التلفزيون الجديد يعكس صراعات الإنسان العادي
في تحول جديد للتلفزيون يعكس واقع الناس العاديين وصراعاتهم اليومية، تبرز مسلسلات تُجسد أبطالاً مرهقين يواجهون أزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة. اكتشف كيف تغيرت صورة البطل الدرامي على خَبَرَيْن.

قبل أن تُضاء أضواء Peacock Theater في وسط لوس أنجلوس تلك الليلة من عام 2026، كانت قائمة الترشيحات لجوائز Emmy قد رسمت صورةً لا تُخطئها العين: لم يعد البطل الدرامي رجلاً يسحق الآخرين في طريقه إلى القمّة، بل أصبح طبيباً مرهقاً يقاوم تداعيات قرارات حكومية، أو معلّمةً تُدرّس في مدرسة لا تملك ما يكفي من الكتب، أو مسؤولاً محلياً يحاول أن يحمي بلدته الصغيرة من قوى أكبر منه بكثير. التلفزيون يُعيد اختراع نفسه، وهذه المرّة على صورة الناس العاديين.
من «الرجل الصعب» إلى المواطن المأزوم
لفهم حجم هذا التحوّل، لا بدّ من العودة إلى عام 2014، حين أصدر الكاتب Brett Martin كتابه «Difficult Men»، الذي وثّق صعود ما بات يُعرف بالعصر الذهبي للتلفزيون تلك الحقبة التي هيمنت عليها شخصيات كـ Walter White في «Breaking Bad»، وTony Soprano في «The Sopranos»، وDon Draper في «Mad Men»، وأبطال «The Wire»؛ رجالٌ لا يُحبَّون بالضرورة، لكنّهم يسيطرون على الشاشة بكاريزما السلطة والغموض الأخلاقي.
يصف Martin هؤلاء الأبطال بصراحة: «صنعهم رجالٌ في منتصف العمر كانوا مفتونين برجال في منتصف العمر ومشكلات رجال في منتصف العمر. كثيرٌ من هذه الأعمال تدور حول صراعٍ داخلي بين الخير والشرّ». لكنّ Martin يرى اليوم أنّ تلك الأعمال لم تكن مجرّد ترفيه، بل كانت نبوءةً: «الخمس عشرة سنة الماضية كشفت إلى أيّ حدٍّ كان هؤلاء الفنّانون يستشرفون الأزمة القادمة، التي باتت هي أمريكا في عام 2026. نحن نعيش، بطريقةٍ ما، في العالم الذي كانت تلك المسلسلات تحذّرنا منه». ويُضيف بنبرةٍ تحمل ثقل اللحظة: «لم يعد الأمر يبدو كلعبةً صالونية بعد الآن».
«عصر التلفزيون المُفلس»
في صيف 2026، وصفت ناقدة مجلّة New Yorker التلفزيونية Inkoo Kang هذه المرحلة بعبارةٍ لافتة: «عصر Broke TV» أي تلفزيون الإفلاس والعوز مستشهدةً بمسلسلات من قبيل «DTF St. Louis» و«Beef» و«The Bear» و«The Comeback» بوصفها نماذج على هذا التوجّه الجديد.
وترشيحات Emmy لعام 2026 تُجسّد هذا التوصيف بدقّة. «The Pitt»، الأكثر ترشيحاً هذا العام، يُصوّر أطبّاءً يعانون من صدمات نفسية في ظلّ تداعيات قرارات حقبة Trump وتقليصاتها. «Abbott Elementary» يتتبّع معلّمين في مدرسة حكومية مُهمَلة ماليّاً. «Widow's Bay» يضع مسؤولين محلّيين في مواجهة قوى خارجة عن السيطرة. «Task» يُغوص في عالم ضبّاط شرطة ولصوص في ولاية بنسلفانيا، تتشابك حياتهم مع إدمان المخدّرات وانهيار الأسرة والفساد. «Slow Horses» يُقدّم عملاء استخبارات عاديين يواجهون الإرهاب وموجات الشعبوية. حتى «Love Story: John F. Kennedy Jr. & Carolyn Bessette» يُعيد رواية قصّة امرأةٍ عادية ابتلعتها السياسة والشهرة.
وثمّة مسلسلات تذهب إلى أبعد من ذلك في استحضار روح العصر: «Pluribus» يرسم شخصياتٍ تتشبّث بعالمٍ فقدته، فيما يرى بعض النقّاد في عقل الخليّة الفضائي الذي يهيمن على أحداثه استعارةً مباشرة للذكاء الاصطناعي. و«Paradise» يضع طالبةً في الطبّ تختبئ في Graceland في أعقاب حدثٍ كارثي. أمّا «Margo's Got Money Troubles» و«Your Friends & Neighbors» و«The Diplomat»، فكلٌّ منها يُشخّص وجهاً من وجوه الانهيار الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي.
ولا يغيب الذكاء الاصطناعي عن هذا المشهد؛ إذ يطلّ برأسه في «Hacks» و«The Comeback» و«The Pitt» بوصفه قلقاً مهنياً وجودياً. يقول Alan Sepinwall، الناقد التلفزيوني السابق في Rolling Stone الذي أسّس موقعه الخاص «What's Alan Watching?» بعد أن فقد عمله عام 2025: «هذا قلقٌ يشعر به الناس في كلّ صناعة، وهو حادٌّ بشكلٍ خاصّ في عالم الترفيه».
حين تصبح الشاشة مرآة
ما الذي يجعل هذا التحوّل ذا معنى في لحظتنا الراهنة؟ يُجيب Sepinwall بوضوح: «الجميع يكافح بطرقٍ مختلفة. ثمّة شعورٌ بأنّنا يجب أن نجد مخرجاً، لأنّ المنظومة التي نشأنا فيها، أو التي سمعنا عنها من الأجيال السابقة، لم تعد موجودةً كما كانت. فماذا نفعل؟».
هذا السؤال هو ما تطرحه المسلسلات المرشّحة بأشكالٍ مختلفة، بدلاً من أن تُقدّم لنا شخصياتٍ ميكيافيليّة تتلاعب بالسلطة. الجمهور بات يبحث عن شخصياتٍ تعكس كفاحه، أو تعمل على إصلاح ما اعوجّ. وفي هذا السياق، يبدو «The Pitt» الأكثر تمثيلاً لهذه الروح الجديدة؛ يصفه Sepinwall بأنّه «مسلسلٌ عن أطبّاء أبطال يبذلون قصارى جهدهم في ظروفٍ صعبة. تُشاهده فتشعر بتحسّنٍ تجاه الطبيعة البشرية، حتى وأنت تُذكَّر بكلّ التعقيدات والأشياء السيّئة الموجودة في العالم».
على الصعيد الفردي، يبرز هذا الموسم اسمان لافتان: Colman Domingo، الذي حصل على ترشيحَين مزدوجَين في فئتَي الكوميديا والدراما، وPaul W. Downs المشارك في إنتاج وتمثيل «Hacks». كما تحضر Shailene Woodley في «Paradise» بعد فوزها بجائزة Emmy. والممثّلان Rhea Seehorn وCarlos-Manuel Vesga يُمثّلان «Pluribus» في القائمة.
قد يكون التلفزيون الأمريكي قضى عقداً ونصفاً يُمجّد الرجل القوي المدمّر، لكنّه يبدو اليوم وكأنّه استدار بالكامل ليُحدّق في وجه الإنسان العادي المثقل بالهموم. السؤال الذي تتركه ترشيحات 2026 مفتوحاً ليس عمّن سيفوز بالجائزة في Peacock Theater، بل عمّا إذا كانت هذه الشاشة المرآة ستُساعدنا على فهم ما يجري أو ستكتفي بأن تُعيد إلينا صورتنا دون أن تُضيء لنا طريقاً للخروج.
أخبار ذات صلة

فيلم 'آسيويون أغنياء مجانين' (Crazy Rich Asians) يستعد للعودة في مسلسل جديد، مع عودة نجوم الفيلم الأصليين لتأدية أدوارهم.

لماذا تسحرنا موضة التسعينات حتى الآن؟

صيادو الإنترنت: كيف ألهمت حملة «To Catch a Predator» جيلاً من المتطوّعين
