ترامب والقيادة الأمريكية بين القوة والتراجع العالمي
ترامب في الأمم المتحدة يعيد تكرار شعاره عن قوة أمريكا واحترامها عالمياً رغم تراجع شعبيته وتحديات سياسة "أمريكا أولاً" التي تحولت إلى عزلة وتوترات مع الحلفاء وحروب مستمرة في الشرق الأوسط خَبَرَيْن

حين يقف دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء، في خطابه السنوي المعتاد، فإنّه سيقول جملةً قالها من قبل أكثر من مرة: "بلدنا محترمٌ مجدداً. نحن محترمون كما لم نكن من قبل. أذهب إلى الاجتماعات ويقف الجميع. لم يكونوا يقفون لرئيسنا السابق؛ لم يكونوا يهتمّون به". هذه الجملة، بحسب مسؤولين أمريكيين، ستتكرّر في خطابه هذا الأسبوع، إلى جانب ادعائه بأنّ إدارته نشرت السلام في العالم وعالجت أزماتٍ أُهملت طويلاً. والسؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس ما إذا كان ترامب سيقول ذلك فهو سيقوله بالتأكيد بل ما إذا كانت الوقائع المحيطة بخطابه تسند هذا الادعاء أم تُقوّضه من أساسه.
هل يُقاس النفوذ بعدد من يقف عند الدخول؟
لنمنح الفرضية فرصتها: قد يكون صحيحاً أنّ بعض القادة يقفون احتراماً حين يدخل ترامب قاعةً ما. لكنّ الاحترام البروتوكولي شيءٌ، والثقة الاستراتيجية شيءٌ آخر تماماً، والفارق بينهما هو بالضبط ما تكشفه شهادات استطلاعات الرأي المتعددة التي تُظهر أنّ ترامب يحظى بنفورٍ واسع على المستوى الدولي، عشية انتخابات نصف الولاية الحاسمة التي تشهد فيها شعبيته في الداخل تراجعاً حاداً. الأمم المتحدة، التي تجمع قادة العالم هذا الأسبوع بوصفها ركيزةً من ركائز الاستقرار الدولي على مدى ثمانين عاماً، تواجه هي نفسها انتقاداتٍ متزايدة لعدم فعاليتها وتراجع سلطتها وهذا التراجع لا ينفصل عن تراجع الثقة بالقوة التي كانت تاريخياً تُعيد ترتيب الاستقرار حين يهتزّ: الولايات المتحدة نفسها.
من "أمريكا أولاً" إلى "أمريكا وحدها"
حين خطب ترامب لأول مرة أمام الجمعية العامة عام 2017، قدّم فلسفة "أمريكا أولاً" بوصفها مبدأً تنظيمياً جديداً، وقال حينها: "بصفتي رئيساً للولايات المتحدة، سأضع أمريكا دائماً في المقام الأول، تماماً كما ستضعون أنتم، بصفتكم قادة دولكم، بلدانكم دائماً، وينبغي أن تفعلوا ذلك دائماً". بدت العبارة حينها إعلاناً عن انسحابٍ تدريجي من عبء الزعامة العالمية، لا عن تفكيكٍ لبنية التحالفات نفسها. لكنّ ولايته الثانية أكملت التحوّل: فهو اليوم يهاجم الحلفاء التقليديين بينما يستثمر جهده في مغازلة شي جين بينغ وفلاديمير بوتين. شي جين بينغ متوقّعٌ في واشنطن هذا الأسبوع، وترامب ذاته من المرجّح أن يلتقي ديلسي رودريغيز، الحليفة المقرّبة من نيكولاس مادورو، الذي أطاح ترامب بحكمه في فنزويلا رغم وصف رودريغيز بأنها واجهةٌ لنظامٍ ينكر الديمقراطية. الاتفاق الذي يُحضَّر مع فنزويلا يقضي بضمّ نفطها إلى الاحتياطيات الأمريكية بموجب امتيازٍ مدته مئة عام، وهو نجاحٌ شجّع ترامب، بحسب ما تكشفه سياسته، على المضي في مواجهةٍ مماثلة مع إيران معتمداً على التهديد والقوة سعياً وراء مكاسب مادية، لا على منطقٍ استراتيجي متماسك.
هذا النمط ليس جديداً كلياً على السياسة الأمريكية. فمنذ مطلع هذا القرن، استنزفت حربا أفغانستان والعراق موارد الولايات المتحدة، وكلّفتا تريليونات الدولارات و خسائر بشرية، وكشفتا حدود القوة الجوية الأمريكية، وأضعفتا هالة عدم القابلية للهزيمة التي رافقت واشنطن في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. صعود ترامب السياسي نفسه جاء نتاجاً لإرهاق الرأي العام الأمريكي من تلك الحروب. لكنّ القياس التاريخي هنا لا يبرّئ الحاضر بقدر ما يفسّره: فما بدا آنذاك استثناءً مؤلماً أصبح اليوم، بحسب بيت بوتيجيج، الذي قد يترشّح للرئاسة الديمقراطية عام 2028 وتحدّث في مهرجان ذا أتلانتيك هذا الشهر، نمطاً متكرراً لا استثناءً عابراً. يقول بوتيجيج: "تحدّثت إلى قادة... نظروا إليّ وقالوا: انظر، المرة الأولى التي فعلتم فيها هذا... كانت مجرد ومضة عابرة"، ثم يضيف محذّراً: "الآن أصبحت نمطاً، وعلى بلدنا أن يستعدّ... نحن ندخل عالماً لن تعود فيه الأنماط والمؤسسات القديمة كما كانت".
حربٌ وعد ترامب بألا يخوضها
من بين كل التناقضات في خطاب "القوة المستعادة"، تبرز حرب إيران بوصفها الأكثر إلحاحاً لقارئٍ عربي يتابع تداعياتها المباشرة على أمن المنطقة. فترامب، الذي وعد سابقاً بألا يورّط بلاده في هذه الحرب، وجد نفسه غارقاً فيها، بعدما قال إنها ستنتهي "في غضون أسابيع" وها هي تقترب اليوم من شهرها الثامن. في عطلة نهاية الأسبوع، ناقش ترامب على قناة Fox News احتمال "تدمير" إيران بالكامل، مستخدماً عبارة "نسف الأمة بأكملها"، بعد أن قال في مارس الماضي، في سياق حديثه عن كوبا، إنه "يستطيع أن يفعل ما يشاء". غير أنّ النظام الإيراني صمد رغم الضربات العسكرية الأمريكية، بينما تكشف تقارير أخرى أنّ مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية استُنزفت خلال هذه الحرب، وأنّ حاملة طائرات أمريكية منتشرة منذ فترة طويلة تعاني من صدأٍ في هيكلها. هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية؛ إنها مؤشراتٌ على أنّ آلة القوة الأمريكية، حتى حين تُستخدم، لا تُترجَم بالضرورة إلى نتائجَ حاسمة وهو درسٌ تكرّر أيضاً في أوكرانيا وإيران معاً، حيث أثبتت الحرب التي تقودها الطائرات المسيّرة أنها تتحدّى قدرات القوتين الأمريكية والروسية العسكرية على حدٍّ سواء، وحيث عانى الجانبان كييف وطهران دماراً هائلاً.
الحلفاء يعيدون حساباتهم
إذا كانت واشنطن ترى في نفسها القوة التي لا بديل عنها، فإنّ حلفاءها بدأوا يتصرفون كما لو أنّ ذلك لم يعد مسلّمة. رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي يقود ما يسمّيه "القوى الوسطى" في تنظيم نفسها لمرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية، قال الشهر الماضي إنّ "أمريكا قد تغيّرت"، وأضاف: "لا يمكننا السيطرة على العاصفة القادمة من واشنطن"، واصفاً الضرر الذي لحق بمنظومة التحالفات بكلمةٍ واحدة: "قطيعة". هذه القطيعة لا تنبع فقط من حروب التعرفات الجمركية التي شنّها ترامب أو من تهديداته المتكررة بالسيادة، بل أيضاً من دعم إدارته للتيارات اليمينية الشعبوية في أوروبا، وهو ما زاد من انعدام الثقة الأوروبية ودفع الأوروبيين إلى تمويل دفاعهم الذاتي بجديةٍ متزايدة بدل الاتكال الكامل على الحماية الأمريكية.
غرينلاند تقدّم مثالاً مكثفاً على هذا التحوّل. فترامب يعتزم توقيع اتفاقية دفاعية جديدة معها هذا الأسبوع بعد أن هدّد سابقاً بغزوها رغم أنها إقليمٌ سيادي تابع للدنمارك وعضو في حلف الناتو، وتزداد أهميتها الاستراتيجية مع ذوبان الجليد القطبي الذي يفتح جبهةً جيوسياسية جديدة. لكنّ التهديد بالغزو ترك أثراً لا يُمحى بسهولة، كما تلخّصه السياسية الغرينلاندية تيلي مارتينوسن بصورةٍ بليغة: "حتى لو كان كلب الزلاجة الأفضل والأكثر ذكاءً وقوةً، فإنه إن استدار وعضّك، فلن تثق به بعد ذلك أبداً". هذه الجملة، الصادرة عن سياسيةٍ من إقليمٍ صغير، قد تكون أدق وصفٍ لحالة الحلفاء الغربيين تجاه واشنطن اليوم من أي تحليلٍ أكاديمي مطوّل.
الاقتصاد لا يقف بمنأى عن هذا المشهد. فحرب ترامب مع إيران دفعت أسعار النفط والبنزين والديزل إلى الارتفاع، في وقتٍ تتضرر فيه الاقتصادات الصناعية أصلاً من ارتفاع أسعار الطاقة المتشابك مع تفاقم التفاوت الاجتماعي. والعام الماضي، حين قيّدت الصين صادراتها من المعادن الأرضية النادرة خلال حرب التعرفات التجارية مع الولايات المتحدة، تكشّفت هشاشةٌ أعمق: فهذه المعادن ضروريةٌ لدعم التكنولوجيا الأمريكية ولاقتصادٍ متزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وهو الذكاء الاصطناعي نفسه الذي يحذّر خبراء من أنه قد يحمل، في تطوّره المتسارع، إمكانية القضاء على البشرية.
ما الذي لا يتحمّل ترامب مسؤوليته عنه؟
الإنصاف يقتضي التوقف هنا: ترامب لم يخترع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، ولم يُنشئ عداء بوتين تجاه الغرب المرتبط بإرث الهزيمة في الحرب الباردة، ولم يُطلق أزمة المناخ التي تتجلّى في فيضاناتٍ وحرائق وموجات حرٍّ متفاقمة، ولا حتى تمكين الصين الذي بدأ فعلياً في عهود رؤساء أمريكيين سابقين تبنّوا سياساتٍ أفضت، من دون قصد، إلى تقوية بكين. الغرب، بمعنى أوسع، أخفق في وضع خطةٍ كافية بعد أن تلاشت ذاكرة الوحدة التي سادت في أربعينيات القرن الماضي. هذه عوامل بنيوية سبقت ترامب، وستبقى بعده.
لكنّ الاعتراف بهذا لا يعفي السياسة الحالية من مسؤوليتها الخاصة. فما يفعله ترامب ليس خلق الأزمة من العدم، بل تسريع مفاعيلها وتعميق الشكوك حولها، عبر سياسةٍ تعامل القوى الأخرى من كندا إلى أوروبا إلى إيران وكأنها بلا أوراق ضغط، بينما الوقائع على الأرض تقول عكس ذلك تماماً.
فحين يقف ترامب أمام الجمعية العامة يوم الثلاثاء ليعلن أنّ أمريكا "محترمة كما لم تكن من قبل"، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل متابعٍ للشأن الدولي ليس ما إذا كانت الجملة صحيحة، بل ما إذا كنا لا نزال نقيس القوة بالمقياس القديم نفسه بينما يتشكّل، أمام أعيننا، نظامٌ لم تعد فيه الأنماط والمؤسسات القديمة، كما حذّر بوتيجيج، مرشّحةً للعودة كما كانت.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي والمخاطر الوجودية: لماذا تتنازل الولايات المتحدة للصين؟

تصاعد الاعتقاد الأمريكي بتزوير الانتخابات: تهديدٌ حقيقي لعام 2026

ترامب والدروس المُهملة من حروب ما بعد 11 سبتمبر
