الكونغرس عاجز عن تنظيم الذكاء الاصطناعي رغم الخطر
خَبَرَيْن تكشف كيف يعاني الكونغرس الأمريكي من انقسام حزبي وهَوّة معرفية تعيق تنظيم الذكاء الاصطناعي رغم المخاطر المتزايدة، وسط ضغوط صناعية وإهمال سياسي يهدد مستقبل التقنية والأمان الوطني.

في ديسمبر 2024، أصدرت لجنة الذكاء الاصطناعي الكونغرسية ذات الطابع الحزبي المشترك وثيقةً من 85 توصية، كان يُفترض أن تُشكّل الخريطة التشريعية لتنظيم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة. مضى على ذلك ما يقارب عامَين، ولم يُقرَّ حتى اليوم أيّ قانون فيدرالي مهم يُنظّم هذه التقنية. هذه ليست قصّة إهمالٍ بسيط؛ إنّها قصّة مؤسّسةٍ تعرف الخطر وتعجز عن مواجهته.
حين تتوقّف الآلة التشريعية
حين اقترح النائب الجمهوري Jay Obernolte تشكيل لجنة خاصّة لصياغة تشريع الذكاء الاصطناعي، رفض قادة الحزب الجمهوري الفكرة. ومع ذلك، لا يتوانى Obernolte عن الإقرار بالضرورة الملحّة: "أعتقد أنّ الحاجة إلى العمل باتت عاجلة. نقول هذا منذ عامٍ ونصف".
لكنّ الإلحاح لم يُفضِ إلى فعلٍ حقيقي. في يونيو 2025، أقرّت لجنة مجلس النواب المعنية بالعلوم والفضاء والتكنولوجيا 10 مشاريع قوانين تتعلّق بالذكاء الاصطناعي، لم يُعرض أيٌّ منها على تصويت المجلس الكامل. وفي وقتٍ سابق من العام ذاته، التقت اللجنة بممثّلي شركات Hugging Face و Anthropic و OpenAI في جلسات استماع رقابية — وأبدت هذه الشركات دعمها لإرساء ضماناتٍ تنظيمية، غير أنّها أعربت عن قلقٍ من آليات الامتثال الصناعي الشامل. وفي أواخر 2025، أقرّ مجلس النواب مشروع قانونٍ يحدّ من ارتفاع فواتير الكهرباء الناجم عن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي — خطوةٌ هامشية بالقياس إلى حجم التحدّي.
أمّا المشاريع الأكثر طموحاً، كتلك التي تشترط وجود "مفتاح إيقاف طارئ" أو تُرسي ضمانات أساسية للذكاء الاصطناعي، فقد ظلّت حبيسة الأدراج، دون أن تبلغ مرحلة التصويت.
الانقسام الحزبي وفجوة الفهم
تتقاطع في هذه الأزمة التشريعية خيوطٌ متعدّدة: انقسامٌ حزبي حادّ، وهوّةٌ معرفية بين المشرّعين وعالم التقنية، وضغوطٌ صناعية متضاربة. زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ John Thune يدعو إلى "نهجٍ خفيف الوطأة" في التنظيم، فيما أعلن زعيم الأغلبية في مجلس النواب Steve Scalise في 2024 معارضته للقواعد المُثقِلة، مفضّلاً سدّ الثغرات التنظيمية دون فرض أعباءٍ على الابتكار. وإدارة Trump من جهتها تعارض تنظيم الذكاء الاصطناعي أصلاً، وإن كان Trump قد وقّع قانوناً يحظر نشر الصور الصريحة غير التوافقية على الإنترنت، ويُلزم بإزالتها خلال 48 ساعة.
في المقابل، يطالب الديمقراطيون بإجراءاتٍ أكثر صرامة، ويُؤطّرون المسألة بوصفها معركةً ضدّ نفوذ كبرى شركات التقنية في السياسة الأمريكية. وقد أنشأ زعيم الأقلية في مجلس النواب Hakeem Jeffries لجنةً خاصّة في أعقاب تقرير فريق العمل، فيما كثّف الديمقراطيون مطالباتهم التنظيمية بعد أن حثّهم الرئيس الأسبق Barack Obama على التحرّك.
تقول النائبة الديمقراطية Brittany Pettersen بصراحة: "أعتقد أنّه لفترةٍ طويلة جداً، دفعت شركات التقنية الكبرى والمال في السياسة أجنداتٍ في الكونغرس شلّت قدرتنا على مواجهة كلّ قضيةٍ عاجلة تواجه البلاد. لا يمكننا الاعتماد على شركات الذكاء الاصطناعي لقيادة هذا الملف وتنظيم نفسها بنفسها. هذا دور الحكومة الفيدرالية، ومن الضروري أن نرتقي إلى مستوى هذه اللحظة".
أمّا النائب الجمهوري Rich McCormick فيرسم صورةً قاتمة لواقع الكونغرس: "أخبروني أيّ عضوٍ في الكونغرس سيُعلّم كلّ الأعضاء الآخرين ما تفعله Anthropic. نصف أعضاء الكونغرس فوق السبعين من العمر، ولا يعرفون كيف يُشغّلون هواتفهم دون مساعدة موظّفيهم". وفي السياق ذاته، لا يُخفي McCormick موقفه من مسألة التنظيم الذاتي للشركات: "لن أُنقذك. لماذا أكون مسؤولاً عن سلامتك؟ السلامة مصلحةٌ تجارية. ضع الضمانات بنفسك".
هذا الموقف لا يُشاركه فيه جميع الجمهوريين. النائبة Kat Cammack ترى أنّ الكونغرس يملك القدرة التقنية على التشريع، لكنّها تشكّك في توافر الإرادة السياسية: "أعتقد أنّ الإرادة السياسية غائبة لأنّ ثمّة أعضاء لا يفهمون هذه التقنية حقاً". وزميلها Eric Burlison، العضو السابق في فريق العمل، يذهب إلى أبعد من ذلك في تشاؤمه: "إذا وضع الناس كلّ آمالهم في الحكومة والكونغرس لحلّ مشكلات العالم، أعتقد أنّهم سيُصابون بخيبة أملٍ مريرة".
الوقت يمرّ والأسئلة تتراكم
في نوفمبر 2025، طالب فريقٌ من المشرّعين من الحزبَين رئيسَ مجلس النواب Mike Johnson بإبقاء المجلس في الانعقاد لمناقشة إصلاحات الذكاء الاصطناعي. أرسل Johnson المجلس في عطلةٍ مبكّرة قبيل انتخابات التجديد النصفي. الرسالة كانت واضحة: الأولويات الانتخابية تسبق الأولويات التقنية.
النائب الجمهوري Scott Franklin يُعبّر عن ارتياحٍ حذر إزاء تصاعد الاهتمام بالملف: "رسالتي هي: 'أهلاً وسهلاً، مرحباً بكم في الحفلة'. يسعدني أنّ الجميع ينضمّون وأنّ هذا الملف يحظى بالاهتمام الوطني الذي يستحقّه". لكنّ النائبة الديمقراطية Lori Trahan تُعبّر عن قلقٍ أعمق: "أنا قلقةٌ من أن تكون أقوى تقنيةٍ في تاريخ العالم وتاريخ البشرية في مسارٍ تصادمي مع الخلل الوظيفي للكونغرس".
ويردّ النائب الديمقراطي Ted Lieu على الحجّة القائلة بأنّ أعضاء الكونغرس لا يفهمون التقنية بما يكفي للتشريع: "إذا طبّقنا هذا المعيار، فلن يستطيع الكونغرس أبداً تنظيم الطائرات أو الأدوية أو الطاقة".
أمّا النائب Don Beyer، الذي التقى بمواطنين يُعربون عن قلقهم على مستقبل أطفالهم في ظلّ الذكاء الاصطناعي، فيختصر الأمر في جملةٍ واحدة: "قلت لهم: أعتقد أنّ الوقت لا يزال متاحاً".
لكنّ السؤال الحقيقي ليس إن كان الوقت متاحاً، بل من يملك الإرادة لاستثماره. قادة الصناعة أنفسهم باتوا يطالبون بتدخّلٍ تشريعي — وهو تحوّلٌ لافت في موقفٍ طالما آثر الاكتفاء بالتنظيم الذاتي. تقرير فريق العمل موجودٌ، والتوصيات السبع والثمانون مكتوبة، والشركات تطرق الأبواب. ما يبقى معلّقاً هو ما إذا كان الكونغرس سيجد في نفسه ما يكفي من الفهم والإرادة والاتّفاق لتحويل هذه الوثيقة إلى قانون — قبل أن تُحدّد التقنية وحدها شروط اللعبة.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
