملية أمريكية

تسارعت الأحداث في إيران مع تعزيز تحصيناتها حول مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مما يعقد المفاوضات مع الولايات المتحدة. هل ستتمكن من التهرب من التزاماتها؟ تابع معنا لتكتشف التفاصيل المثيرة!
سياسة عسكرية
Loading...
إطلاق صاروخ من منظومة HIMARS الأمريكية على الساحل الغربي لتايوان، خلال تدريبات عسكرية تحاكي التصدي لغزو صيني محتمل.

تايوان تختبر صواريخ موجّهة نحو الصين من منصّة إطلاق أمريكية

في قلب التوترات العسكرية، أطلق الجيش التايواني صواريخ HIMARS في خطوة غير مسبوقة، لتأكيد عزيمته على الدفاع عن الجزيرة. اكتشف كيف تعكس هذه المناورات الاستراتيجية الجديدة موازين القوى في المنطقة. تابع القراءة لتفاصيل أكثر!
سياسة عسكرية
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية