الذكاء الاصطناعي بين صراع القوى العالمية والهيمنة
خَبَرَيْن يكشف كيف أغلقت الصين فجوة الذكاء الاصطناعي مع أمريكا عبر برمجيات أكثر كفاءة واستراتيجية مركزية تدمج التقنية بالسيطرة السياسية فيما تتصارع القوتان بين تسريع التطوير وتنظيمه بحذر.

حين يُقال إنّ الولايات المتحدة تتصدّر سباق الذكاء الاصطناعي، يميل كثيرٌ من المحلّلين إلى تصوير الأمر بوصفه حقيقةً راسخة لا تقبل الجدل. والحجّة مفهومة: الاستثمار الخاص الهائل، والبنية التحتية المتقدّمة لمراكز البيانات، وتفوّق النماذج الحدّية (frontier models) — كلّ ذلك يبدو داعماً للفرضية. غير أنّ تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 الصادر عن جامعة Stanford جاء ليُعقّد هذه الصورة بجملةٍ واحدة لافتة: الفجوة في الأداء بين النماذج الأمريكية والصينية باتت «مُغلقةً فعلياً» (effectively closed). فهل لا يزال المنطق القائل بالتفوّق الأمريكي الساحق يصمد أمام الشواهد؟
حين تُعوّض البرمجيات ما تعجز عنه الرقائق
في فبراير 2025، كشفت اختبارات الأداء المعيارية أنّ النموذج الصيني DeepSeek يتخلّف عن أفضل نماذج OpenAI بفارق لا يتجاوز 0.4% — رقمٌ يكاد يكون هامشاً إحصائياً لا فجوةً تكنولوجية. وما يجعل هذا الرقم مثيراً للتأمّل هو السياق الذي وُلد فيه: فالولايات المتحدة فرضت قيوداً صارمة على وصول الصين إلى أكثر رقائق الذكاء الاصطناعي تقدّماً، في محاولةٍ للإبقاء على تفوّقها. لكنّ الصين لم تستسلم لهذا الحصار التقني، بل سلكت مساراً مختلفاً.
يُلخّص David Bellman، المسؤول عن المنتج في شركة SynMax للاستخبارات البيانية، هذه المعادلة بدقّة: «لم يستطيعوا مجاراة الأمريكيين لأنّهم لم يمتلكوا الرقائق الأكثر تطوّراً، فعوّضوا ذلك بتطوير برمجياتٍ أكثر كفاءةً في استهلاك الطاقة والأداء». هذا التحوّل في المقاربة — من الاعتماد على القوّة الحوسبية الخام إلى الابتكار في الكفاءة — قد يكون هو الدرس الأهمّ في هذه المرحلة من السباق.
ولم تكتفِ الصين بالتكيّف التقني، بل أطلقت عام 2025 ما أسمته «خطّة تطوير الذكاء الاصطناعي للجيل الجديد» (New Generation Artificial Intelligence Development Plan)، وهي استراتيجية شاملة تستهدف تحقيق الريادة العالمية في هذا المجال بحلول عام 2030. تُركّز الخطّة على قطاعات البطاريات والروبوتات والأتمتة والتقنيات التحوّلية، في نهجٍ يجمع بين التخطيط المركزي والطموح الاستراتيجي بعيد المدى. وكما يُشير باحثو معهد بيانات وسياسات الأمن القومي في جامعة Virginia في ورقتهم البحثية الصادرة في نوفمبر 2025: «أتاح التخطيط المركزي للصين تطوير تقنياتها السيادية بسرعة وتوسيع نفوذها العالمي».
الحزب والآلة: معادلة الخوف والسيطرة
ما يُميّز الاستراتيجية الصينية في الذكاء الاصطناعي أنّها لا تنفصل عن منطق الحفاظ على السلطة السياسية. فقبل أيام، نشر وزير أمن الدولة الصيني Chen Yixin مقالاً في مجلة «الفضاء الإلكتروني الصيني» حذّر فيه من أنّ الهيمنة على الذكاء الاصطناعي باتت مسألةً مصيرية لبقاء الحزب الشيوعي في السلطة. وهذا التحذير ليس خطاباً دعائياً فحسب، بل يعكس قلقاً حقيقياً: فالصين تخشى أن يُشكّل الذكاء الاصطناعي أداةً للتجسّس والدعاية وزعزعة الاستقرار الاجتماعي إن أفلت من قبضتها.
لهذا تنصبّ اللوائح الصينية المنظِّمة للذكاء الاصطناعي على السيطرة الأيديولوجية وتقييد مخرجات النماذج بما يضمن استمرار هيمنة الحزب، لا على المخاوف المتعلّقة بانقراض البشرية التي تشغل بال كثيرٍ من الباحثين الغربيين. وقد رصد باحثو جامعة Virginia أنّ هذا النهج يُفضي إلى تحيّزاتٍ سياسية واضحة في نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية.
ومع ذلك، يُقدّم Philip Potter، المدير التنفيذي لمعهد بيانات وسياسات الأمن القومي في جامعة Virginia، قراءةً تستحقّ التأمّل: «من المرجّح أنّ لدى بكين مخاوف عميقة من قدرة الذكاء الاصطناعي على زعزعة استقرار نظامها الاجتماعي والسياسي». وهذا يعني أنّ القوّتين المتنافستين تتشاركان، على نحوٍ مفارق، قلقاً مشتركاً حيال الذكاء الاصطناعي — وإن تباينت مصادر هذا القلق وأولوياته. ومن هذه الزاوية، يُرى Potter أنّ التعاون بين واشنطن وبكين في مجال تنظيم الذكاء الاصطناعي قد يكون في مصلحة الطرفين.
بين التسارع والتنظيم: المعضلة الأمريكية
على الضفّة الأمريكية، يبدو المشهد أكثر تعقيداً ممّا توحي به الخطابات الرسمية. فالرئيس Donald Trump يرفض أيّ تباطؤ في تطوير الذكاء الاصطناعي، بينما يلتقي قادة قطاع التقنية بالسياسيين لبحث مسألة التنظيم. وفي خضمّ هذا الجدل، نشر Dario Amodei، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، رسالةً مفتوحة تدعو إلى ما وصفه بـ«التسارع المحسوب» (pacing)، مستنداً إلى منطق أمني صريح: «إن تباطأنا بأكثر من هذا المقدار، فإنّ المشاريع المرتبطة بالحزب الشيوعي الصيني ستتقدّم علينا، ممّا يُشكّل خطراً جسيماً على الأمن القومي».
لكنّ هذا المنطق لا يخلو من إشكاليات يُجيد Andrew Chin، أستاذ قانون الذكاء الاصطناعي في جامعة North Carolina، صياغتها: «ثمّة مصلحةٌ أمنية قومية مشروعة في منع منافسٍ استراتيجي من الحصول على تفوّقٍ تكنولوجي حاسم. لكنّ ثمّة أيضاً مصلحةً أمنية قومية في عدم بناء أنظمةٍ لا نستطيع أن نفهم سلوكها وأهدافها وتداعياتها البعيدة بصورةٍ موثوقة». هذا التوتّر بين الخوف من التخلّف والخوف من الانفلات هو جوهر المعضلة الأمريكية.
وتزيد على ذلك عقباتٌ بنيوية لا يمكن تجاهلها: فمشاريع بناء مراكز البيانات الأمريكية تعاني من تأخيراتٍ متراكمة بسبب شحّ العمالة والمواد والرقائق، إضافةً إلى عقبات التراخيص وارتفاع أسعار الفائدة والمعارضة الشعبية. وهذا ما يدفع Darrell West، الباحث الأوّل في مؤسّسة Brookings، إلى التحذير: «هذه مشكلاتٌ جوهرية قادرةٌ على تقويض نماذج الأعمال التقنية برمّتها».
حين لا يعرف أحدٌ أين يقع الخطر
يبقى السؤال الأصعب معلّقاً في الهواء: ما الحدّ الذي يتحوّل عنده الذكاء الاصطناعي من أداةٍ إلى تهديد وجودي؟ Vincent Conitzer، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة Carnegie Mellon، يُجيب بصراحةٍ نادرة: «كلّ من يُخبرك بأنّنا حين نبلغ قدرةً بعينها تقع الكارثة، وما دون ذلك نحن بأمان — فهو يكذب». لا أحد يعرف عتبة الخطر، ومع ذلك يتسارع الجميع نحوها.
ويُضيف Chin بعبارةٍ تختزل المأزق: «قد تمنحنا التأخيرات في البنية التحتية متّسعاً من الوقت، لكنّ المتّسع الزمني ليس حوكمة». بمعنى آخر: التوقّف القسري ليس بديلاً عن الإطار التنظيمي الواعي، وما لا يُبنى اليوم سيُفتقد غداً حين يكون التصحيح أعسر.
السباق الأمريكي الصيني في الذكاء الاصطناعي يُشبه في أحد وجوهه المواجهة النووية إبّان الحرب الباردة: طرفان يدركان خطورة ما يبنيانه، ويتسارعان نحوه على أيّ حال. الفارق أنّ الأسلحة النووية كانت لها عتبةٌ واضحة للتدمير، أمّا الذكاء الاصطناعي فلا يعرف أحدٌ حتى الآن أين تقع عتبته — وهذا وحده كافٍ لجعل الرهانات أعلى ممّا يبدو في الخطابات الرسمية لكلا الجانبين.
أخبار ذات صلة

ترامب يسرّع فوضى عالمه الجديد

تصاعد الاعتقاد الأمريكي بتزوير الانتخابات: تهديدٌ حقيقي لعام 2026

ترامب والدروس المُهملة من حروب ما بعد 11 سبتمبر
