أزمات الزراعة الأمريكية بين التحديات والتهديدات الحشرية
وزيرة الزراعة الأمريكية تواجه أزمات متشابكة من إنفلونزا الطيور إلى دودة اللحم الجديدة وصفقة استيراد اللحوم المثيرة للجدل وسط انهيار مزارع أمريكا وضغوط سياسية واقتصادية متصاعدة في قلب قطاع زراعي هش تابع خَبَرَيْن لمعرفة التفاصيل.

في صيف عام 2026، وجدت وزيرة الزراعة الأمريكية Brooke Rollins نفسها في قلب عاصفة سياسية واقتصادية لم تهدأ منذ توليها المنصب في فبراير 2025. فمن مزارع تكساس التي نشأت قريباً منها بالقرب من Fort Worth، إلى قاعات الكونغرس في واشنطن، تتصاعد الضغوط من كل اتجاه: وباء إنفلونزا الطيور، وحشرة دودة اللحم الجديدة (New World Screwworm)، والجفاف، والرسوم الجمركية، وأسعار الوقود والأسمدة المرتفعة — كلّها تتراكم فوق كاهل قطاع زراعي يعيش أزمته الأعمق منذ سنوات. والأخطر من كل ذلك، صفقة استيراد اللحوم التي أعلن عنها البيت الأبيض، والتي أشعلت غضب المزارعين الذين طالما شكّلوا العمود الفقري للقاعدة الانتخابية لدونالد Trump.
حين يصبح اللحم المستورد قضية سياسية
في أغسطس 2026، أعلن البيت الأبيض عن صفقة لاستيراد 300,000 طن من اللحوم البقرية، بهدف خفض أسعار المواد الغذائية التي باتت تُثقل كاهل المستهلكين الأمريكيين. وقالت Rollins بثقة: "سنرى أسعار اللحم المفروم تنخفض". لكن ردّ فعل مربّي الماشية جاء عكسياً تماماً؛ إذ رأوا في هذه الصفقة طعنةً في ظهورهم، في وقتٍ يعانون فيه من تراجع الأسعار وارتفاع التكاليف وتضاؤل هوامش الربح.
وفي محاولة لاحتواء الغضب، أعلنت وزارة الزراعة (USDA) في الجمعة التي سبقت 28 أغسطس 2026 عن خطوات جديدة لتبسيط عمليات معالجة اللحوم البقرية، ثم أعلنت Rollins يوم الاثنين التالي عن خطط للاستثمار في إعادة بناء قطعان الماشية الأمريكية. غير أن جمعية مربّي الماشية الوطنية (National Cattlemen's Association) لم تُقنعها هذه الخطوات، ووصفت ما أقدمت عليه الوزارة بأنه "حلٌّ سياسي مؤقّت" لا يعالج الجذور الحقيقية للأزمة.
والمفارقة أن إفلاسات المزارع الأمريكية بلغت أعلى مستوياتها منذ ست سنوات، وفق بيانات منصة Epiq AACER المتخصصة في تتبّع الإفلاسات. أما السيناتور المتقاعد Thom Tillis من ولاية نورث كارولينا، فلم يُخفِ قلقه حين قال في 24 أغسطس 2026: "لدينا 71 يوماً حتى انتخابات التجديد النصفي، وحتى الآن ليس لدينا رسالة إيجابية نوصلها إلى الريف الأمريكي". وأضاف أن استيراد اللحوم بدعم حكومي لن يُسعد المزارعين ولن يخفّض الأسعار بشكل منهجي.
ويرى Glynn Tonsor، الاقتصادي الزراعي في جامعة Kansas State، أن جوهر الأزمة يكمن في انعدام اليقين: "معظم الناس لا يُقدمون على استثمارات تمتد لسنوات إلا إذا كان العائد الاقتصادي مُغرياً بما يكفي لتحمّل المخاطر، أو إذا كانوا مرتاحين لقدرٍ معقول من المخاطرة وعدم القدرة على التنبؤ". وهذا بالضبط ما يفتقر إليه مربّو الماشية اليوم، في ظل تقلّبات السياسة التجارية وتداعيات النزاعات الدولية.
دودة اللحم: معركة بيولوجية على الحدود
في الثالث من يونيو 2026، كُشف عن أول حالة إصابة بدودة اللحم الجديدة (New World Screwworm) في عجل بولاية تكساس. هذه الحشرة الطفيلية التي اجتُثّت من الأراضي الأمريكية منذ عقود، باتت تشقّ طريقها من المكسيك نحو الشمال، مهدّدةً قطعان الماشية بأضرار لا يمكن تعويضها بسهولة.
أمام لجنة مجلس الشيوخ في يونيو 2026، روت Rollins اللحظة التي حملت فيها هذا التهديد مباشرةً إلى مكتب الرئيس: "دخلت المكتب البيضاوي وقلت له: 'سيدي، ثمة تهديد خطير جداً يتجه نحو مواشينا'". وقد جاء الرد سريعاً نسبياً؛ إذ أطلقت وزارة الزراعة مليار ذبابة معقّمة على طول الحدود الأمريكية المكسيكية بحلول نهاية يوليو 2026، وهي طريقة مجرّبة وفعّالة في مكافحة هذه الحشرة.
وفي مارس 2026، أي قبل اكتشاف الحالة الأولى بثلاثة أشهر، كانت الوزارة قد منحت شركة Mortenson Construction عقداً لإنشاء منشأة متخصصة لإنتاج الذباب المعقّم. بدأ البناء في أبريل 2026، وتُقدَّر تكلفة المنشأة بـ 750 مليون دولار، مع توقّعات بافتتاحها في ربيع 2027، أي قبل سبعة أشهر من الموعد المحدد في الأصل. ولم يكن الطريق إلى هذا العقد خالياً من العثرات؛ فقد فشل مقترح سابق بقيمة 25 مليون دولار قدّمه متعاقد ذو علاقات سياسية، بعد ستة أشهر من الدراسة.
بيد أن هذا الإنجاز لم يُسكت المنتقدين. في يونيو 2026، هاجم Sid Miller، مفوّض الزراعة في تكساس، استجابة الوزارة قائلاً: "بدلاً من استخدام كل الأدوات المتاحة، تحرّكت وزارة الزراعة ببطء شديد واعتمدت فقط على حلٍّ جزئي يستغرق سنوات لتطبيقه الكامل". وكان ردّ Rollins حادّاً ومباشراً: "تعليق غير جدّي، من مفوّض زراعة ربما غير جدّي، لم يتبقَّ له سوى أشهر قليلة في المنصب".
في المقابل، يدافع المتحدث باسم وزارة الزراعة عن الأداء قائلاً إن "جميع الجهود تحرّكت بسرعة فائقة"، مستشهداً بالأرقام: 3 حالات نشطة فقط و 48 حالة إجمالية في الولايات المتحدة حتى أواخر أغسطس 2026.
بين الأزمات المتراكمة وضغوط الانتخابات
لا يمكن فهم موقف Rollins اليوم دون استيعاب السياق الأشمل الذي تعمل فيه. فمنذ توليها المنصب في فبراير 2025، تواجه الوزارة موجةً متتالية من الأزمات: إنفلونزا الطيور التي أوصلت أسعار البيض إلى مستويات قياسية، والجفاف الذي يضرب مناطق زراعية واسعة، والرسوم الجمركية التي تُعقّد التبادل التجاري، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة المرتبط بتداعيات الحرب مع إيران. ويُضاف إلى ذلك كله أن الوزارة تعمل في ظل تقليصات في الميزانية والكوادر البشرية فرضتها إدارة DOGE.
يُقرّ Russell Boening، رئيس مكتب مزارعي تكساس، بصعوبة المشهد، لكنّه يضع الأمور في سياقها: "أعني، كانت تتعامل في الوقت ذاته مع إنفلونزا الطيور، وكانت أسعار البيض في أعلى مستوياتها، فكانت تتعامل مع ذلك كله في آنٍ واحد".
على صعيد الاستجابة المالية، أعلنت الإدارة عن صندوق إغاثة بقيمة 12 مليار دولار، وأقرّ مجلس النواب في أغسطس 2026 حزمة إغاثة للمزارع بهذه القيمة، فيما لا يزال مجلس الشيوخ يدرسها في ظل جدول أعمال مكتظّ في سبتمبر. ويقود السيناتور John Boozman وزملاؤه الجمهوريون في مجلس الشيوخ جهوداً للإسراع بإقرار هذه الحزمة. وكانت Rollins قد تمكّنت في وقت سابق من تأمين 3 مليارات دولار كإغاثة طارئة للمزارعين في مواجهة ضغوط الرسوم الجمركية.
امرأة من الريف في قلب واشنطن
ثمة شيء يستحق التأمل في شخصية Rollins: فهي ليست مجرد تكنوقراطية أو سياسية مدينية تدير ملفاً زراعياً من بعيد. نشأت على أرض مزرعة قرب Fort Worth، وفازت بمسابقة لاصطياد الخنازير مع شقيقتها قبل نحو عقد من الزمن. هذه الخلفية تمنحها مصداقية في التحدث إلى المزارعين بلغتهم، وإن كانت لا تُعفيها من الانتقادات حين تبدو السياسات متعارضة مع مصالحهم.
بدأت Rollins مسيرتها السياسية حين انضمت إلى حملة Trump الانتخابية عام 2016 مستشارةً اقتصادية، ثم التحقت بالإدارة عام 2018 لتقود مكتب الابتكار الأمريكي والمجلس المحلي للسياسات. وقبل ذلك، ترأّست مؤسسة Texas Public Policy Foundation، وشاركت في تأسيس America First Policy Institute مع Larry Kudlow. وفي مارس 2026، أثنى عليها Trump في خطاب وصفها فيه بأنها "قائدة طبيعية" و"مديرة تنفيذية متميزة".
أما Chuck DeVore، عضو الجمعية التشريعية الكاليفورنية السابق، فيصفها بعبارة لافتة: "إنها ناعمة بشكل خادع. تحت تلك القطيفة فولاذٌ حقيقي". وهذا التوصيف يتجلّى في طريقة تعاملها مع المنتقدين، من Sid Miller إلى من واجهتهم في معرض ولاية Iowa الزراعي، حيث أمضت وقتاً أطول خلف الأبواب المغلقة بعد لقاء متوتر مع المزارعين.
ويحرص المتحدث باسم الوزارة على التأكيد بأن "وزيرة Rollins دعمت بشكل قاطع أجندة التجارة America First للرئيس"، في إشارة إلى الخط الفاصل بين الولاء السياسي ومتطلبات إدارة قطاع يعاني من تشابك الأزمات.
71 يوماً وسؤال مفتوح
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة: هل ستُترجَم الإجراءات المتخذة — من إطلاق الذباب المعقّم إلى حزم الإغاثة المالية — إلى تحسّن ملموس يشعر به المزارع الأمريكي قبل يوم الاقتراع؟ وهل يكفي الاستثمار في مرافق إنتاج الذباب المعقّم وإعادة بناء قطعان الماشية لطمأنة مربّي الماشية الذين يرون في صفقة الاستيراد إشارةً إلى أن واشنطن تُفضّل المستهلك الحضري على المنتج الريفي؟
في الأسابيع الأخيرة من أغسطس 2026، وقف Thom Tillis أمام زملائه في مجلس الشيوخ ليُلخّص المعضلة بصراحة نادرة: "لدينا 71 يوماً، وحتى الآن ليس لدينا رسالة إيجابية نوصلها إلى الريف الأمريكي". هذه الجملة، أكثر من أي إحصاء أو تصريح رسمي، تكشف عمق الهوّة بين ما تُعلنه الإدارة وما يُحسّ به من يعيش على الأرض الزراعية. ومنشأة الذباب المعقّم التي ستُفتح في ربيع 2027 قد تكون انتصاراً تقنياً حقيقياً — لكنها لن تُغيّر نتائج صناديق الاقتراع في نوفمبر 2026.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
