تشو هونغشو الوجه الخفي لقوة شي جين بينغ
تشو هونغشو الرجل الغامض الذي يقف خلف شي جين بينغ في كل مناسباته الدولية يظهر فجأة في مأدبة البيت الأبيض مما يفتح الباب أمام تساؤلات عن دوره وتأثيره في قيادة الصين المقبلة تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

في قائمة الضيوف التي أصدرها البيت الأبيض بمناسبة مأدبة الدولة التي أقامها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكريماً لنظيره الصيني شي جين بينغ، وردَ اسمٌ لم يكن يعني الكثير لغالبية الحاضرين: تشو هونغشو . لكنّ السطر الذي رافق الاسم كان كافياً ليثير اهتمام مراقبي الشأن الصيني في العواصم الغربية: مدير مكتب الحرس المركزي، الجهاز الأمني الأكثر سرّية في بكين، والمسؤول عن حماية القيادة الصينية العليا ومجمع تشونغنانهاي الذي يضمّ مقارّ الحزب الشيوعي والدولة. فبكين نفسها لم تعترف رسمياً بهذا المنصب لتشو من قبل، وها هي وثيقة أمريكية بروتوكولية تكشف ما ظلّ طيّ الكتمان.
في اللقطات التي بثّها التلفزيون المركزي الصيني من المأدبة، ظهر تشو، ذو النظارة وقصّة الشعر العسكرية المرتّبة، مرتدياً بذلة "ماو" المزرّرة حتى الرقبة، واقفاً خلف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مباشرة. لم يكن هذا الظهور الأول له في مناسبة رفيعة المستوى هذا الشهر وحده؛ فقبل أيام قليلة، شوهد تشو في نيودلهي خلال لقاء شي جين بينغ برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، جالساً بين نائبَي وزير الخارجية الصيني، من دون أن تشِر وسائل الإعلام الرسمية إلى هويّته. وفي 12 سبتمبر 2026، ظهر اسمه مذكوراً في تعليقٍ مرافقٍ للقطات من قمّة زعماء مجموعة بريكس.
من هو الرجل الذي يقف دائماً خلف شي جين بينغ؟
المعلومات المتاحة علناً عن تشو هونغشو شحيحة إلى درجة لافتة: لا تفاصيل موثّقة عن تعليمه أو خلفيّته أو مسيرته العسكرية أو الأمنية المحتملة. ما يُعرف يُستقى بالأساس من صورٍ متفرّقة نشرتها وسائل الإعلام الرسمية الصينية، أظهرت أحياناً بطاقة اسمه في مناسبات مختلفة. ووفق وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، اختير تشو مندوباً إلى المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني عام 2022، ذلك المؤتمر الذي رسّخ سلطة شي جين بينغ عبر منحه ولاية ثالثة غير مسبوقة.
الظهور الأقدم الموثّق لتشو يعود إلى أكتوبر 2019، حين شوهد جالساً خلف شي في قمّته بكاتماندو مع الرئيسة النيبالية بيدهيا ديفي بهانداري. وفي عام 2023، رافق تشو شي إلى قمّة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (آبيك) في سان فرانسيسكو. أمّا قبل ذلك بسنوات، في عام 2018، فقد شارك في جولة تفقّدية إلى قيادة المسرح الشمالي التابعة لجيش التحرير الشعبي رافقت زيارة شي، وكان هو وسلفه وانغ شاوجون يرتديان الزيّ العسكري في تلك المناسبة وهو ما يُستدلّ منه على خلفيةٍ عسكرية محتملة لتشو داخل جيش التحرير الشعبي.
قراءة دنغ يوين: تعمّد أم صدفة؟
بالنسبة إلى دنغ يوين، نائب رئيس التحرير السابق في مجلة "ستَدي تايمز" التابعة لمعهد تدريب الحزب، فإنّ تكرار ظهور تشو في مناسبات دبلوماسية رفيعة يحمل دلالة تتجاوز الصدفة. يقول دنغ: "قد يكون تشو أوّل حارسٍ أمنيٍّ رفيع المستوى يظهر في محادثات دبلوماسية بهذا الحجم، على الأقل بحسب ما هو موثّقٌ علنياً من ظهورات". ويضيف أنّ دعوة تشو إلى مأدبة شي في البيت الأبيض لم تكن على الأرجح عابرة: "شي أراد عمداً أن يُبرزه أمام الرأي العام". ويذهب دنغ أبعد من ذلك في تفسير الدلالة السياسية لهذا الظهور المتكرّر: "وإذا كان شي يمنحه هذا النوع من الظهور عن قصد، فذلك يشير إلى أنّه يُعهَد إليه بمسؤوليات أكبر، وقد يُمنح دوراً أكثر أهمية في التغيير القيادي المقبل".
هذا التغيير القيادي المرتقب ليس تفصيلاً هامشياً؛ فالحزب الشيوعي الصيني يعقد مؤتمره الوطني الحادي والعشرين في أكتوبر من العام المقبل، وهو الموعد الذي يُعقد كل عقدٍ مرّتين عادةً ما يرافقه تغييرٌ واسع في القيادات العليا. وسيكون معظم كبار المسؤولين الحاليين قد تجاوزوا السبعين من العمر بحلول ذلك المؤتمر، ومنهم وانغ يي، كبير الدبلوماسيين الصينيين، الذي سيبلغ 73 عاماً العام المقبل. لذلك سيراقب المحلّلون عن كثب أي ترقياتٍ لكوادر أصغر سنّاً داخل المكتب السياسي ولجنته الدائمة، تلك الهيئة التي تُعدّ بمثابة الدائرة الداخلية الضيّقة لشي جين بينغ.
جهازٌ ولد من رحم الحرب الأهلية
مكتب الحرس المركزي ليس مؤسسةً حديثة النشأة، بل يعود تأسيسه إلى عام 1950، وتمتدّ جذوره إلى الحرب الأهلية الصينية حين كان الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ يقاتلون خصومهم القوميين. أوّل من تولّى رئاسته كان وانغ دونغشينغ، أحد الحرس الشخصي لماو تسي تونغ، والذي ارتقى لاحقاً ليصبح نائباً لرئيس الحزب الشيوعي وعضواً في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي وهو ما يمنح منصب رئاسة هذا الجهاز الأمني وزناً سياسياً يتجاوز مهامه الحمائية الظاهرة.
وصفت وسائل الإعلام الرسمية الصينية هذا الجهاز بأنّه "منظمة استثنائية بشكلٍ غير معتاد، تقف على تخومٍ بين المجالين الشُّرَطي والعسكري، وتتطلّب ثقةً عميقة من قيادة البلاد العليا". وفي عام 2014، نشر موقع "China Net" التابع للدولة أحد التقارير النادرة عن هذا الجهاز، مصنّفاً إياه ضمن وزارة الأمن العام تحت اسم "المكتب رقم 9". غير أنّ المكتب في الواقع يعمل باستقلالية عن الوزارة، ويرفع تقاريره مباشرةً إلى مجلس الوزراء الذي يرأسه شي جين بينغ.
هذا الغموض المؤسسي ليس استثناءً في حالة تشو هونغشو، بل نمطٌ متكرّر. فسلفه، وانغ شاوجون، توفي في أبريل 2023، لكنّ وسائل الإعلام الرسمية لم تؤكّد وفاته إلّا بعد ثلاثة أشهر، مكتفيةً بالإشارة إلى "مرضٍ" غير محدّد. والأهم أنّ منصبه كمدير لمكتب الحرس المركزي لم يُكشف عنه علناً إلّا بعد وفاته، ولم تُعلن الصين قط عن خلفه رسمياً حتى جاءت قائمة ضيوف حفل عشاء أمريكي لتفعل ما لم تفعله الأجهزة الرسمية الصينية نفسها.
هذا النمط من التكتّم يعكس توجّهاً أوسع في بكين نحو تشديد قبضتها على المعلومات المتعلّقة بالمسؤولين المقرّبين من شي جين بينغ بشكلٍ مباشر. ومن بين الحاضرين في مأدبة البيت الأبيض أيضاً أسماءٌ أكثر عَلانيةً، مثل ماو نينغ، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية البالغة من العمر 53 عاماً، وهونغ لي، رئيس البروتوكول في الوزارة البالغ 57 عاماً، ولو لوهوا، السكرتير الشخصي لشي والذي يكاد يكون حضوره ثابتاً في كل زياراته الخارجية. لكن يبقى تشو هونغشو، الرجل الذي وقف بصمتٍ خلف روبيو في تلك الليلة، هو الاسم الذي يطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يستعدّ لدورٍ أكبر بكثير من مجرّد حماية القيادة، في مؤتمرٍ لم يبقَ عليه سوى أشهر معدودة؟
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة والصين تبحثان زيارات متبادلة للمواقع النووية وسط مخاوف من سباق تسلح جديد

في طريقهم إلى أتلانتا.. الصين ترسل أحدث دبلوماسيي الباندا 'بينغ بينغ' و'فو شوانغ'

الكثير تغيّر منذ آخر زيارة لشي جين بينغ.. والفارق لصالح بكين
