عودة باندا السلام تعزز دبلوماسية الصين وأمريكا
في خطوة دبلوماسية رمزية تزامنت مع تهدئة التوتر التجاري بين الصين وأمريكا، يغادر دبّا الباندا بينغ بينغ وفو شوانغ من سيتشوان إلى أتلانتا لتعزيز الصداقة والتفاهم بين الشعبين عبر خَبَرَيْن.

في قاعدة تربية الباندا العملاقة بمقاطعة سيتشوان، وقفت فو جيا تودّع الحيوانَين اللذَين رعتهما منذ أن كان وزن كلٍّ منهما بالكاد يتجاوز 100 غرام عند الولادة. تقول المدرّبة، بصوتٍ يحمل ثقل الفراق: "بعد رعايتهما كل هذا الوقت... الأمر أشبه بتربية أطفالك الخاصّين". وتضيف: "كانا يزنان بالكاد أكثر من 100 غرام عند الولادة، وربّيناهما حتى كبرا وثقُل وزنهما. لن أراهما لفترةٍ طويلة، لذا فمن الصعب أن أودّعهما". هذا الوداع الصغير، في زاويةٍ من سيتشوان، هو الوجه الإنساني لحدثٍ أكبر بكثير: عودة "دبلوماسية الباندا" الصينية إلى الواجهة، في توقيتٍ لا يمكن فصله عمّا يجري بين بكين و واشنطن.
فقد غادر الدبّان "بينغ بينغ" و"فو شوانغ" مدينة تشنغدو، عاصمة مقاطعة سيتشوان، في تمام الساعة 2:55 فجر يوم الأحد بالتوقيت المحلي (2:55 ظهراً بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم السبت)، في رحلةٍ جوّية استغرقت نحو 15 ساعة، ليصلا إلى حديقة حيوان أتلانتا (Zoo Atlanta) في وقتٍ مبكّر من صباح الأحد. والمفارقة أنّ هذه الشحنة جاءت بعد يومٍ واحد فقط من اختتام الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، والتي شهدت تمديد الهدنة التجارية بين البلدَين، إضافةً إلى اتفاقٍ على إنشاء خطٍّ ساخن للتواصل بشأن الذكاء الاصطناعي بين بكين وواشنطن.
لماذا يتزامن وصول الباندا مع تهدئة التوتر التجاري؟
لم يكن التوقيت عفوياً في نظر كثيرين ممّن تابعوا العلاقات الصينية الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة. فقد وصف الرئيس شي جين بينغ، يوم الخميس، الباندا العملاقة بأنّها "كانت سفيرة صداقةٍ بين الصينيّين والأمريكيّين". وفي وقتٍ متأخّر من ليل السبت، نشر السفير الصيني لدى الولايات المتحدة، شيه فنغ، صوراً للحيوانَين، معلّقاً: "استعدّوا لاستقبال نجمَينا الكثيفَي الفراء!". وأفادت وكالة أنباء شينخوا الرسمية الصينية بأنّ الجانبَين سيقيمان "تبادلاتٍ أكاديمية وثقافية معمّقة لتعزيز التفاهم والصداقة المتبادلَين بين شعبَي الصين والولايات المتحدة باستمرار".
هذا التزامن ليس وليد الصدفة في تاريخ العلاقات بين البلدَين؛ فالصين تستخدم إعارة الباندا إلى الخارج كأداةٍ دبلوماسية منذ أكثر من نصف قرن، تُوظّفها لتدعيم التحالفات وترميم العلاقات المتوتّرة وفتح شراكاتٍ جديدة. وتعود جذور هذا التقليد مع الولايات المتحدة تحديداً إلى عام 1972، حين بدأ الرئيس الصيني ماو تسي تونغ ممارسة إعارة الباندا بعد زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى الصين، في أعقاب صعود الحزب الشيوعي إلى الحكم عام 1949 الذي جعل من نيكسون أوّل رئيسٍ أمريكيٍّ يزور البلاد. وقبل ذلك بخمس عشرة سنة، أي في عام 1957، كان ماو قد أهدى الاتحاد السوفياتي أوّل دبٍّ باندا يغادر الصين على الإطلاق.
واللافت أنّ اسم "بينغ بينغ"، أحد الدبَّين المتّجهَين إلى أتلانتا، يعني "السلام"، وهو الاسم نفسه الذي حمله دبّ الباندا الذي أهداه ماو للسوفييت قبل نحو سبعة عقود. أمّا اليوم، فتصل هذه الرمزية في لحظةٍ يتنافس فيها البلدان في سباق تسلّحٍ يتعلّق بالذكاء الاصطناعي، وتتصاعد بينهما حربٌ تجارية متعثّرة الحلول؛ فبدت دبلوماسية الباندا وكأنّها متنفّسٌ رمزيٌّ وسط هذا التوتر المتصاعد.
مشهد الرحيل في تشنغدو
في مقرّ قاعدة أبحاث تربية الباندا العملاقة بسيتشوان، نقلت شاحناتٌ الدبَّين إلى المطار، حيث سُحب صندوقان يحملانهما ورُفعا على متن الطائرة. وأظهر مقطع فيديو نشرته وكالة شينخوا معجبين يلوّحون بلافتاتٍ قرب الشاحنات المغادرة، في مشهدٍ يعكس المكانة التي باتت تحظى بها هذه الحيوانات في الوجدان الشعبي الصيني. وذكرت الوكالة أنّ الفريقَين الصيني والأمريكي عقدا "العديد من الاجتماعات عبر الإنترنت وحضورياً لإجراء تبادلاتٍ معمّقة بشأن خطّة التطوير والتحويل"، تمهيداً لاستقبال الدبَّين في موطنهما الجديد.
وسيبقى عددٌ من الأطباء البيطريّين والمربّين الصينيّين في حديقة حيوان أتلانتا لمرافقة الدبَّين خلال المرحلة الأولى من إقامتهما، حيث سيدخلان الحجر الصحي فور وصولهما. وكانت الحديقة قد أعلنت في وقتٍ سابق من هذا العام استعدادها لاستقبال "بينغ بينغ" و"فو شوانغ"، ونصبت، يوم السبت، لافتةً كتب عليها: "الموطن المستقبلي لبينغ بينغ وفو شوانغ". ومع ذلك، امتنعت إدارة الحديقة عن الإفصاح عن الموعد الدقيق للوصول، ولم تُدلِ بمزيدٍ من التعليقات. ويمكن للراغبين بمتابعة تفاصيل هذا الاستقبال الاطّلاع على إعلان حديقة حيوان أتلانتا حول وصول الدبَّين الجديدَين.
سيتشوان: "موطن الباندا" وموطنٌ للتاريخ
تُعرف سيتشوان في الصين باسم "موطن الباندا"، وكانت تُلقّب تاريخياً بـ"أرض الوفرة السماوية". وتحمل عاصمتها تشنغدو سمعةً راسخة بمطبخها الحارّ وحسائها المعروف بـ"الهوت بوت"، وبيوت الشاي العتيقة المنتشرة في أزقّتها، بينما لا تزال دببة الباندا البرّية تعيش في غاباتها القديمة الضبابية القريبة من الجبال المغطّاة بالثلوج المحيطة بالمدينة.
لكنّ هذا الموطن لم يعد كما كان؛ فقد كانت الباندا البرّية تجوب يوماً مساحاتٍ شاسعة من الصين، امتدّت شمالاً إلى ميانمار وفيتنام، قبل أن يتقلّص موطنها بفعل التوسّع البشري وتغيّر المناخ، ليقتصر اليوم على ستّ سلاسل جبليةٍ فوق حوض سيتشوان. وفي مواجهة هذا التقلّص، بُنيت في العقود الأخيرة محمياتٌ طبيعية ومراكز تربيةٍ في أنحاء المقاطعة، سعياً من الصين والعالم لمنع انقراض هذا الكائن الذي يُوصف بأنّه "أحفورةٌ حيّة" عمرها ملايين السنين.
وتُعدّ قاعدة تشنغدو لتربية الباندا أكبر مركزٍ من نوعه في الصين، إذ تضمّ أكثر من 240 دبّاً، أي ما يعادل ثلث أعداد الباندا الأسيرة في العالم بأسره. وتستقطب القاعدة سنوياً ما يصل إلى 11 مليون زائر، وهو رقمٌ يُقارَن عادةً بحجم الإقبال على مدينة ملاهي شنغهاي ديزني لاند (Shanghai Disneyland)، ما يعكس التحوّل الذي أحدثته الصين في صورة هذا الحيوان، من كائنٍ نادر قليل المعرفة إلى رمزٍ ثقافيٍّ ووطنيٍّ يحظى بإعجابٍ عالمي.
من هما بينغ بينغ وفو شوانغ؟
وُلد "بينغ بينغ" في 17 مارس 2020، ويتميّز بعيون سوداء كبيرة الحلقات، ومهارةٍ خاصّة في تسلّق الأشجار. أمّا "فو شوانغ"، الذي يعني اسمه "البركة المضاعفة"، فقد وُلدت بعده بسبعة أشهر، في 18 أكتوبر من العام نفسه، وتتميّز بخصلة فراءٍ صغيرة على رأسها، وجبهةٍ بارزة قليلاً، وقدرةٍ على العثور على الطعام بسهولةٍ لافتة.
وتصف المدرّبة فو جيا الدبَّين بأنّهما "شجاعان ولطيفان"، وتروي تفاصيل صغيرة عن شخصيّة كلٍّ منهما: "خلال جلسات التدريب، حين يراني وأنا أحمل تفاحة، يُصدر أصواتاً خفيفة من الشوق، متلهّفاً للحصول على المكافأة"، في إشارةٍ إلى بينغ بينغ. أمّا فو شوانغ، فتقول عنه إنّه "مهووسٌ بالعسل". وقد خضع الاثنان لشهرٍ كامل من الحجر الصحي قبل المغادرة، تحت إشراف مربّين أقاموا معهما طوال هذه الفترة، كما دُرّبا على التأقلم مع الصناديق والأصوات العالية استعداداً للرحلة الجوّية. واختار القائمون على قاعدة تشنغدو هذَين الدبَّين تحديداً بناءً على العمر والصحة والخصائص الوراثية والشخصية.
ويأمل لي مينغ شي، نائب مدير الحديقة، أن ينسجم الدبّان في بيئتهما الجديدة، قائلاً: "ينبغي أن يكونا وديعَين ويُحبّ أحدهما الآخر، ونأمل أن يتمكّنا من التزاوج بشكلٍ طبيعي".
أتلانتا تستعيد تقليداً قديماً
ليست هذه المرّة الأولى التي تستضيف فيها حديقة حيوان أتلانتا دببة الباندا؛ فقد عاش فيها سابقاً الدبّان "لون لون" و"يانغ يانغ"، اللذان أنجبا سبعة صغارٍ بين عامَي 2006 و2016، قبل أن يعودا إلى تشنغدو. وقد استقبلت إدارة الحديقة خبر عودة الباندا إليها بوصفها "مسرورةً وفخورةً" بهذا الحدث.
ويأتي وصول "بينغ بينغ" و"فو شوانغ" ضمن موجةٍ جديدة من دبلوماسية الباندا شهدتها الولايات المتحدة مؤخّراً؛ ففي يونيو 2024، وصل دبّان إلى سان دييغو في أوّل عملية نقلٍ جديدة للباندا إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من عقدَين، تلاها لاحقاً في العام نفسه وصول زوجٍ آخر إلى حديقة الحيوان الوطنية في واشنطن.
وبينما تستعدّ حديقة أتلانتا لاستقبال ضيفَيها الجديدَين، تبقى فو جيا في تشنغدو، حاملةً في ذاكرتها صورة الدبَّين اللذَين ربّتهما منذ أن كانا بحجم كفّ اليد. فبين صناديق الشحن التي أُقلعت من تشنغدو وقاعات المفاوضات في واشنطن، يبقى وداعها الصامت هو التذكير الأصدق بأنّ خلف كل رمزٍ دبلوماسي كبير، هناك من يربّي، ومن ينتظر، ومن يصعب عليه أن يودّع.
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة والصين تبحثان زيارات متبادلة للمواقع النووية وسط مخاوف من سباق تسلح جديد

شرطي الرئيس الصيني يُكشف عن هويته عبر قائمة ضيوف البيت الأبيض

الكثير تغيّر منذ آخر زيارة لشي جين بينغ.. والفارق لصالح بكين
