معاناة لاجئة بين قسوة الهجرة وفوضى النظام الأميركي
قصّة إيندي فيتيا تكشف فوضى قوانين الهجرة الأمريكية وتداعياتها على اللاجئين الذين يعتقدون أن وثائقهم قانونية. تجربة مؤلمة بين الاعتقال والتوتر في ظل تصعيد إدارة ترامب ضد المهاجرين خَبَرَيْن.

دخلت إيندي فيتيا مكتبَ الهجرة وإنفاذ الجمارك (ICE) يوم الثلاثاء، وهي لا تعلم إن كانت ستُغادره حرّةً أم لا.
كانت تدخل ذلك المبنى الرماديّ العاديّ الواقع في مجمّع تجاريٍّ هادئ قرب الطريق السريع I-465 المحيط بمدينة إنديانابوليس، للمرّة الأولى، امتثالاً لأمرٍ قضائي. كلّ ما بنته من يقينٍ في حياتها تلاشى حين احتُجزت ثلاثة أسابيع في وقتٍ سابق من هذا الشهر، بعد أن أوقفها عناصر ICE لحظة صعودها طائرةً في أتلانتا متّجهةً إلى بيتها.
بعد عشرين دقيقة، أرسلها الضبّاط إلى موقعٍ مجاور، وراح التوتّر يتصاعد في صدرها مع تمدّد ساعات الصباح. وبعد نحو ساعتَين، خرجت طالبة اللجوء الفنزويلية من مكتب شركة أمنية تعمل بموجب عقدٍ مع الحكومة، فارتمت في أحضان أصدقائها وانهمرت دموعها. كانت تحمل على كاهلها ثقلَ سوارٍ إلكتروني مُثبَّت على كاحلها الأيمن، وفوقه جبلٌ من التوتّر والخوف والإنهاك.
قالت ، وهي موظّفة في القطاع الخاصّ تبلغ من العمر 47 عاماً: "أنا محطَّمة. لا شيء بيدي."
قصّة تكشف فوضى منظومة الهجرة
تُسلّط قضية فيتيا الضوءَ على الطابع المتشابك والمُبهم لتطبيق قوانين الهجرة في الولايات المتحدة، وتُجسّد التصعيدَ المتواصل الذي تنتهجه إدارة Trump في مساعي الترحيل. فقد باتت الإدارة تستهدف بصورةٍ متزايدة أشخاصاً يعتقدون أنّ وثائقهم تُتيح لهم الإقامة القانونية على الأراضي الأمريكية.
كان التصدّي لملفّ الهجرة وعداً محورياً في حملة Donald Trump الانتخابية، وأولويةً راسخة لفريق البيت الأبيض، وفي مقدّمته نائب رئيس الطاقم Stephen Miller، الذي حدّد هدفاً يبلغ 2,000 اعتقال يومياً.
وقد تطوّرت الأساليب المتّبعة: بدأت باحتجاز المهاجرين غير الموثّقين الموجودين أصلاً في مراكز الاحتجاز، ثمّ انتقلت إلى استهداف الطلاب الأجانب، ومداهمة أماكن العمل في مدنٍ تهيمن عليها الإدارات الديمقراطية، وصولاً إلى نقاط التفتيش على الطرق، ثمّ توظيف المعلومات التي يُقدّمها المسافرون قبيل رحلاتٍ داخلية.
لم تردّ وزارة الأمن الداخلي، التي تُشرف على ICE، على الاسئلة المحدّدة، لكنّها أصدرت بياناً جاء فيه: "أنهت وزارة الأمن الداخلي السياسة الكارثية التي أرستها إدارة Biden، والتي كانت تُتيح للأجانب غير الشرعيين التنقّل جوّاً داخل البلاد. في عهد الرئيس Trump، لن نتسامح مع ذلك بعد الآن. تعمل هذه الإدارة بجدٍّ لضمان ألّا يتمكّن الأجانب غير الشرعيين من السفر جوّاً إلّا خارج حدودنا للعودة طوعاً إلى بلدانهم."
وقال المحامي المتخصّص في قضايا الهجرة Jorge Gavilanes : "كنّا نصف منظومة الهجرة بأنّها مكسورة منذ عقود. الآن أصبحت فوضى تامّة."
"اعتقدتُ أنّني أسير وفق القواعد"
قرّرت فيتيا أن تحكي قصّتها لأنّها، كما تقول، أسهمت في مجتمعها وفي شركتها، ولم تخرق قانوناً قطّ، ومع ذلك مرّت بما تصفه بـ"الجحيم".
"اعتقدتُ أنّني سأُجنّ. لم أتخيّل يوماً أن أعيش شيئاً كهذا في بلدٍ تؤمن بأنّ الناس فيه يسيرون وفق القواعد."
تصف فيتيا نفسها بأنّها شخصٌ ملتزم بالقواعد؛ وصلت إلى الولايات المتحدة بتأشيرة عام 2019، ثمّ تقدّمت بطلب لجوء. كانت تظنّ أنّها لو صادفت ضبّاط هجرة، فبإمكانها أن تُبرز وثائقها لتُثبت أنّها تُقيم بصورةٍ مشروعة ثمّ تمضي في طريقها. تحمل رخصة قيادة وتصريح عمل، فضلاً عن إيصال طلب اللجوء الصادر عام 2020 الذي ينصّ صراحةً: "يجوز لك البقاء في الولايات المتحدة حتى يُبَتَّ في طلب لجوئك." ولا تزال تنتظر موعد المقابلة.
قالت أنّها كانت تعتقد أنّها تفعل كلّ شيءٍ على الوجه الصحيح. بنت هي وزوجتها حياةً في ولاية إنديانا، وأقامتا صداقات وربّتا جراء كلاب، في انتظار أن تبتّ الحكومة في طلبهما. وشقّت فيتيا طريقها من عاملةٍ في مستودع إلى منصبٍ إداري في شركة ملابس تستلزم وظيفتها السفر في أرجاء البلاد.
لحظة الاعتقال في مطار أتلانتا
في مطلع هذا الشهر، وبينما كانت تسير نحو طائرتها في مطار Hartsfield-Jackson الدولي في أتلانتا، قالت إنّ عناصر إنفاذ الهجرة دفعوها بعنفٍ إلى جدار الممرّ المؤدّي إلى باب الطائرة، وكبّلوا يدَيها بالأصفاد، ثمّ أسرعوا بها نزولاً إلى سيّاراتٍ دفع رباعيٍّ لا تحمل أيّ شارات.
حين سألها الرجال المرتدون ملابس مدنية عن وضعها، آثرت الصمت.
"في أيّ ظرفٍ آخر، ربّما كنت سأجيب على أسئلتهم، لكن في تلك اللحظة شعرتُ أنّهم كانوا بالغي الوقاحة والعدوانية. هكذا تجري عمليّات الاختطاف في بلدي."
في مركز الاحتجاز في Lumpkin بولاية جورجيا، أُعطيت مناشف بالية وملاءةً وبدلةً موحّدة. وقالت إنّها أُودعت في غرفةٍ بلا نوافذ مع أكثر من 60 امرأة، يتقاسمن أربع مراحيض وأربع دشّات. يومٌ مضى دون ماءٍ جارٍ لثماني ساعات، ويومٌ آخر انقطعت فيه الكهرباء. "في ذلك المركز، كلّ شيءٍ مروّع. المعاملة مروّعة. الحرّاس يتنافسون في الوقاحة. يتعاملون مع الجميع كمجرمين. أنا لن أعامل حيواناً بهذه الطريقة. إنّه لا إنسانيٌّ بكلّ بساطة."
حاولت أن تستحضر في ذهنها لحظاتٍ وأماكن أسعد مع زوجتها، لكنّها تقول إنّها كانت تنهار نفسياً وتشعر باليأس. "لم يستطع أحدٌ أن يضمن لي أنّني سأكون بأمان وأنّني سأعود إلى بيتي مع عائلتي. وكان ذلك مؤلماً حدّ الكسر."
حاولت المحتجزات أن يرفعن من معنويّات بعضهن البعض، وكانت فيتيا تعلم أنّ أصدقاءها وأصحاب عملها يناضلون من أجلها، يكتبون رسائل دعمٍ ويبحثون عن محامين في جورجيا مثّلوها في جلسة كفالةٍ أُطلق سراحها بعدها بعد 21 يوماً.
جاء أصدقاؤها من إنديانا لاصطحابها. تستذكر فيتيا: "قلتُ لهم: لا أريد أن أركب طائرة. فسلكنا طريقاً مرّ بألاباما ولم نقترب من جورجيا بعد ذلك."
أرادت فيتيا أن تضع جورجيا خلفها إلى الأبد.
من فنزويلا إلى إنديانا: مسيرة صعودٍ متواصل
في فنزويلا، عملت لدى شركةٍ يابانية متعددة الجنسيات، وتدرّجت في المناصب حتى قادت عملياتها في أمريكا الوسطى. وفي الولايات المتحدة، قالت إنّها قبلت أن تبدأ من الصفر، واثقةً من قدرتها على الارتقاء مجدّداً.
"بدأتُ عاملةً في المستودع. بعد أسبوعَين، صرتُ مسؤولة عن العمليّات. بعد ثلاثة أشهر، أصبحتُ مشرفة." وهي الآن في منصبٍ إداري. تتقن التكيّف مع اللغات وإيجاد الحلول وفهم الأمور.
ومع ذلك، لا يزال الاعتقال والاحتجاز مستعصيَين على فهمها. "لقد فعلتُ كلّ ما طلبته منّي الحكومة."
تناقضٌ قانوني يُربك المحامين
Gavilanes، الشريك في مكتب Kuck and Baxter للمحاماة في أتلانتا، مثّل فيتيا في جلسة جورجيا. وهو متخصّص في قانون الهجرة، يقول إنّه بات ينصح موكّليه بتجنّب السفر الجوّي، وأن يتّخذ طالبو اللجوء احتياطاتٍ مضاعفة في كلّ مكان.
"نعم، ربّما تجاوزوا مدّة تأشيرتهم، لكنّهم في الوقت ذاته ليسوا مقيمين بصورةٍ غير مشروعة. الحكومة منحتهم تصريح عمل ورخصة قيادة وأتاحت لهم الاعتناء بأنفسهم ريثما يُبَتّ في طلباتهم. والآن تقول لهم الحكومة ذاتها: 'لا، لستم مخوَّلين بالبقاء هنا'، وهذا تناقضٌ صريح."
لم يعالج المتحدّث باسم وزارة الأمن الداخلي هذا التناقض في ردّه، واكتفى بالقول: "لنكن واضحين: الطلب المعلَّق لا يمنح وضعاً قانونياً في الولايات المتحدة. تستخدم إدارة Trump جميع الخيارات القانونية المتاحة لتنفيذ أكبر عملية ترحيلٍ في التاريخ، كما وعد الرئيس Trump."
وأوضح Gavilanes أنّ الحصول على موعد مقابلة لحسم قضية اللجوء كان يستغرق في السابق ما بين سنتَين وأربع سنوات، أمّا الآن فقد امتدّ الانتظار إلى ما بين سبع سنوات وعشر، في ظلّ محاكم هجرةٍ مثقلة بالقضايا وقضاةٍ جرى تطهير صفوفهم.
يُضاف إلى ذلك تصاعد الإجراءات ضدّ فئاتٍ كانت تُعامَل تقليدياً بقدرٍ من التساهل، كحاملي تصاريح العمل وأصحاب طلبات اللجوء المعلّقة.
"أمارس قانون الهجرة منذ أكثر من 10 سنوات. لم أشهد قطّ هذا المستوى من التطبيق، وهو أمرٌ مُحبِط حقّاً."
المطارات: "ثمارٌ في متناول اليد"
لاحظ Gavilanes تصاعداً ملحوظاً في الاعتقالات داخل المطارات، واصفاً إيّاها بـ"الثمار السهلة القطف" لعمليّات الاحتجاز.
تُتبادَل بيانات الركّاب بين ICE وإدارة أمن النقل (TSA)، وكلتاهما تتبعان وزارة الأمن الداخلي. وبذلك، يعلم عناصر ICE نظرياً بهويّة القادمين إلى المطارات وبياناتهم، كما يعلمون أنّهم غير مسلّحين حين يصلون إلى بوّابات الصعود بعد اجتياز إجراءات التفتيش الأمني.
وتكشف سجلّات ICE التي رصدها ووثّقها مشروع بيانات الترحيل أنّه لم تُسجَّل سوى 13 حالة اعتقال في المطارات طوال السنتَين الأخيرتَين من عهد إدارة Biden. أمّا في عام 2025، فقد قفز هذا الرقم إلى 39 حالة على الأقلّ، وهو رقمٌ يبدو ضئيلاً أمام 77 حالة احتجاز في المطارات خلال يوليو 2026 وحده.
مواطنٌ أمريكي يُكبَّل بالأصفاد خطأً
لكنّ الأخطاء تقع. John Phillips مواطنٌ أمريكي يتردّد بانتظام على مطار Hartsfield-Jackson الدولي في أتلانتا، ويحمل بطاقة TSA PreCheck وعضويّة مسافرٍ متكرّر مع شركة الطيران التي يستخدمها.
في وقتٍ سابق من هذا الشهر، كان يسير في الممرّ المؤدّي إلى طائرته المتّجهة إلى Las Vegas، حين أمسك به ثلاثة عناصر وكبّلوا يدَيه بالأصفاد.
"في تلك اللحظة، كان تفكيري كلّه: 'يا إلهي، ماذا يجري؟ إلى أين سيأخذونني؟' لكن بعد ذلك، بدأتُ أفكّر وأسأل نفسي: لماذا يرون ضرورةً لكلّ هذا مع شخصٍ من الواضح أنّه أعزل؟".
أخبرهم بأنّه مواطنٌ أمريكي، لكنّهم أبقوه بعيداً عن الطائرة. وبعد دقائق، أراه أحدهم صورةً على هاتفه لرجلٍ يحمل الاسم ذاته وتاريخ الميلاد ذاته، لكنّه بوضوحٍ شخصٌ آخر. أُزيلت الأصفاد، وأُذن له بالصعود إلى الطائرة وهو يرتجف من الصدمة.
"قبل أسبوعٍ من ذلك، قبل شهرٍ منه، كنتُ أظنّ أنّ ICE تقوم بعملها وترسل المجرمين إلى بلدانهم، كما أسمع في الأخبار."
وصف الرجل البالغ من العمر 54 عاماً ما مرّ به بأنّه "صحوةٌ كبرى"، مضيفاً أنّه بات يشعر بتعاطفٍ عميق مع المهاجرين الذين قد تلاحقهم ICE. "لا بدّ أنّهم يشعرون بأنّهم مطارَدون، كالغزال في موسم الصيد. لا بدّ أنّ هذا الهاجس لا يفارق تفكيرهم، سواءٌ أكانوا مواطنين أم لا، مجرمين أم لا. والآن بات هذا الهاجس يسكن تفكيري أنا أيضاً، لأنّني أتشارك اسماً وتاريخ ميلادٍ مع شخصٍ تبحث عنه الحكومة."
"كلّ يومٍ مغامرة"
Maria، طالبة اللجوء الفنزويلية البالغة من العمر 22 عاماً، قالت هي الأخرى أنّها كانت تعتقد أنّ إنفاذ قوانين الهجرة يستهدف المجرمين. وكما Phillips، تغيّرت قناعاتها.
"أشعر أنّهم يحاولون تدريجياً الإيقاع بكلّ من جاء إلى هذا البلد." طلبت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي خشية أن يؤثّر ذلك على مسار قضيّتها.
نصحها محاميها بتجنّب السفر الجوّي، لكنّها تقول إنّ الخوف يلاحقها في كلّ مكان. وذات يومٍ رأت سيّارات شرطةٍ في طريقها إلى العمل. "لم أكن أعلم إن كانوا يراقبون المتجاوزين للسرعة أو من يستخدمون هواتفهم أثناء القيادة، أم أنّهم يبحثون عن أشخاصٍ بلا وضعٍ قانوني."
"أنا هربتُ من بلدٍ يُعتقل فيه الناس تعسّفاً بسبب اختلافهم الأيديولوجي مع الحكومة، وجئتُ إلى هنا أبحث عن الحماية، فإذا بي أخاف من الاحتجاز مجدّداً."
وصلت Maria إلى الولايات المتحدة قبل ثماني سنوات بتأشيرة سياحية مع والدتها حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها. وبعد قبول طلب لجوئها للمعالجة، التحقت بالمدرسة الثانوية وقضت حياتها البالغة بأكملها في الولايات المتحدة.
"يُعلّمونك في المدارس الثانوية هنا قيم المواطنة الأمريكية: احترام القانون دائماً، وتسديد الضرائب دائماً، وفعل الصواب. كنتُ أأمل أنّ الالتزام بهذه القيم سيمنحني مستقبلاً أعيش فيه حياتي بشكلٍ طبيعي."
لكنّ أجزاءً من حياتها باتت معلّقة. هي وصيفة شرفٍ في حفل زفاف صديقةٍ قريب، لكنّها قرّرت ألّا تحضر حفلة ما قبل الزفاف لأنّها تستلزم رحلةً بالسيّارة لمسافةٍ طويلة.
"كلّ يوم، حين أغادر بيتي، أشعر أنّني أُقامر على ما إذا كنتُ سأصل إلى العمل أو سأعود إلى البيت."
في إنديانابوليس، تعيش فيتيا هي الأخرى تحت وطأة هذه المخاوف. تجد سعادةً في العودة إلى بيتها وتناول طعامٍ مألوف، لكنّها تتجنّب النظر إلى السوار الإلكتروني في كاحلها لأنّه يجعلها تبكي.
"أريد البقاء، لكنّني لا أعلم إن كنتُ سأتمكّن من تحمّل نفسي إن اضطُررتُ إلى العودة إلى مركز احتجازٍ مرّةً أخرى. تلك المراكز مُصمَّمة لتكسر الإنسان."
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
