الدرس الضائع في الحروب الأمريكية المستمرة
خمسة وعشرون عاماً على 11 سبتمبر والدرس لم يُتعلم بعد الولايات المتحدة تتقن الحروب لكنها تفشل في التخطيط لما بعد الانتصار من أفغانستان إلى إيران وفنزويلا هل ستتغير المعادلة أم تستمر آلة الحرب في التدمير؟ خَبَرَيْن

خمسةٌ وعشرون عاماً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولا يزال السؤال الجوهري معلّقاً دون إجابة مُقنعة: هل تعلّمت الولايات المتحدة شيئاً مما جرى؟ الوقائع تشير إلى أنّ ما تعلّمته هو الشيء الخطأ تحديداً — تعلّمت كيف تخوض الحروب بكفاءة أعلى، لكنّها لم تتعلّم متى تتوقف، ولا ماذا تفعل في اليوم التالي.
من أفغانستان إلى إيران: منطق التصعيد المتوارَث
حين هزمت إدارة George W. Bush حركة طالبان في ديسمبر 2001، كان بإمكانها أن تُعلن نصراً محدوداً وتبدأ مفاوضات سلام. بدلاً من ذلك، أجّلت تلك المفاوضات، وانتقلت إلى العراق عام 2003 في غزوٍ أسفر عن ما يُقدَّر بـ 200,000 قتيل مدني، وأفرز في نهاية المطاف بيئةً حاضنة نشأ فيها تنظيم ISIS. لم يكن ذلك فشلاً في التنفيذ بقدر ما كان فشلاً في التفكير الاستراتيجي من الأساس.
ثمّ جاء Barack Obama، الذي انتُخب جزئياً على وعد بإنهاء حروب سلفه، فوسّع حرب الطائرات المسيّرة لتطال باكستان واليمن، وقتل آلاف المشتبه بهم والمدنيين. وحين قرّر إسقاط Moammar Gadhafi في ليبيا عام 2011 دون تفويضٍ من الكونغرس، بدا الأمر وكأنّ منطق الحرب يُعيد إنتاج نفسه بصرف النظر عن هوية الرئيس. لاحقاً، اعترف Obama بأنّ أكبر إخفاقاته في الرئاسة كان عدم التخطيط لـ"اليوم التالي" لسقوط Gadhafi — وهو اعترافٌ صريح بثمن التفكير القصير المدى. ليبيا دفعت هذا الثمن على مدى عقدٍ من الحرب الأهلية، وما زالت منقسمةً بين حكومتين حتى اليوم.
Joe Biden بدوره نفّذ الانسحاب من أفغانستان الذي تفاوضت عليه إدارة Trump، فعادت الطالبان إلى السلطة وكأنّ عشرين عاماً من الحرب لم تكن سوى فاصلٍ مؤقت. المشترك بين هذه المحطات كلّها ليس الحزب السياسي، بل منطقٌ واحد: القدرة العسكرية تتقدّم على السياسة، والتكتيك يسبق الاستراتيجية.
التوسّع إلى ما وراء الشرق الأوسط
ما يُميّز مرحلة Trump الثانية هو أنّه لم يكتفِ بتوارث هذا المنطق، بل وسّعه جغرافياً بصورةٍ لافتة. فبينما صنّف إيران "الراعي الأول للإرهاب في العالم"، امتدّ تعريف "الحرب على الإرهاب" ليشمل كارتيلات المخدرات في أمريكا اللاتينية بوصفها "إرهابيّي المخدرات" — وهو توسّعٌ في المفهوم يفتح الباب أمام تدخّلاتٍ عسكرية لا حدود جغرافية لها. عشرات الضربات الأمريكية استهدفت قوارب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي، وفي مطلع عام 2026، نفّذت قيادة العمليات الخاصة المشتركة عمليةً أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي Nicolás Maduro، ووصف Trump العملية بأنّها "رائعة".
ولكن هل يكفي أن تكون العملية رائعة من الناحية التكتيكية؟ هذا هو السؤال الذي يُغفله الخطاب الرسمي دائماً.
"Operation Epic Fury": الفصل الأحدث من رواية قديمة
في خريف 2026، أطلق Trump ما سمّاه Operation Epic Fury ضد إيران، دون تفويضٍ من الكونغرس، ودون دعم حلف NATO، ودون قرارٍ من مجلس الأمن. النمط مألوف: تصعيدٌ تحرّكه قناعةٌ بالتفوّق العسكري، وغيابٌ للإطار القانوني الدولي، وتجاهلٌ للسؤال الأصعب — ثم ماذا؟
التبعات لم تكن رمزية. سيطرة إيران على مضيق هرمز أربكت أسواق النفط والغاز العالمية في لحظةٍ بالغة الحساسية. وما يزيد المشهد تعقيداً أنّ Trump نفسه سبق أن أقرّ بمحدودية منطق تغيير الأنظمة حين قال: "تمرّ بهذا كلّه، ثم تدرك بعد خمس سنوات أنّك أتيت بشخصٍ لا يختلف عن سابقه". هذه الجملة ليست اعترافاً عابراً — إنّها تشخيصٌ دقيق لفخٍّ يقع فيه صاحبه مجدّداً.
الكفاءة التكتيكية والعجز الاستراتيجي
لا يعني هذا التحليل إنكار ما حقّقته الولايات المتحدة على صعيد الأمن الداخلي. فمنذ 2001، لم تشهد الأراضي الأمريكية أيّ هجومٍ إرهابي أجنبي واسع النطاق. CIA تحوّلت إلى وكالة استخباراتية ذات قدراتٍ شبه عسكرية فعّالة. قيادة العمليات الخاصة المشتركة باتت — على حدّ التوصيف المتداول — "آلة قتلٍ صناعية". وكالة الأمن القومي NSA اخترقت شبكات الاتصال المعادية باحترافيّة عالية. القوات الخاصة الأمريكية أثبتت قدرتها في الشراكة مع القوات الأفغانية والعراقية.
المشكلة ليست في الأداة، بل في الغاية. حين تُصبح الكفاءة العسكرية هدفاً بذاتها لا وسيلةً لغاية سياسية واضحة، تتحوّل الانتصارات التكتيكية إلى هزائم استراتيجية مؤجّلة. هذا ما حدث في العراق، وفي ليبيا، وفي أفغانستان — وهو ما يطرح السؤال الجدّي حول ما ستبدو عليه إيران وفنزويلا بعد خمس سنوات.
خمسةٌ وعشرون عاماً كافيةٌ لاستخلاص درسٍ واحد على الأقل: الفجوة بين القدرة على إسقاط نظامٍ والقدرة على بناء ما يخلفه ليست فجوةً تقنية تُعالَج بمزيدٍ من الأسلحة أو القوات الخاصة. إنّها فجوةٌ في التفكير السياسي نفسه — والسؤال الذي يستحقّ التأمّل في الذكرى الخامسة والعشرين هو: هل ثمّة إرادةٌ حقيقية لسدّها، أم أنّ آلة الحرب باتت تُنتج مسوّغاتها الخاصة بصرف النظر عمّن يجلس في البيت الأبيض؟
أخبار ذات صلة

ترامب يسرّع فوضى عالمه الجديد

الذكاء الاصطناعي والمخاطر الوجودية: لماذا تتنازل الولايات المتحدة للصين؟

تصاعد الاعتقاد الأمريكي بتزوير الانتخابات: تهديدٌ حقيقي لعام 2026
