حنين التسعينيات بين الفن والموضة في لندن
في معرض "The 90s Art and Fashion" في لندن، نغوص في روح التسعينيات البريطانية من خلال فن وأزياء وصور تعكس التمرّد والحرية قبل عصر الهواتف الذكية. استكشفوا مشاهد سرية وحياة حقيقية عبر عدسة إبداعية فريدة مع خَبَرَيْن.

في صالات متحف "تيت بريطانيا" (Tate Britain)، تفوح من القطع المعروضة رائحةٌ غير مُعلنة: رائحة أفلام سينمائية قديمة، وعرقٍ باردٍ على جدران مستودعٍ مهجور، وقطنٍ خامٍ لم يلمسه كيٌّ مبالغ فيه. لا شيء هنا لامعٌ بالمعنى الذي اعتدنا عليه في صور الموضة اليوم، وهذا بالتحديد ما يجعل المعرض الجديد "The 90s: Art and Fashion" محطّ اهتمامٍ يتجاوز دوائر هواة الفن. يفتتح المعرض يوم الخميس في لندن، ويضمّ أكثر من 100 صورةٍ ومنحوتةٍ وقطعة أزياء، من تنسيق إدوارد إننيفول (Edward Enninful)، رئيس تحرير "فوغ" البريطانية (Vogue) سابقاً.
تأتي هذه العودة إلى التسعينيات في لحظةٍ لا تبدو عابرة. بنطال الكارغو وفساتين "السليب دريس" عادت إلى واجهات المتاجر، والمينيمالية المستوحاة من أناقة كارولين بيسيت كينيدي (Carolyn Bessette-Kennedy) تتسلّل من جديد إلى خزائن جيلٍ لم يعاصر التسعينيات أصلاً. كيت موس (Kate Moss) ظهرت مؤخراً على منصّة عرضٍ في مقطع فيديو، وفرقة Oasis لا تزال في جولاتها، كأنّ الزمن طُوي على نفسه. لكن ما يجعل هذا الحنين مختلفاً عن موجات الحنين العابرة هو أنّه يحمل في طياته سؤالاً تقنياً وجودياً: كيف كانت الحياة قبل الهاتف الذكي، وقبل أن تصبح كلّ لحظةٍ قابلةً للتصوير والنشر؟
من بذخ الثمانينيات إلى تمرّدٍ عارٍ من الزخرفة
يقدّم المعرض التسعينيات البريطانية بوصفها ردّ فعلٍ مباشراً على بذخ الثمانينيات الصاخب: تمرّدٌ عارٍ، خشنٌ، غير مُتصنَّع. فيلم "Trainspotting" الذي عُرض عام 1996 التقط هذا المزاج في شعاره الشهير "Choose Life"، الذي بدا رفضاً صريحاً لنمط الاستهلاك الطبقي الوسطي، بينما كان ألبوم "Nevermind" لفرقة Nirvana يصدح في الخلفية كصوتٍ موازٍ لتلك الروح. الخشونة ذاتها وجدت طريقها إلى مجلّات الموضة المستقلّة، وإلى موسيقى الهيب هوب، وإلى أعمال جماعة "الفنانين البريطانيين الشباب" (Young British Artists)، ومن بين أعمالهم القطعة الشهيرة "سريري" لتريسي إيمين، التي تختصر تلك الجمالية الفوضوية الصادقة.
من أبرز ما يعرضه المعرض كولاج الفنانة فينكا بيترسن (Vinca Petersen)، الذي يجمع صوراً ومنشورات دعائية وصفحات يوميات من مشهد الحفلات الراقصة السرّية في بريطانيا وأوروبا. صورها تُظهر أصدقاءً يحيطون بأنظمة صوتٍ منزلية الصنع، وما بعد حفلاتٍ أُقيمت في مستودعاتٍ مهجورة. في إحدى صفحات يومياتها، المؤرخة في 10 يوليو، تكتب: "حفلة في حفرة قنبلة. الأحد قضيته كالعادة أرقص كالمجنونة مع مجانين آخرين حتى بدأت الشمس تدريجياً تُجبر الجميع على الاستلقاء كسولين تحت حرارتها". بيترسن، التي عاشت في منازل مُستقطَنة في لندن (مبانٍ فارغة يُشغلها أصحابها دون إذن مُلّاكها)، تربط بين تلك الحرّية والوقت: "إن لم تكن مضطراً للقلق بشأن إيجاد إيجار، فلن تحتاج للعمل كثيراً. إذن ماذا تحصل عليه؟ تحصل على الوقت. وحين يكون لديك وقت، هذا يعادل الإبداع".
كاستينغ على عتبة الباب، وكاميرا لا تجامل أحداً
جانبٌ آخر من المعرض يعيد سرد قصّة المصوّر يورغن تيلر (Juergen Teller)، الذي اشتهر بصوره غير المصقولة لكيت موس في سنوات مراهقتها، والمنشورة في مجلّات مستقلّة. كانت وكالات الموضة ترسل الفتيات إلى استوديو تيلر في لندن لمقابلاتٍ سريعة على عتبة الباب يُعرف بها بـ"go-sees"، وقد وثّق المصوّر المئات من هذه اللقاءات، يُعرض منها عشراتٌ في "تيت"، تُظهر مراهقاتٍ يرافق بعضهنّ أمهاتهنّ. يقول تيلر: "ما كان مثيراً للاهتمام بالنسبة لي، هو رؤية أشخاصٍ مختلفين جداً ومتنوّعين"، مضيفاً: "أردت أن أُضفي طابعاً ديمقراطياً على عملية اكتشاف وجوهٍ جديدة. ساعدني ذلك أيضاً على تصوير الجميع، لا فقط من أحبّهم أو استلهمت منهم. أعطيت كلّ شخصٍ القدر نفسه من التركيز والوقت" (المزيد عن تلك الجلسات هنا).
حين كان المشهد السرّي سرّياً فعلاً
في قسمٍ آخر، تحتلّ صور نورمسكي (Normski) المصوّر والدي جي والمذيع مساحةً واسعة، موثّقةً حلبات رقصٍ مكتظّة في لندن، وفجر مشهد الهيب هوب البريطاني مع وصول فرقٍ أمريكية مثل Public Enemy وWu-Tang Clan. يصرّ نورمسكي على أنّ المصداقية كانت شرطاً لا غنى عنه: "من المهم جداً أن تكون جزءاً من المشهد، لا مراقباً من الخارج". أما اليوم، فهو لا يُخفي أسفه: "للأسف، لا وجود لمشهدٍ سرّي الآن، لأنّ كلّ شيء 'شفّاف' كلمة أكرهها تماماً. كونوا صلبين، كونوا معتمين، كونوا ممتلئين!". ويضيف أنّ طول عمر تلك الحقبة لم يكن صدفة: "كان لدينا استمرارية لأننا لم نكن نبيع أنفسنا، كنّا فقط نُبدع. بعض المشاهد السرّية الجديدة ليست سرّية فعلاً لأنني أراها أمام وجهي". يستعيد أيضاً بساطة الأدوات في تلك السنوات، حين سمحت الحواسيب المنزلية وأجهزة اللابتوب الأولى بصناعة الموسيقى داخل غرف النوم: "كان بإمكانك صناعة موسيقاك الخاصة، في منزلك الخاص"، و"لم تكن بحاجة لأشياء كثيرة لتصنع ضجيجاً كبيراً".
إننيفول: من النادي إلى مكتب التحرير دون نوم
قصّة إدوارد إننيفول نفسه جزءٌ لا يتجزأ من حكاية المعرض. عام 1991، وفي الثامنة عشرة من عمره، أصبح أصغر مدير أزياء في تاريخ مجلّة i-D. يتذكّر تلك الأيام بلا تجميل: "كنا حرفياً نذهب من النوادي إلى العمل"، يقول، واصفاً روتينه بجملةٍ مقتضبة: "رشّة سريعة" من مزيل العرق، "ثم نذهب إلى العمل، أو ننام على الأريكة. كانت تلك حياتنا". لكن إننيفول يربط حنين الشباب اليوم بذلك الزمن تحديداً بسببٍ أعمق من الموضة: "السبب الذي يجعل كثيراً من الشباب يتماهون معه، هو أنهم يعتبرونه آخر وقتٍ نقيٍّ يمكنك فيه أن تخرج وتفعل ما تريد دون أن يُلتقط ذلك بكاميرا".
لم تكن تلك الحقبة مثالية بالنسبة له على كلّ الأصعدة. يتذكّر إننيفول أنه "كشخصٍ أسود، كنت من بين القلّة في صناعتي"، وأنّ محاولته الأولى لوضع عارضة أزياء سوداء على غلاف أول عددٍ أشرف عليه في i-D قوبلت بالرفض. يقول بصراحة: "تقدّمنا، لكننا أيضاً تراجعنا"، مضيفاً: "رأيت العارضات السود يختفين لعشر سنوات… ثم رأيتهنّ يعدن مجدداً". العام الماضي أطلق إننيفول مجلّته الفصلية الخاصة "72"، ويرى أنّ النقاشات حول العرق والهوية والميول الجنسية التي بدأت في التسعينيات لا تزال، بتعبيره، ذات صلةٍ راهنة.
حنينٌ لا يرفض التكنولوجيا، بل يبحث عن توازنها
يرى عالم النفس كلاي روتليدج (Clay Routledge)، المتخصّص في دراسة الحنين ومؤلّف كتاب "Past Forward: How Nostalgia Can Help You Live a More Meaningful Life"، أنّ ما يجري ليس رفضاً للتكنولوجيا بقدر ما هو بحثٌ عن توازن: "حين نسأل الشباب عمّا يثير اهتمامهم فعلاً في هذه الحقبة، يتحدّثون عن رغبتهم في علاقاتٍ أكثر وعياً مع التكنولوجيا"، ويوضح: "الأمر ليس رفضاً للتكنولوجيا. إنه أقرب إلى سؤالٍ عن كيف نحقّق التوازن الصحيح". ويذهب أبعد من ذلك، معتبراً أنّ هذا الحنين يحمل بُعداً استشرافياً: "الحنين الذي يشعرون به له طابعٌ شبه مستقبلي، وكأننا ننقّب في الماضي عن أفكارٍ وطرقٍ جديدة، ستكون جديدة وطازجة بالنسبة لنا في عصر هذا الفيض التكنولوجي الهائل".
هذا التوازن كان أسهل تحقيقاً وقت كانت الأسرة البريطانية المتوسطة تملك حاسوباً واحداً متصلاً بالإنترنت. أمّا الصحافية دانا توماس (Dana Thomas)، المقيمة في باريس والمتخصّصة في الموضة والثقافة، ومؤلّفة كتاب "Fashionopolis: The Price of Fast Fashion and the Future of Clothes"، فتربط صعود لندن الثقافي في تلك الحقبة بحدثٍ بنيويٍّ تحديداً: افتتاح قطار Eurostar فائق السرعة بين لندن وأوروبا عام 1994. تصف بريطانيا قبل ذلك بأنها كانت "هذه الجزيرة الباردة الممطرة، المنفصلة عن كلّ مكانٍ آخر"، لكن بعد عامين من افتتاح الخط، كتبت في مجلّة نيوزويك أن لندن أصبحت "أبرد مدينةٍ على الكوكب" — بمعنى الأكثر رواجاً وحضوراً. المساحات الصناعية المهجورة في لندن ومانشستر، وأخرى في نيويورك، احتضنت الفنانين والراقصين على حدٍّ سواء، ومنحتهم بديلاً عن الصالات والمعارض التقليدية. لكنّ تلك المساحة الواقعية المتاحة للإبداع الفوضوي تقلّصت اليوم بقدر ما اتسعت العوالم الرقمية.
هل نفدت الأفكار الأصلية؟
لا تتردّد توماس في توجيه نقدٍ مباشر لصناعة الموضة المعاصرة: "عددٌ قليلٌ جداً من الناس ما زال لديهم فكرةٌ أصلية"، مستثنيةً اسمين تحديداً هما ريك أوينز (Rick Owens) وآيريس فان هيربن (Iris van Herpen)، وتصف أعمالهما بالقول: "إنها ليست حتى من اليوم، بل هي ما سنرتديه في المستقبل". أما سبب هذا الجفاف الإبداعي، فتردّه إلى سرعة الصناعة نفسها: "الإبداع يحتاج وقتاً"، تقول، في وقتٍ تنافس فيه الموضة الفاخرة الموضة السريعة التي تُطلق تشكيلاتٍ جديدة كلّ أسبوعين. "فماذا تفعل؟ تستمرّ في النظر إلى الماضي وإعادة تدوير أفكاره لأنك ببساطة لا تستطيع مجاراة هذه السرعة". وتصف الأزياء المستوحاة من التسعينيات اليوم بأنها "أقرب إلى زيٍّ موحّد"، مضيفةً أنّ إدارات التسويق "تضاعف رهانها على إعادة تدوير التسعينيات لأنها سهلة الارتداء، وبالتالي سهلة البيع". لكنها لا تتغاضى عن الجانب المظلم من تلك الحقبة، فتصف ظاهرة "هيروين شيك" بأنها كانت "مشكلة ضخمة"، وتستعيد ذكرى آثار الحقن على ذراع إحدى العارضات.
في السياق ذاته، يشير الكاتب مايكل غرينباوم (Michael Grynbaum) إلى أن محرّري مجلّات الموضة لم يعودوا يُوصفون بأنهم الحرّاس المطلقون للذوق، معتبراً أن "الإنترنت جعل الموضة أكثر ديمقراطية، وأعتقد فعلاً أن هناك وجهات نظر كانت تضيع في الحقبة السابقة ولها الآن منفذٌ للتعبير عن نفسها"، لكنه يستدرك بأن "ذلك النوع من الخبرة والتمييز الذي تمثّله فوغ، ما زال له مكان".
سؤالٌ لا يُجيب عنه المعرض وحده
تختم فينكا بيترسن حديثها بملاحظةٍ لا تخلو من قلق، حين تقارن جيلها بجيل اليوم: "الثقل عليهم أكبر بكثير من الثقل الذي كان علينا"، وتضيف أنّ الشباب اليوم "عليهم فعلاً أن ينضبطوا إن أرادوا تحقيق أيّ شيء"، ذلك أنهم "لا يملكون تلك الحرّية في بداية مرحلة البلوغ، التي ربما كانت متاحةً لنا". حتى إننيفول نفسه يقرّ بالصعوبة: "إنه وقتٌ عصيب على الشباب".
يبقى معرض "تيت بريطانيا"، بما يحمله من صورٍ خشنة وأصواتٍ غير مصقولة، أشبه بمرآةٍ موضوعة في اتجاهٍ معاكس: لا ليُرينا كم كانت التسعينيات جميلة، بل ليسألنا عمّا فقدناه بالضبط حين أصبح كلّ شيءٍ، على حدّ تعبير نورمسكي، "شفّافاً". والإجابة، كما يبدو من صفحة المعرض على موقع تيت بريطانيا، متروكةٌ لكلّ زائرٍ يقف أمام صورة حفلةٍ في حفرة قنبلة، ليقرّر بنفسه: هل كان ذلك الزمن حرّاً فعلاً، أم أننا فقط ننظر إليه من بعيدٍ كافٍ لننسى ثِقَله الخاص؟
أخبار ذات صلة

فيلم 'آسيويون أغنياء مجانين' (Crazy Rich Asians) يستعد للعودة في مسلسل جديد، مع عودة نجوم الفيلم الأصليين لتأدية أدوارهم.

صيادو الإنترنت: كيف ألهمت حملة «To Catch a Predator» جيلاً من المتطوّعين

ماري أنطوانيت في العشرين: نظرة خلف الستار المخملي
