زيارات نووية بين واشنطن وبكين فرصة أم مناورة معقدة
محادثات غير رسمية بين واشنطن وبكين حول زيارات متبادلة لمواقع نووية تفتح باب الثقة وسط توتر تصاعد التسلح النووي. هل هي خطوة حقيقية نحو الاستقرار أم مناورة سياسية؟ تعرف على التفاصيل في خَبَرَيْن.

ثمة فرضيةٌ يتداولها دارسو نزع السلاح منذ عقود: أن الشفافية تصنع الثقة، وأن الثقة تُقلّص احتمالات الخطأ المميت. من هذه الفرضية وُلدت تفتيشات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنها أيضاً الخط الساخن الذي أُنشئ بين واشنطن وموسكو بعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 ذلك الاتصال المباشر الذي صُمم ليمنع سوء الفهم من أن يتحوّل إلى كارثة نووية. فهل تمثّل الزيارات المتبادلة التي تُناقشها الآن إدارة ترامب والصين لمواقعهما النووية تجسيداً جديداً لهذا المنطق التاريخي؟ الإجابة، كما هي العادة في هذا النوع من الملفات، أكثر تعقيداً مما توحي به العناوين.
ما الذي يُناقَش فعلياً؟
المعلومات المتوفرة حتى الآن تشير إلى محادثاتٍ أولية وغير رسمية بين إدارة ترامب والصين حول تبادل زيارات مواقع نووية، من بينها مختبرات تابعة لوزارة الطاقة الأمريكية ونظيراتها الصينية، مع انفتاح أمريكي على مناقشة زيارة مواقع التجارب النووية أيضاً. هذه النقاشات جرت على مستوى العمل، غالباً على هامش اجتماعات مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (P5). وقد طرح المسؤولون الصينيون فكرة الزيارات المتبادلة للمرة الأولى هذا العام خلال لقاءاتهم مع نظرائهم الأمريكيين، فيما تنوي الإدارة الأمريكية الترويج لهذه الزيارات في اجتماعاتٍ مباشرة خلال الأشهر المقبلة.
لكن ينبغي التمييز هنا بين ما حدث وما قد يحدث: لم تبدأ بعد أي مفاوضاتٍ رسمية بين الولايات المتحدة والصين وروسيا بشأن اتفاقٍ جديد للحد من التسلح، وهو مسعى بدأ أصلاً في ولاية ترامب الأولى دون أن يحقق أي تقدّم ملموس. بل إن الصين وروسيا تجاهلتا إلى حدٍّ كبير محاولات التواصل الأمريكية الجادة في هذا الملف. والصين، تحديداً، لا تزال متمسكةً بموقفٍ ثابت: رفض أي نقاشٍ قد يُفضي إلى تقييد برنامجها النووي المتنامي.
هذا التناقض الظاهر انفتاحٌ على الزيارات، وتصلّبٌ إزاء التفاوض يستحق وقفة. فالمتحدث باسم الخارجية الأمريكية أحال الأسئلة إلى البيت الأبيض، الذي لم يُدلِ بأي تعليق، بينما طلب تعليقاً من السفارة الصينية في واشنطن دون أن تحصل عليه حتى كتابة هذه السطور وهو صمتٌ يتزامن مع بدء الصين عطلة العيد الوطني الأسبوعية الخميس الماضي، وإغلاق مكاتبها الحكومية.
لماذا يبدو الأمر ملحّاً الآن؟
خلفية هذا النقاش ليست مجرّدة من السياق الاستراتيجي. فآخر اتفاقٍ للحد من التسلح بين واشنطن وموسكو انتهت صلاحيته العام الماضي، تاركاً فراغاً قانونياً غير مسبوق منذ عقود. وفي الوقت ذاته، تتوسّع الصين في بنيتها التحتية النووية بوتيرةٍ تُقلق صانعي القرار الأمريكيين، إذ تملك واشنطن نحو 5,000 رأسٍ نووي، مقابل نحو 600 رأسٍ للصين لكن الأخيرة تتجه، وفق التوقعات، لإنتاج مئاتٍ أخرى خلال العقد المقبل. هذا الفارق العددي يُستخدم من الجانبين بطريقتين متناقضتين تماماً: الولايات المتحدة تراه مبرراً للقلق، بينما يستخدمه المسؤولون الصينيون حجةً لرفض أي قيودٍ قبل أن تصل بلادهم إلى حالة التكافؤ مع الترسانة الأمريكية وهذا بالضبط ما فعله الرئيس شي جين بينغ في لقائه مع ترامب الشهر الماضي، حين عبّر ترامب عن تأييده لمفاوضاتٍ ثلاثية بين واشنطن وبكين وموسكو، دون أن يُبدي شي أي انفتاحٍ على الفكرة، مستشهداً بحجم الترسانتين الأمريكية والروسية الأكبر كسببٍ لعدم انخراط بلاده. ووفقاً لمسؤولٍ أمريكي، لم تُناقَش مسألة الزيارات المتبادلة أصلاً خلال ذلك اللقاء.
بول دين، نائب رئيس مبادرة التهديد النووي، والذي شغل سابقاً منصب مساعد وزير الخارجية بالإنابة المشرف على جهود الحد من التسلح الأمريكية، يصف هذه اللحظة بعباراتٍ لا تخلو من القلق: "هذا وقتٌ بالغ الخطورة، وهناك ضماناتٌ قليلة جداً قائمة في العلاقة النووية بين الولايات المتحدة والصين". ويرى أن الزيارات المتبادلة يمكن أن تشكّل "إجراءً بالغ القيمة لبناء الثقة"، لكنه يُقرّ في الوقت نفسه بأن أي تفاوضٍ يتطلب من واشنطن التعامل مع بكين "بعينين مفتوحتين تماماً" أي بحذرٍ لا يتخلى عن التفاؤل، لكنه لا يُسلّم بحسن النية مسبقاً.
هل هي بادرة ثقة أم مناورة سياسية؟
هنا يكمن لبّ الخلاف بين المتفائلين والمتشككين، وكلا الفريقين يملك حججاً يصعب تجاهلها. مسؤولٌ أمريكي سابق شارك في محادثات غير رسمية حول الاستقرار الاستراتيجي قال إن الفكرة "يجب أخذها على محمل الجد، فقد تكون بداية جيدة". لكن مسؤولين وخبراء آخرين تساءلوا عن مدى جدية العرض الصيني، إذ يرى بعضهم أن بكين قد تسعى فقط لخلق أجواء إيجابية قبل قمةٍ كبرى، أو لتبدو أكثر انفتاحاً أمام الرأي العام الدولي. أحد المسؤولين السابقين المختصين بالملف النووي صاغ الأمر بوضوح: "قبل قمةٍ كبرى، إذا استطاع الصينيون إرسال إشاراتٍ إيجابية فسيفعلون ذلك... هذا يجعلهم يبدون أكثر سخاءً بينما يتفاعل الطرفان"، محذراً من أن وراء هذا السخاء الظاهري قد تكمن "دوافع مُغرضة".
جيرالد براون، الباحث في شؤون الجيش الصيني بمجلس العلاقات الخارجية والمحلل الاستخباراتي السابق بوزارة الخارجية، يذهب إلى تفسيرٍ أكثر تحديداً: يربط التوسع النووي الصيني بأهدافٍ سياسية، وتحديداً "طموحاتها العدوانية تجاه تايوان"، معتبراً أن بكين اعتادت النظر إلى المحادثات النووية باعتبارها "أداةً لانتزاع تنازلاتٍ سياسية". ومع ذلك فهو لا يُغلق الباب كلياً، واصفاً الزيارات المتبادلة بأنها "بصيص أملٍ محتمل" رغم أنه "ليس متفائلاً بشكلٍ خاص" حيال قدرتها على إحداث تقدمٍ فعلي.
ملف التجارب النووية يزيد التعقيد
يتقاطع نقاش الزيارات مع ملفٍ أشد حساسية: التجارب النووية. فقد قال ترامب قبل نحو عام إن الولايات المتحدة ستستأنف التجارب النووية "على أساسٍ متكافئ" مع الصين وروسيا، دون أن يُسجَّل أي اختبارٍ نووي أمريكي معلن منذ ذلك التصريح. وفي وقتٍ سابق من هذا العام، اتهمت إدارة ترامب الصين بإجراء تجربةٍ نووية سرية عام 2020، باستخدام أسلوب "فصل الصدمة" (Decoupling) تفجير الشحنة داخل تجويفٍ فارغ لتقليل الاهتزاز الزلزالي وتفادي الرصد الدولي.
وفي خطوةٍ ذات صلة، أجرت إدارة الأمن النووي القومي الأمريكية الأسبوع الماضي تفجيراً تحت أرضي غير نووي بوزن 16 طناً في موقع نيفادا للأمن القومي، وهو ثاني تفجيرٍ ضمن سلسلةٍ ممتدة لسنواتٍ تحاكي التجربة الصينية المزعومة، بهدف التحقق من أساليب ومعدات الكشف. وقال مدير الإدارة، براندون ويليامز، في تصريحٍ لافت: "لا يمكنكم التحايل على الابتكار الأمريكي". كما تعمل إدارة ترامب على بلورة مقترحٍ للتحقق من عدم إجراء تجاربَ نوويةٍ منخفضة القوة في المواقع النووية، قد يُعرض على مجموعة الدول الخمس لاحقاً هذا العام، وإن كانت التفاصيل التقنية لهذا المقترح لا تزال غامضة.
ما الذي ينبغي أن يُعاد النظر فيه؟
على صعيدٍ أكثر هدوءاً من صخب السياسة، يشير دين إلى أن منظمته أجرت في الأشهر الأخيرة محادثاتٍ غير رسمية مع جهاتٍ صينية، وجد فيها "اهتماماً وإقراراً بأن المخاطر حقيقية". وهو يرى أن الحكمة تقتضي عدم انتظار أزمةٍ لبدء خفض المخاطر النووية: "لن نعرف ما هو مطروحٌ على الطاولة حتى ننخرط بطريقةٍ مدروسة وصارمة لنرى إن كان هذا في مصلحتنا وقد يكون كذلك". ويضيف بنبرةٍ تحذيرية: "لا نحتاج لانتظار أزمةٍ لنبدأ في خفض المخاطر النووية، والمخاطر حقيقيةٌ جداً الآن".
غير أن الثقة التاريخية بالآليات الرمزية وحدها تبقى مخادعة إذا لم تُقرأ بحذر. فالخط الساخن بين واشنطن وموسكو عام 1962 لم ينبع من حسن نية عابرة، بل من أزمةٍ شارفت على الانفجار النووي الفعلي. والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً أمام القارئ العربي المتابع لهذا الملف ليس ما إذا كانت الزيارات المتبادلة ستتحقق، بل ما إذا كانت ستُستخدم أداةً حقيقية لخفض الخطر، أم مجرد مسرحٍ دبلوماسي يسبق قمةً يُتوقع أن يلتقي خلالها ترامب وشي مرتين لاحقاً هذا العام. فمن المرجّح أن تشهد الأشهر المقبلة مزيداً من النقاشات على المستوى الفني قبل أي لقاءٍ جديد بين الزعيمين لكن التاريخ يُعلّمنا أن الفارق بين بادرة الثقة الحقيقية والمناورة التكتيكية لا يتكشّف في لحظة الإعلان، بل في ما يليها من التزامٍ فعلي حين تغيب الأضواء.
أخبار ذات صلة

شرطي الرئيس الصيني يُكشف عن هويته عبر قائمة ضيوف البيت الأبيض

في طريقهم إلى أتلانتا.. الصين ترسل أحدث دبلوماسيي الباندا 'بينغ بينغ' و'فو شوانغ'

الكثير تغيّر منذ آخر زيارة لشي جين بينغ.. والفارق لصالح بكين
