الأزمة الغذائية في أوغندا وأهوال جفاف كارامويا
تتصاعد أزمة الجوع في أوغندا بسبب أسوأ موجة جفاف منذ عقود مع خسائر ضخمة في المحاصيل وتزايد سوء التغذية في كارامويا. الحكومة تحاول التدخل لكن التحديات تشمل الفقر، الفساد، وتغير المناخ. التفاصيل على خَبَرَيْن.

تتصاعد أزمة الجوع في أوغندا مع اشتداد موجة جفافٍ توصف بأنّها الأسوأ منذ عقود. فشلت المحاصيل الزراعية في مناطق واسعة من البلاد، وتفقد العائلات ذويها مع تعمّق الأزمة في المنطقة الشمالية الشرقية وامتدادها إلى منطقة القرن الأفريقي الأشمل. وقد لقي ما لا يقلّ عن 19 شخصاً حتفهم جوعاً في منطقة كارامويا، حيث يواجه 1.5 مليون شخص خطر سوء التغذية، وفقاً لشبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (Fews Net) المعنيّة برصد الأمن الغذائي.
بدأت الحكومة توزيع الغذاء طارئاً في كارامويا، غير أنّ تفاقم الجفاف يستحضر ذكريات أزمة الجوع عام 2022 التي أودت بحياة أكثر من 2,000 شخص.
فما الذي أفضى إلى هذه الأزمة، وكيف تتعامل معها الحكومة؟
ما الذي جرى؟
أشعل الجفاف الحادّ في أوغندا فتيلَ تدهورٍ متسارع في الأمن الغذائي، وكانت منطقة كارامويا الأشدّ تضرّراً، وفقاً لـFews Net.
المنطقة شاسعةٌ وجافّة ذات تضاريس قاسية، وتعتمد معظم مجتمعاتها على الزراعة وتربية الماشية مصدراً أساسياً للعيش.
قالت Agnes Kirabo، المديرة التنفيذية لتحالف حقوق الغذاء (FRA)، وهي منظمة غير ربحية في وسط أوغندا، إنّ انعدام الأمطار منذ أبريل كان عاملاً محورياً في الأزمة.
وأضافت: "تتراوح خسائر المحاصيل بين 50 و70 بالمئة في معظم المناطق، وتُقدَّر المساحات المتضرّرة بخمسة آلاف هكتار من المحاصيل تبلغ قيمتها 200 مليار شلن 53 مليون دولار."
أمّا Lucia Lomiza فلا تزال تعيش وطأة الحزن على زوجها الذي فارق الحياة بسبب مضاعفات الجفاف، كما قالت : "الناس يحرقون الفحم الآن من أجل البقاء. أنا لا أملك الطاقة على ذلك. غادر معظم أفراد عائلتي القرية بحثاً عن لقمة العيش. لستُ وحدي في هذا المعاناة."
وقال Elijah Loore، رئيس لجنة إدارة الكوارث في المنطقة، إنّ السكّان الجائعين يتوافدون على مكتب الحكومة كلّ يومٍ أو يومين أملاً في الحصول على شيءٍ يأكلونه، لكنّه لا يملك ما يكفي لتقديمه. وقال : "يزداد عدد المصابين بسوء التغذية يوماً بعد يوم، ولا سيّما الأطفال والأمّهات المرضعات والمسنّون والحوامل ومعظم ذوي الإعاقات الذين لا يستطيعون حتى التحرّك بحثاً عن طعام."
ما أسباب هذه الأزمة؟
لم تشهد منطقة كارامويا أمطاراً منذ أبريل، وهو توقيت بداية موسم الزراعة.
يرى Kristof Titeca، الأستاذ المساعد في معهد سياسات التنمية والإدارة بجامعة Antwerp في بلجيكا، المتخصّص في شؤون أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، أنّ أزمة الغذاء نتاجٌ لتضافر عوامل متعدّدة، وأنّ تغيّر المناخ ليس سوى أحدها.
وقال: "أوّلاً، ثمّة أزمة مناخية؛ مع تفاقم المناخ، طال أمد موجة الجفاف... وهذا ليس المرّة الأولى التي تشهدها المنطقة. كما يعاني الإقليم من تدهورٍ بيئي شامل مرتبطٍ بالفقر المتفشّي، ما يُفضي إلى الرعي الجائر وإزالة الغابات."
وزاد الصراعَ بين رعاة الماشية وناهبيها تفاقماً، مع ارتفاع أسعار الغذاء. وأضاف Titeca: "أخيراً، والأهمّ من ذلك كلّه، أنّ منطقة كارامويا كانت تاريخياً منطقةً مهمَّشة في أوغندا، منذ الحقبة الاستعمارية، ولم يتحسّن وضعها في ظلّ الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال."
وأشار إلى أنّ قطع الولايات المتحدة للمساعدات الخارجية في عهد الرئيس Donald Trump أسهم بدوره في تعميق الأزمة، قائلاً: "انسحبت وكالات الإغاثة بشكلٍ حادّ من تقديم المساعدات الغذائية في البلاد. كارامويا بحاجة إلى حلٍّ هيكلي شامل فهذه ليست أزمتها الغذائية الأولى، وفي السياق الراهن، لن تكون الأخيرة للأسف."
في المقابل، يرى Job Kijji، المدير التنفيذي لمركز IDEA للدراسات السياسية في أوغندا، أنّ المحرّك الحقيقي للأزمة هو إخفاق الحوكمة.
وقال: "على مدار سنوات، نُهبت ملايين الدولارات المخصّصة لكارامويا على أيدي مسؤولين فاسدين. وقد تجلّى ذلك بوضوحٍ في فضيحة الألواح الحديدية الأخيرة، حين ضُبط ما يكاد يكون مجلس الوزراء بأكمله وهو يسرق مواد البناء المخصّصة لإسكان أبناء الكاريموجونغ."
وأضاف: "كارامويا غنيّةٌ بالذهب والحجر الجيري والغرانيت، غير أنّ المستثمرين يستخرجون كلّ شيء ويتركون السكّان يتضوّرون جوعاً، رغم وجود وزارة مخصّصة للإقليم. والمفارقة المؤلمة أنّ غرب أوغندا يُتلف فائض الحليب بينما تجوع كارامويا. لسنا بحاجة إلى مساعدات، بل إلى استثمارٍ منهجي في الزراعة الذكية مناخياً وحصاد المياه والريّ وشبكات الحفظ الوطنية لنقل الغذاء من مناطق الفائض إلى مناطق العجز."
وأشارت Agnes Kirabo من تحالف FRA إلى أنّ المنطقة تمتلك هطولاً مطرياً كافياً ومسارات مائية من مساباه وسيبي تُمكّنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، لكنّها تفتقر إلى الاستثمار في البنية التحتية للمياه وإلى الإفراج في الوقت المناسب عن المساعدات الغذائية وخدمات الإرشاد الزراعي.
وقالت: "الشُّح المتكرّر ناجمٌ عن مزيجٍ من تغيّر المناخ وضعف المؤسّسات وسوء التخطيط وتشتّت الجهود، وكلّها تُفاقم هشاشة المجتمعات. ويُضاف إلى ذلك الفقر المزمن ومحدودية الإنتاج الزراعي وتراجع أعداد الماشية جرّاء سنوات من السرقة."
ما الذي اتّخذته الحكومة من إجراءات؟
أفادت في أوغندا Catherine Soi بأنّ الحكومة الأوغندية رصدت 18 مليون دولار كمساعداتٍ لمنطقة كارامويا.
في 22 يوليو، وبعد وفاة 19 شخصاً جوعاً في كارامويا، شرعت الحكومة في توزيع الغذاء بإرسال إمدادات من دقيق الذرة والفاصوليا.
و أوضحت Kirabo من تحالف FRA أنّ مكتب رئيس الوزراء يوزّع ما يقارب 9.5 مليون كيلوغرام من الغذاء الإغاثي المؤلَّف من دقيق الذرة والفاصوليا الجافة، يستهدف أكثر من 300,000 أسرة في 480 أبرشية موزّعة على تسعة أقضية في كارامويا. وأضافت: "أفرجت الحكومة أيضاً عن 45 مليار شلن 12 مليون دولار لهذا الغرض، وستمتدّ عملية التوزيع شهرين تشمل يوليو وأغسطس 2026."
كما تعهّدت الحكومة بتوزيع بذورٍ مقاومة للجفاف والأمراض وسريعة النضج قبيل موسم الزراعة المقبل.
وكان Sam Engola، وزير التأهّب للكوارث واللاجئين، قد أطلق جهود توزيع المساعدات في 22 يوليو، ثمّ كتب على منصّة X في اليوم التالي أنّ أوغندا عقدت اجتماعاً مع برنامج الأغذية العالمي (WFP) لـ"مناقشة التدخّلات الحكومية الجارية لتقديم الإغاثة الغذائية للأسر الهشّة وإرساء استراتيجيات فعّالة ومنصفة لدعم المتضرّرين من أزمة الجوع".
وقال: "أكّدتُ أنّه رغم أهمّية الإغاثة الغذائية الفورية، فإنّها تبقى إجراءً مؤقّتاً. نحن نتعاون مع وزارة الزراعة على حلولٍ مستدامة طويلة الأمد، تتمحور تحديداً حول الاستثمار في مشاريع الريّ وسدود الأودية وصوامع الحبوب والمحاصيل المقاومة للجفاف."
وأضاف: "تهدف هذه المبادرات إلى بناء صمود المجتمعات وتعزيز إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية، وتحويل كارامويا في نهاية المطاف إلى سلّةٍ غذائية مكتفية بذاتها قادرة على تزويد المناطق الأخرى، بدلاً من الاعتماد السنوي على الإغاثة."
وأشارت Soi إلى أنّ أوغندا ليست البلد الوحيد في القرن الأفريقي الذي يعاني من الجفاف المتكرّر، إذ يواجه ملايين الأشخاص في كينيا والصومال وإثيوبيا وجنوب السودان شحّاً غذائياً حاداً أيضاً.
هل ستُجدي إجراءات الحكومة نفعاً؟
يرى Kijji أنّ الدولة لا تزال تلجأ إلى "وصفتها الفاشلة المعتادة" بإرسال دقيق الذرة والفاصوليا طارئاً إلى كارامويا بعد أن يكون الجوع قد حصد أرواحاً، وهو ما لا يعدو كونه لصقةً سياسية لا حلاً مستداماً.
وقال: "لمعالجة هذا الوضع، يجب على الحكومة التخلّي الكامل عن نموذج المساعدات والاستثمار بجدّية في منظومات الإنتاج المحلّي، وذلك من خلال أنظمة زراعية ذكية مناخياً وحصاد مائي محلّي وشبكات ريٍّ تعمل بالطاقة الشمسية وزراعة آليّة وإنتاج محاصيل مقاومة للمناخ."
وشدّد على ضرورة تحسين البنية التحتية الوطنية لتوزيع الغذاء وحفظه فوراً، قائلاً: "لا تعاني أوغندا من شُحٍّ غذائي شامل، بل من أزمة توزيعٍ هيكلية. نحن نعيش في بلدٍ يكتنفه التناقض الصارخ؛ إذ يُتلف مزارعو غرب أوغندا أحياناً فائض الحليب لانعدام الأسواق، بينما يموت أطفال كارامويا جوعاً حاداً. يجب أن نستثمر بكثافة في منظومات حفظٍ حديثة ومرافق تخزين ما بعد الحصاد وسلاسل تبريد وطنية قادرة على نقل الغذاء بأمان من مناطق الفائض إلى مناطق العجز."
وأضاف: "لا بدّ أن يُرافق ذلك حوكمةٌ رشيدة للموارد ومحاسبةٌ صارمة. يجب أن تُخصَّص عائدات التعدين المستخرَجة من كارامويا قانونياً لتمويل بنيتها التحتية الزراعية، إلى جانب ملاحقة المسؤولين المتورّطين في اختلاس أموال الإغاثة قضائياً."
وطالبت Kirabo بدورها بتعزيز منظومات الغذاء المحلّية عبر التحوّل من توزيع المساعدات إلى الشراء الغذائي المحلّي، وقالت: "يجب الإفراج عن الصناديق الاحتياطية للجان إدارة الكوارث على مستوى الأقضية لتمكينها من الاستجابة السريعة محلياً، وينبغي أن تمتلك الحكومات دون الوطنية الموارد والصلاحيات للتحرّك دون انتظار القرار من كمبالا."
وأضافت أنّ معالجة الأسباب الجذرية للفقر المزمن تستلزم استثماراً طويل الأمد في التعليم والصحة والبنية التحتية والتنويع الاقتصادي، مُختتمةً بقولٍ يُلخّص جوهر الأزمة: "أزمة الجوع في كارامويا ليست في جوهرها أزمةً مناخية. إنّها أزمة حوكمة. لدينا البيانات. لدينا التوقّعات. لدينا كلّ الأسباب للاستعداد. ومع ذلك، ها نحن ندفن موتانا ونُقنّن الإغاثة. هذا يجب أن يتغيّر."
أخبار ذات صلة

تحطم طائرة سياحية بالقرب من موقع بيروي الأثري: 11 قتيلاً

زلزال بقوة 7.1 يضرب اليابان وينجم عنه انفجار في مركز تجاري

حيواناتٌ أليفة تبحث عن أصحابها بعد الزلازل في فنزويلا
