معارك الأورا ظاهرة شبابية تدمج الفن والتواصل الحي
في ظاهرة متجددة بأمريكا اللاتينية شباب يتنافسون في معارك الأورا عبر حركات راقصة وأداء مميز وسط جمهور حيّ يتفاعل بحرارة. تجربة تجمع بين الفن والتواصل الإنساني بعيداً عن التكنولوجيا في فضاءات عامة حيوية خَبَرَيْن

حين تتحلّق حشودٌ صاخبة في ساحةٍ عامة حول شابّين يتبادلان النظرات المشحونة، والهواتف مرفوعةٌ من كلّ جانب، لا تظنّ للوهلة الأولى أنّك أمام بطولةٍ رياضية بالمعنى المتعارف عليه. الشابّان يتناوبان على حركاتٍ راقصة قصيرة وإيقاعاتٍ جسدية ووقفاتٍ مسرحية، والجمهور يحكم لا بالصفير ولا بلافتات التحكيم بل بصخبه وتفاعله.
هذا ما جرى في العاصمة الكوستاريكية San José، وفق مقاطع انتشرت على TikTok وInstagram، خلال فعاليةٍ أُقيمت في جامعة Costa Rica. لكنّ San José ليست وحدها؛ إذ باتت ما تُعرف بـ«معارك الأورا» (aura battles) تنتشر في دولٍ لاتينية عديدة من بينها المكسيك والأرجنتين والبرازيل، في ظاهرةٍ مصمَّمة في جوهرها للانتشار الرقمي السريع.
لا قواعد ولا حكّام فقط الجمهور
ما يلفت في هذه البطولات أنّها تخلو تماماً من أيّ معايير واضحة أو حكّام أو قواعد مقنّنة. المتنافسون يتسابقون على ردّة فعل الحضور، ويُكافَؤون بالاهتمام وأحياناً بجوائز نقدية رمزية. الإثارة والمبالغة في الأداء هما المحرّك، لا التفوّق التقني.
يرى Frederick Luis Aldama، أستاذ العلوم الإنسانية في جامعة Texas at Austin، أنّ لهذه الظاهرة جاذبيةً خاصة في أمريكا اللاتينية، مردّها ثقافةٌ راسخة في التجمّع بالفضاءات العامة. قال : «هذه التجمّعات جماعيةٌ وعلنية وإنسانية بامتياز، ولأنّ أمريكا اللاتينية تمتلك تاريخاً طويلاً من الساحات العامة والأفنية والتجمّع في الحدائق».
وأضاف Aldama أنّ هذه المعارك توفّر فضاءً مجانياً وغير عنيف للشباب الباحث عن التواصل الإنساني مع أقرانه، وقد تعكس رغبةً في الانفصال عن التكنولوجيا والحضور في اللحظة. وقد صادف Aldama بنفسه إحدى هذه المعارك في Parque México بمدينة Mexico City، وقال إنّ الفائز لم يكن من توقّع: «أدركتُ أنّ الفائز كان ذلك الذي أشعّ بالأورا بهالة الهدوء المطلق والتمكّن التام».
من «زراعة الأورا» إلى المعارك الحيّة
تعود جذور هذه الظاهرة إلى مفهوم «aura farming» أو «زراعة الأورا»، الذي عرّفه قاموس Merriam Webster بأنّه «فعل القيام بشيءٍ لتبدو رائعاً ومميّزاً وأنيقاً ولا سيّما دون بذل جهدٍ واضح».
ظهر المصطلح لأوّل مرة مطلع عام 2024، وفق موقع Know Your Meme، قبل أن يصل إلى جمهورٍ أوسع في العام التالي عبر مقاطع فيروسية لطفلٍ إندونيسي يبلغ من العمر 11 عاماً يُدعى Rayyan Arkan Dikha، يرقص في مقدّمة قاربٍ نهري بهدوءٍ لافت وثقةٍ نادرة. المشهد بسيط: Dikha واقفٌ في طرف القارب الرفيع، يؤدّي حركاتٍ راقصة متكرّرة بينما يشقّ المجدّفون طريقهم عبر النهر. التعليقات لم تتأخّر في الإشادة بـ«أورا» هذا الطفل الاستثنائية.
منذ ذلك الحين، راكم Dikha آلاف المتابعين على Instagram، وعُيِّن سفيراً للسياحة في مقاطعته Riau. وبالتوازي مع انتشار مقاطعه، بدأ مصطلح «aura farming» يتسلّل إلى كلّ مكان: من مونتاجات أنمي إلى تغريداتٍ تحتفي بالرياضيين والمشاهير.
«يتحوّلون إلى شخصيات»
تنتشر «معارك الأورا» اليوم في الفضاءات العامة عبر أمريكا اللاتينية، يُنظّمها في الغالب صانعو محتوى محليّون بهدف تحقيق أقصى قدرٍ من الانتشار. وقد حصدت مقاطع هذه المنافسات مئات الآلاف من المشاهدات على منصّات التواصل.
في مدينة Suzano البرازيلية، نظّم صانع المحتوى Victor Gabriel Tourinho Camargo، المعروف بـUvitinho، عدّة بطولاتٍ شارك فيها أكثر من 200 شخص، بينهم من جاء متنكّراً في هيئة شيخٍ خليجي يحمل حقيبةً مليئة بالريالات البرازيلية. قال Uvitinho : «كانت بطولة الأورا فكرةً وُلدت من رغبةٍ في أخذ شيءٍ شائع على الإنترنت وإحضاره إلى الواقع، ومزجه بألعاب الطفولة، وإظهار أنّ ثمّة أملاً في حياةٍ أكثر حقيقيةً ولحظاتٍ أصيلة». وأضاف: «كان هناك خجولون ومنطوون ومنفتحون... وفي تلك اللحظة، نسوا كلّ ذلك، لعبوا معاً وصنعوا صداقات».
أمّا اليوتيوبر المكسيكي Alex Crashers، فقد وصف في مقطعٍ نشره هذا الأسبوع لحظة مصادفته لإحدى هذه المعارك قائلاً: «رغم أنّها تبدو سخيفة، كنتُ أتحمّس في كلّ مرة يُخرج فيها أحدهم حركةً جديدة».
وفي Buenos Aires، سارعت صانعة المحتوى الأرجنتينية Cielo، المعروفة بـCieloween، إلى تنظيم معركةٍ في حيّ Chinatown بعد أن شاهدت مقاطع فيروسية لمعركةٍ سابقة في مدينة Mar del Plata الساحلية. قالت: «مفهوم زراعة الأورا موجودٌ منذ فترة، لكنّ الجانب التنافسي بدأ يأخذ زخماً الآن». وأوضحت أنّ الحركات التي يؤدّيها المشاركون تتباين تبايناً واسعاً: «يعتمد الأمر على الشخص وما يريد إظهاره. بعضهم جادّ، وبعضهم فكاهي. في نهاية المطاف، يتحوّلون إلى شخصيات».
هدف Cieloween من الفعالية أبعد من الترفيه: «الأمر كلّه يتعلّق بلقاء الناس، والتواجد معاً، والتواصل مع من يشاركونك اهتماماتك. صنع الصداقات، والضحك. هذا ما نسعى إليه».
تذكّرنا هذه المعارك في أوجهٍ كثيرة بنسخٍ سابقة من «مبارزات الشباب»: بطولات بطاقات Pokémon، ومعارك Beyblades، ومنافسات الراب.
بين الاحتفاء والرفض
لم تسلم هذه الظاهرة من الانتقادات. في مدينة Cuiabá البرازيلية، أصدر العمدة Abílio Brunini قراراً بمنع إقامة إحدى هذه البطولات في الساحة العامة الرئيسية، مُعلّقاً: «أعتقد أنّ المشاركين في هذه اللعبة سيشعرون بالخجل الشديد في المستقبل». غير أنّ مقاطع انتشرت لاحقاً تُظهر متحدّين يتنافسون أمام مبنى البلدية مباشرةً في يوليو.
يرى Aldama أنّ هذا الرفض ليس جديداً، ويُقارنه بالسخرية التي واجهتها راقصة الـbreakdance الأسترالية Raygun إبّان أدائها الفيروسي في الأولمبياد. «ستظلّ هناك دائماً تلك السلبية»، قال، «لكنّ ما رأيتُه وعشتُه كان شباباً من الطبقة العاملة، خاصةً في أمريكا اللاتينية، يتجمّعون للاحتفال بشيءٍ يُفرحهم».
ويختم Aldama بما يشبه التفسير الاجتماعي لهذا الانفجار الجماعي: «كلّ ما أُلقي على عاتقهم، وما مرّوا به من إغلاقٍ وعزلةٍ وابتعادٍ عن هذه الفضاءات الثالثة الساحات وأماكن اللقاء لا عجب أن يعود كلّ ذلك كالعاصفة».
أخبار ذات صلة

فيلم 'آسيويون أغنياء مجانين' (Crazy Rich Asians) يستعد للعودة في مسلسل جديد، مع عودة نجوم الفيلم الأصليين لتأدية أدوارهم.

لماذا تسحرنا موضة التسعينات حتى الآن؟

صيادو الإنترنت: كيف ألهمت حملة «To Catch a Predator» جيلاً من المتطوّعين
