تراجع أمريكا عن حلفائها يعزز نفوذ كوريا الشمالية
خَبَرَيْن يكشف كيف تقليص مناورات درع الحرية مع كوريا الجنوبية يعرض الحلفاء للخطر ويمنح زعيم كوريا الشمالية فرصة لتقوية ترسانته النووية بينما الولايات المتحدة تبدو مشتتة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

ثمّة نمطٌ يتكشّف في السياسة الخارجية الأمريكية لا ينبغي أن يمرّ دون تأمّل: الحليف الموثوق يُوبَّخ، والخصم الذي يُطوّر ترسانته النووية يُمدَح بـ«الاحترام». هذا ما حدث حين أعلن الرئيس Donald Trump فجأةً تقليصَ المناورات العسكرية الكبرى مع كوريا الجنوبية، في خطوةٍ تُجدّد المخاوف من أنّ القوات الأمريكية باتت مشتّتة لدرجةٍ تعجز معها عن دعم الحلفاء الغربيين أو الحفاظ على الردع في مواجهة الأنظمة الاستبدادية التي تُهدّدهم.
والأخطر من ذلك أنّ هذه الخطوة تُقدَّم كهديّةٍ مجانية لزعيم كوريا الشمالية Kim Jong Un، في لحظةٍ يُصعّد فيها تهديداته للاستقرار الدولي دون أن يُقدّم أيّ تنازلات في المقابل.
مناورات مُقلَّصة ومبرّرٌ مُستغرَب
لم يكد يبدأ العدّ التنازلي لمناورات «درع الحرية أولتشي» العشرة أيام، التي تضمّ عشرات الآلاف من الجنود، حتى أعلن Trump أنّه أصدر أوامره بتقليص هذه التدريبات، مستنداً إلى أنّ كوريا الشمالية أبدت «عدم التهديد والاحترام» تجاه إدارته.
كتب Trump على منصّته Truth Social: «هذه التدريبات ليست مُكلفةً فحسب، وكثيرٌ من تكاليفها تتحمّلها الولايات المتحدة كالمعتاد، بل إنّها ترسل إشارةً غير لائقة وعدائية تماماً».
ولكن هل هذا التوصيف يتطابق مع الواقع؟ تصريح Trump يصعب التوفيق بينه وبين ما يفعله Kim فعلاً على أرض الواقع. فالزعيم الكوري الشمالي عزّز بشكلٍ ملحوظ قواته المسلحة وبرنامجه النووي غير المشروع خلال السنوات الأخيرة، بل أرسل جنوده إلى ساحات المعارك في أوكرانيا ليكتسبوا خبرةً قتالية حقيقية، وزوّد موسكو بصواريخ أوقعت ضحايا مدنيين أوكرانيين.
ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ؛ إذ وطّد Kim شراكةً ثلاثية مع روسيا والصين، توّجها بمعاهدة دفاع مشترك مع Vladimir Putin منذ نحو عامين، ثمّ شهد العالم قبل نحو عامٍ الزعماء الثلاثة في بكين يُشاهدون معاً استعراضاً عسكرياً صينياً في ذكرى الانتصار على النازية. وفي الداخل، يواصل Kim تطوير ترسانته، ويظهر في وسائل الإعلام الرسمية مُرافَقاً بابنته المراهقة وخليفته المرجّحة، مُشرفاً على إنجازاتٍ عسكرية متتالية، آخرها تدشين مدمّرة صواريخ موجّهة مطلع هذا العام.
الحليف المثالي يُعاقَب
المفارقة اللافتة أنّ إدارة Trump، التي طالما اشتكت من تقصير الحلفاء في تحمّل أعباء دفاعهم، كانت تُقدّم كوريا الجنوبية قبل أسابيع قليلة نموذجاً يُحتذى به. قال وزير الدفاع Pete Hegseth في خطابه أمام مؤتمر «شانغريلا» للدفاع في سنغافورة: «إن أردتم أن تعرفوا كيف يبدو تقاسم الأعباء، انظروا إلى جمهورية كوريا. كوريا الجنوبية استثمرت باستمرار في دفاعها الخاص، لأنّها لا تملك رفاهية التعامل مع الحرب كتمرينٍ أكاديمي. إنّهم يعيشون على خطوط المواجهة الأمامية، ولذلك يبنون قوةً قتالية حقيقية».
وHegseth محقٌّ في هذا الوصف. كوريا الجنوبية تتصرّف من منطلق الضرورة لا الاختيار. وقد جاءت الحرب على إيران لتُذكّر بأنّ الولايات المتحدة ستُحرّك دائماً أصولها العسكرية نحو حيث تحتاجها أكثر. فقد استنزف البنتاغون قواتٍ وعتاداً من أرجاء آسيا لتعزيز حضوره في الخليج العربي خلال صراعٍ تجاوز نصف عام. وفي مرحلةٍ سابقة من الحرب، نقلت واشنطن منظومات اعتراض الصواريخ من شبه الجزيرة الكورية إلى الشرق الأوسط. والأسبوع الماضي، أُعلن أنّ حاملة الطائرات USS George Washington، الوحيدة المتمركزة في غرب المحيط الهادئ، ستتوجّه نحو مياه قريبة من إيران لتخفيف العبء عن حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln التي تعاني من تراجع الروح المعنوية بعد أكثر من 200 يوم دون رسوٍّ في ميناء.
تكلفةٌ استراتيجية لا يمكن تجاهلها
تقول Jennifer Kavanagh، مديرة التحليل العسكري في مركز الأبحاث «Defense Priorities» في واشنطن: «التدريبات الثنائية مع كوريا الجنوبية تُهدر موارد الولايات المتحدة وجاهزيّتها في وقتٍ تشحّ فيه الاثنتان معاً».
غير أنّ آخرين يُعارضون فرضيّتها القائلة بأنّ التدريبات غير ضرورية، مُحتجّين بأنّ تقليصها يضع القوات الأمريكية نحو 30,000 جندي في كوريا الجنوبية وأكثر من 50,000 آخرين في اليابان القريبة في وضعٍ أكثر خطورة.
يقول الأدميرال المتقاعد Mark Montgomery، الزميل الأول في مؤسّسة «Foundation for Defense of Democracies»: إنّ هذه الخطوة «تُخفّض جاهزية التحالف وتُعرّض القوات الأمريكية للخطر دون أيّ فائدة ملموسة حقيقية للولايات المتحدة».
ويُضيف Carl Schuster، المدير السابق لمركز الاستخبارات المشتركة في قيادة المحيط الهادئ الأمريكية، أنّ معظم تكاليف مناورات «درع الحرية أولتشي» قد تكبّدتها الميزانية أصلاً، وأنّ أيّ تدريبٍ يُلغى سيحتاج إلى تعويضٍ في مكانٍ آخر، وإلّا ستتراجع الجاهزية القتالية.
نمطٌ يُقلق الحلفاء
تقليص التدريبات وانتقاد كوريا الجنوبية لعدم دفعها أكثر — وهو ما فعله Trump في ولايته الأولى أيضاً — يكشف عن نمطٍ مستمرّ: توبيخ الحلفاء التاريخيين الذين وقفوا إلى جانب الولايات المتحدة طوال الحرب الباردة وفي أفغانستان والخليج العربي، بل التهديد بالاستيلاء على أراضيهم كما حدث مع غرينلاند التابعة للدنمارك العضو في حلف NATO. في المقابل، يأبى الرئيس الأمريكي توجيه أيّ انتقادٍ لـKim، الذي يُسهم في إطالة أمد الحرب الروسية غير المشروعة التي حصدت مئات الآلاف من الأرواح في أوكرانيا، بينما يستثمر تلك الحرب لتطوير ترسانته التي تُشكّل تهديداً للقوات الأمريكية في المنطقة.
يقول المحلّل العسكري في CNN العقيد المتقاعد Cedric Leighton: «ما تشهده هو أنّ الكوريين الشماليين يكسبون ميزةً حقيقية، وهو خطأٌ غير مُبرَّر من جانبنا».
إلى أين يمضي Kim بهذه الميزة؟
يبقى هذا السؤال مفتوحاً. Trump كثيراً ما يُغيّر مواقفه فجأةً، وبما أنّ كلّ مقوّمات مناورات «أولتشي» قائمةٌ في مكانها، فقد لا يكون التقليص ذا أثرٍ يُذكر على أرض الواقع. لكنّ كوريا الشمالية سعت منذ أمدٍ بعيد إلى إنهاء التدريبات العسكرية الأمريكية مع كوريا الجنوبية، وقد استيقظت يوم الاثنين على القائد الأعلى الأمريكي يُعلن بنفسه تقليصها.
ويبدو أنّ Trump، الذي يُشاع أنّه يتوق إلى لقاءٍ آخر مع Kim، يرى في هذه البادرة ممرّاً نحو ذلك اللقاء. لكنّ انقلابه المفاجئ ينطوي على تبعاتٍ جسيمة.
يصعب الجدال بأنّ القدرة العسكرية الأمريكية التي يمكن توجيهها نحو كوريا الشمالية عام 2026 تُضاهي ما كان متاحاً في الولاية الأولى. حين اختبر Kim صواريخه الباليستية عام 2017، أرسل Trump ثلاث حاملات طائرات أمريكية لدوريّاتٍ في المياه المحيطة بشبه الجزيرة الكورية، مُهدّداً بيونغ يانغ بـ«نارٍ وغضبٍ لم يشهد العالم لهما مثيلاً». تلك التهديدات دفعت Kim في نهاية المطاف إلى ثلاثة لقاءاتٍ مباشرة مع Trump، غير أنّ تلك اللقاءات فشلت في إنهاء البرنامج النووي الكوري الشمالي، الذي واصل Kim توسيعه حتى بات يمتلك عشرات الرؤوس النووية ويعد ببناء المزيد.
والحملة الجوية الأمريكية على إيران لم تُجبر طهران على التراجع. والشيء الوحيد الذي يتراجع فعلاً هو الجاهزية العسكرية الأمريكية، فيما تتآكل مخزونات الأسلحة الرئيسية بوتيرةٍ متسارعة.
ما الذي يجب إعادة النظر فيه؟
يُحذّر المحلّلون من أنّ تقليص التدريبات الراهنة قد يُلحق ضرراً بعيد الأمد. فالحلفاء الذين يتأرجحون بين المدح في شهرٍ والانتقاد في الشهر التالي قد يُقرّرون استبعاد واشنطن من تخطيطهم العسكري بعيد المدى. وثمّة بالفعل توجّهٌ متنامٍ في كوريا الجنوبية نحو امتلاك أسلحةٍ نووية خاصة بها بدلاً من الاعتماد على واشنطن للردع. وتُسرّع اليابان من وتيرة تحديث قواتها المسلحة وتوسيعها بصورةٍ لم تشهدها في العصر الحديث، في ظلّ تآكل الاستقرار الذي كانت تكفله الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة. وتتساءل دولٌ أوروبية عديدة وقفت جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية بصراحةٍ متزايدة عمّا إذا كان حلف NATO سيصمد أمام نهج «أمريكا أولاً».
كلّ ذلك يجعل العالم أكثر خطورةً، حيث يمكن لخطأٍ واحدٍ من أيّ طرفٍ أن يُشعل حريقاً إقليمياً، في ظلّ قوةٍ عسكرية أمريكية أنهكتها إيران وباتت عاجزةً عن ضمان الأمن الأمريكي.
يختم Leighton بعبارةٍ تستحقّ التأمّل: «ما نُنجزه في تلك التدريبات أمرٌ بالغ الأهمية للدفاع المشترك، ليس عن كوريا الجنوبية واليابان فحسب، بل عن الولايات المتحدة ذاتها».
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
