الصين تتحدى أمريكا بثورة التكنولوجيا والاقتصاد
شي جين بينغ يعود إلى واشنطن بوجه جديد صيني قوي تقنياً واقتصادياً يسعى لعلاقة مستقرة مع الولايات المتحدة وسط تحديات تجارية وتكنولوجية متبادلة تعكس تحولات عميقة في موازين القوى بين العملاقين خَبَرَيْن

حين جلس شي جين بينغ إلى طاولة دونالد ترامب في منتجع مار-إيه-لاغو بولاية فلوريدا عام 2017، كانت الصين لا تزال، في نظر كثيرين من صنّاع القرار في واشنطن، اقتصاداً صاعداً يسير خلف الولايات المتحدة في أكثر من مجال. بعد نحو تسع سنوات، يحطّ الرئيس الصيني هذا الأسبوع في واشنطن لثلاثة أيام من المحادثات مع ترامب، لكنّه يصل هذه المرّة من موقعٍ مختلفٍ جذرياً: بلدٌ يملك نماذج ذكاء اصطناعي تقترب من طليعة ما تنتجه وادي السيليكون، وشركات فضاء مقرّها بكين تُطلق صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام وتستهدف منافسة شركة سبيس إكس (SpaceX) الأميركية نفسها، إلى جانب فائضٍ تجاري عالمي بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي.
هذا التحوّل ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل جوهر المعادلة التي ستحكم لقاء واشنطن: صينٌ تسعى إلى علاقةٍ مستقرة مع الولايات المتحدة، لكنّها في الوقت نفسه تريد أن تُثبت أنّ صعودها الاقتصادي والتكنولوجي لم يعد مرهوناً بموافقة واشنطن.
كيف تغيّرت موازين القوة منذ مار-إيه-لاغو؟
في العام الذي أعقب قمّة 2017، أطلق ترامب موجة احتكاكاتٍ تجارية وتكنولوجية استهدفت الصين، بدأت بالقيود على شركة هواوي (Huawei) ولم تتوقف عندها. لكنّ تلك الضغوط، وفق ما يراه محلّلون في بكين، لم تُضعف الصين بقدر ما دفعتها إلى تسريع مسار الاكتفاء الذاتي التكنولوجي وتنويع شركائها التجاريين بعيداً عن السوق الأميركية.
اليوم، تشهد قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والروبوتات وأشباه الموصلات الخاصة بالذاكرة طفرةً في الإدراجات البورصية الصينية خلال العام الماضي. وتُموّل بكين وتدعم سياسياً قطاعات الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والفضاء والطاقة الجديدة وأشباه الموصلات، وتُطبّق هذه التقنيات عبر منظومتها الصناعية بأكملها.
يقول وو شينبو، عميد معهد الدراسات الدولية في جامعة فودان بشنغهاي ومستشار الحكومة للشؤون الخارجية: "الصين أكثر ثقةً بكثير مما كانت عليه قبل تسع سنوات، والأهمّ من ذلك أنّ الصين اليوم وجدت وسيلةً فعّالة لكبح جماح الولايات المتحدة". ويضيف: "على واشنطن أن تتعامل مع بكين بمزيدٍ من المساواة والاحترام، ويجب أن تصبح هذه العلاقة أكثر تبادليةً فأكثر".
هواوي نفسها تحوّلت إلى رمزٍ لهذا التحدّي. الشركة التي وضعتها إدارة ترامب الأولى على القائمة السوداء، أصدرت هاتفاً قابلاً للطي قبل سبع سنوات من إطلاق آبل (Apple) لجهازها المماثل، وأعلنت مؤخراً أنّ الجيل الجديد من شرائح الذكاء الاصطناعي "Ascend" سيُطلق في العام المقبل قبل الموعد المقرّر، في خطوةٍ تعالج واحدةً من أكثر العقبات حساسيةً أمام تطوّر الذكاء الاصطناعي الصيني. ويلخّص إريك شو، الرئيس الدوّار لهواوي، الموقف بقوله: "لا يمكننا أن نقبل مصيراً لا نتحكّم فيه بمصيرنا، بل يقرّره آخرون وفق رغبتهم في بيع الشرائح للصين أو عدم بيعها".
نفوذ سلاسل الإمداد وهدنة التجارة
تمنح سيطرة الصين على سلاسل الإمداد، وخصوصاً في المعادن الأرضية النادرة، بكين ورقة ضغطٍ مباشرة في مواجهة سياسة "أميركا أولاً" التجارية التي ينتهجها ترامب. فبعد أن لوّحت واشنطن بخطوةٍ كانت ستوسّع بشكل كبير قائمة الشركات الصينية المحظورة، هدّدت بكين بدورها بتوسيع ضوابط تصدير المعادن الأرضية النادرة، ما أفضى إلى هدنةٍ تجارية يُرجَّح أن تُمدَّد هذا الأسبوع.
هذا التوازن دفع كورت تونغ، الشريك الإداري في شركة "ذا آسيا غروب" الاستشارية والقنصل العام الأميركي السابق في هونغ كونغ، إلى وصف العلاقة بأنّها متكافئة تماماً: "لا أحد يربح، لأنّ التوازن متكافئ". ويوضح أنّه "في الفضاء الاقتصادي، لا يوجد فعلياً طرفٌ أعلى مرتبة... وبسبب تكافؤ أوراق الضغط، يتراجع الجانبان عن إجراءاتٍ تكلّفهما تنفيذها"، مضيفاً أنّ ترامب "ينظر إلى شي جين بينغ ويرى فيه نداً وليس شخصاً يمكن إخضاعه بالقوة".
وسبق أن اتفق الجانبان في مايو، خلال اجتماعٍ في بكين، على ما وُصف بـ"استقرارٍ استراتيجيٍّ بنّاء". ويقول سون تشنغهاو، الباحث الأول في مركز الأمن والاستراتيجية الدولية بجامعة تسينغهوا، إنّ الصين تسعى إلى "قابليةٍ أكبر للتنبؤ في العلاقة الاقتصادية والتكنولوجية" مع واشنطن، وإلى "التزامٍ سياسي أقوى لمنع القضايا الحسّاسة وتحديداً تايوان والقيود التكنولوجية من زعزعة العلاقة العامة". فأيّ قيودٍ أميركية إضافية قد تُقيّد وصول الشركات الصينية إلى التكنولوجيا أو الأسواق الأميركية، وتُعيد إشعال صراعٍ اقترب العام الماضي من فصلٍ اقتصاديٍّ كامل بين البلدين.
هشاشة داخلية خلف واجهة الثقة
لكنّ هذه الثقة المتصاعدة لا تخفي هشاشاتٍ داخلية حقيقية. فقد سجّلت البطالة بين الشباب الصيني مستوىً مرتفعاً في الشهر الماضي، بينما تعتمد مئات الملايين من العمّال الصينيين بشكلٍ أساسي على اقتصاد العمل المؤقّت، من توصيل الطعام إلى خدمات النقل التشاركي. ويبقى الاستهلاك الداخلي ضعيفاً، فيما تُثقل الديون كاهل الحكومات المحلية، ولا تزال أزمة قطاع العقارات مستمرة دون حلٍّ حاسم. هذه الضغوط تفسّر جزئياً سعي بكين إلى استمداد زخمٍ لاقتصادها المتباطئ من التحوّل التكنولوجي العالي.
ويبرز فارقٌ لافت في المزاج العام حول الذكاء الاصطناعي بين البلدين: فبينما يسود الرأي العام الأميركي تشاؤمٌ واسع إزاء تطوّر هذه التقنية، يركّز النقاش الصيني أكثر على أثرها في الحياة اليومية، من فرص العمل التي قد تخلقها إلى تلك التي قد تُلغيها، في ظلّ سيطرة الحزب الشيوعي المُحكَمة على المجتمع وعلى مسار تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه. وفي المقابل، يقول ترامب إنّ الولايات المتحدة "لا يمكنها إبطاء تطوّر الذكاء الاصطناعي من أجل السلامة"، وإنّ على واشنطن أن تركّز على "التفوّق على الصين".
دبلوماسية بكين المتوسّعة: من نيودلهي إلى القاهرة
في الأسابيع الأخيرة، خاض شي جين بينغ سلسلةً نادرة من الجولات الدبلوماسية الخارجية. حضر قمّة "بريكس" في نيودلهي هذا الشهر، وعرض على الدول الأعضاء المساعدة في إقامة مصانع ذكية وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها. كما قام بزيارةٍ رسمية إلى مصر، حيث اقترح ما وصفه بـ"بنيةٍ أمنية جديدة" للشرق الأوسط، مستقلّة عن المظلّة الأمنية الأميركية. وفي المقابل، استقبلت بكين هذا العام عدداً كبيراً من قادة العالم.
وتبرز إيران كمحورٍ إضافي في حسابات بكين قبيل لقاء واشنطن. فالصين هي أكبر شريكٍ تجاري لإيران، وقد التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عبّاس عراقجي في بكين الأسبوع الماضي، في محادثاتٍ يقول وو شينبو إنّها جاءت لتوضيح بعض المسائل "حتى يتمكّن الزعيمان في واشنطن من إجراء نقاشٍ أكثر جوهرية حول هذه القضية". ويضيف أنّ "الصين ستقول للولايات المتحدة أمرَين: الأول، لا تحاولوا فرض عقوباتٍ على البنوك أو الشركات الصينية بسبب التعامل مع إيران... والثاني، انسوا الحلول العسكرية أو العقوبات الاقتصادية لإنهاء النزاع، عليكم الجلوس للتفاوض على اتفاق سلامٍ معقول". فالبيت الأبيض يُحمّل الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران مسؤولية استمرار الحرب، وهدّد بفرض عقوباتٍ كبرى على هذه الدول، فيما لم تجد واشنطن حتى الآن مخرجاً لإنهاء حربها على إيران التي تُزعزع، وفق هذا الطرح، استقرار الاقتصاد العالمي.
صورة الصين تتفوّق على صورة أميركا
خارج أروقة الدبلوماسية الرسمية، ثمّة مؤشّرٌ أكثر رمزية على تحوّل موازين الصورة العالمية: استطلاعٌ لمركز "بيو" للأبحاث (Pew Research Center)، نُشر في يوليو، شمل 36 دولة، وأظهر أنّ الصين تحظى بنظرةٍ أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في معظم الدول المشمولة، بل إنّ شي جين بينغ تفوّق بفارقٍ ضئيل على ترامب في ثقة المستطلَعين. هذا التحوّل لا ينفصل عن انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية في الأعمال حول العالم، وسيارات كهربائية صينية تجوب شوارع مدنٍ بعيدة، وظواهر ثقافية عابرة للحدود مثل دمى "لابوبو" (Labubu) والمسلسلات الصينية، إضافة إلى موجة "Chinamaxxing" الرقمية التي زادت الاهتمام بالسياحة إلى الصين.
يمكن قراءة استطلاع بيو حول نظرة العالم للصين كمرآةٍ لهذا التبدّل الملموس في الرأي العام، وإن كانت الصورة الكاملة أعقد من أرقام استطلاع.
فحين يلتقي الزعيمان في واشنطن هذا الأسبوع، لن يكون الحوار بين وفدين متكافئَين في القوة الاقتصادية والتكنولوجية فحسب، بل بين رؤيتَين لمستقبل النظام العالمي: واحدة تراهن على "أميركا أولاً" كوصفةٍ لحماية التفوّق، وأخرى تقدّم نفسها كقوةٍ مسؤولةٍ وموثوقة في عالمٍ تُنهكه حروبٌ لم تجد حلاً بعد، من إيران إلى ملفّات أخرى تنتظر طاولة تفاوض. وسواء اتّسعت الهدنة التجارية أم تقلّصت، فإنّ السؤال الذي سيبقى معلّقاً بعد رحيل شي جين بينغ من واشنطن هو: هل تعلّمت العاصمتان أخيراً التعامل مع بعضهما بوصفهما ندَّين، أم أنّ هذا مجرّد استراحةٍ في مواجهةٍ طويلة لم تنته فصولها بعد؟
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة والصين تبحثان زيارات متبادلة للمواقع النووية وسط مخاوف من سباق تسلح جديد

شرطي الرئيس الصيني يُكشف عن هويته عبر قائمة ضيوف البيت الأبيض

في طريقهم إلى أتلانتا.. الصين ترسل أحدث دبلوماسيي الباندا 'بينغ بينغ' و'فو شوانغ'
