خَبَرَيْن logo

ترامب والتصويت البريدي بين المبدأ والمصلحة الانتخابية

ترامب يغير موقفه من التصويت البريدي ويشجع الجمهوريين على استخدامه رغم تحذيراته السابقة، ما يعكس حسابات انتخابية عملية تهدف لحشد القاعدة وسط تحديات قانونية وانتخابية معقدة في السباق النصف سنوي على خَبَرَيْن

دونالد ترامب يتحدث إلى الصحفيين أمام البيت الأبيض وسط معدات تسجيل، في سياق نقاشه المتغير حول التصويت البريدي والانتخابات الأمريكية.
الرئيس دونالد ترامب يتحدث إلى أعضاء الصحافة قبل صعوده إلى المروحية الرئاسية من الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض. جيم واتسون/وكالة فرانس برس/صور غيتي
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

ثمّة فرضيةٌ يسهل تصديقها: أنّ المواقف السياسية الحادّة، حين تتكرّر سنواتٍ طويلة، تتحوّل إلى عقيدةٍ راسخة لا تتزحزح أمام الحسابات الآنية. دونالد ترامب أمضى سنواتٍ يصف التصويت البريدي بأنه بوّابةٌ للتزوير، ودفع منذ بداية ولايته الثانية باتجاه تقييده عبر أوامر تنفيذية وتشريعات، بل وصفه قبل أسابيع بأنه "فضيحة" تجعل من بلاده أضحوكةً أمام العالم. فإذا كان الرجل بهذه القناعة الراسخة، فكيف نفسّر ظهوره فجأة، في فيديو مُسجَّل نشره صباح السبت على حسابه في Truth Social، وهو يحثّ الجمهوريين على استخدام "كل أداة مناسبة" للإدلاء بأصواتهم، بما في ذلك التصويت البريدي نفسه؟

هنا بالضبط يكمن الدرس الذي يستحق التوقف عنده: الموقف السياسي لا يُقاس بما يُعلَن في خطاب الهوية، بل بما يُمارَس حين يصطدم المبدأ بالمصلحة الانتخابية المباشرة.

من "الكارثة" إلى "أداة مناسبة"

الفيديو الذي نشره ترامب لم يكتفِ بدعوة عامة للمشاركة، بل كان تفصيلياً إلى حدّ لافت. قال الرئيس الأمريكي: "إذا كانت ولايتكم تتيح التصويت المبكر، فلا تنتظروا. اخرجوا وصوّتوا"، مضيفاً: "صوّتوا مبكراً، أو صوّتوا بالبريد، أو صوّتوا شخصياً يوم الانتخابات". وهي عبارةٌ تضع التصويت البريدي، الذي طالما وصفه بالتهديد الوجودي للنزاهة الانتخابية، في مرتبةٍ واحدة مع التصويت المباشر الذي لطالما فضّله.

التناقض يزداد وضوحاً حين نتذكّر أنّ ترامب نفسه لم يتوقف يوماً عن ممارسة ما يُحذّر منه؛ فقد صوّت بالبريد في انتخاباتٍ تكميلية لمجلس النواب في ولاية فلوريدا في مارس الماضي. كما أنّ حملته الانتخابية في 2024 كانت قد أطلقت برنامج "Swamp The Vote USA" لتشجيع التصويت الغيابي والبريدي والمبكر وهو البرنامج الذي استحضره بنفسه في فيديو السبت، وكأنه يُذكّر قاعدته بأنّ الآلية ذاتها خدمته سابقاً.

والحال أنّ هذا التحوّل الظاهري لم يأتِ من فراغ قانوني. فقد رفضت المحكمة العليا الأمريكية الشهر الماضي مجموعة قيودٍ واسعة كان ترامب يسعى لفرضها على التصويت البريدي، بعدما حذّر مسؤولو الانتخابات في عدة ولايات من أنهم لا يملكون الوقت الكافي لتطبيق الأحكام المنبثقة عن أمرٍ تنفيذي أصدره الرئيس في مارس. والمحاكم، بشكلٍ عام، أحبطت كثيراً من محاولاته لتقييد هذا النمط من التصويت. وقد علّق ترامب على قرار المحكمة العليا بغضبٍ واضح على منصته الاجتماعية، واصفاً النظام البريدي بأنه "كارثة... أضحوكة في جميع أنحاء العالم، ونحن البلد الوحيد الذي يتحمّل عملية احتيالٍ تدمّر الأمة بهذا الشكل". كما واصل الضغط على الكونغرس لتمرير "قانون إنقاذ أمريكا" (SAVE America Act)، وهو مشروع قانون شامل لإصلاح الانتخابات الفيدرالية، لكنه اصطدم بمعارضةٍ من الحزبين في مجلس الشيوخ.

لعبة الإقبال لا لعبة الإقناع

فإذا كانت المحاكم قد أغلقت أمام ترامب الطريق القانوني لتقييد التصويت البريدي، ولم يفلح في تمرير بديله التشريعي، يبقى سؤالٌ مشروع: هل التحوّل في خطابه نحو تشجيع كل وسائل التصويت هو تراجعٌ عن قناعة، أم أنه كان منذ البداية حساباً تكتيكياً لم يتغيّر جوهره، بل تغيّرت فقط الأداة المناسبة لتحقيقه؟

الأقرب إلى الواقع، استناداً إلى ما تكشفه استراتيجية ترامب في هذه الدورة الانتخابية النصفية، أنّ الهدف لم يكن يوماً مبدئياً بقدر ما كان عملياً: فحملته هذا الموسم تراهن على حشد القاعدة الانتخابية أكثر من رهانها على إقناع الناخبين المترددين بدعم مرشحي الحزب الجمهوري. وقد عبّر مسؤولٌ جمهوري في الحملة عن هذا المنطق بوضوحٍ شديد حين قال: "الأمر كلّه لعبة إقبال"، موضحاً أنّ "لجان الحملات والعملية السياسية للرئيس تتبادل البيانات منذ اليوم الأول لضمان استهداف الأشخاص الدقيقين الذين نحتاج إلى حشدهم".

وهذا يفسّر لماذا يعترف مستشارو ترامب، بحسب ما ذكر، بأنه قادرٌ على إثارة حماسة أنصاره لكنه في الوقت نفسه قد يُحفّز إقبال الناخبين الديمقراطيين أيضاً. فمع شهرٍ واحد فقط متبقٍ على موعد الانتخابات النصفية، كان أكثر من مليون بطاقة اقتراع قد جرى الإدلاء بها بالفعل، وفي عدة ولاياتٍ تشهد سباقاتٍ حاسمة على مقاعد مجلس الشيوخ أو مناصب الحكام، مثّل الديمقراطيون نسبةً أكبر من طالبي بطاقات الاقتراع مقارنةً بالمرحلة نفسها من انتخابات 2024 وهو ما يتماشى مع نمطٍ متكرر في السنوات الأخيرة، حيث كان الناخبون الديمقراطيون أكثر ميلاً من نظرائهم الجمهوريين للتصويت قبل يوم الانتخابات نفسه.

هنا يتبدّى المأزق الذي يواجهه ترامب: خطابه عن "فضيحة" التصويت البريدي قد يكون أقنع قاعدته الانتخابية بالعزوف عنه لسنوات، في حين واصل الناخبون الديمقراطيون استخدامه بكثافة. فإذا استمرّ هذا الخلل في التوازن، فإنّ أي تفوقٍ ديمقراطي في التصويت المبكر قد يضع الجمهوريين أمام عبءٍ إضافي يوم الانتخابات، حتى لو كان الإقبال الإجمالي في صالحهم. وربما كان هذا بالذات ما دفع ترامب إلى تصحيح مسار خطابه الآن، لا اقتناعاً بأنّ النظام البريدي سليم، بل إدراكاً متأخراً بأنّ معاداته علناً كلّفت حزبه أصواتاً لم يكن يملك ترف خسارتها.

وقد تم توجّيه إلى البيت الأبيض لطلب تعليقٍ على الفيديو وما إذا كان يعكس تغييراً في مواقف ترامب، دون أن يصدر ردٌّ واضح حتى كتابة هذا التقرير. وربما يكون غياب الجواب هو الجواب نفسه: فالرئيس لا يحتاج إلى التراجع علناً عن سنواتٍ من الاتهامات بالتزوير، بل يكفيه أن يُبقي الباب مفتوحاً أمام كل وسيلة تُنتج له الأصوات التي يحتاجها تاركاً للمراقبين مهمة تفسير الفارق بين ما يقوله عن النظام الانتخابي وما يفعله داخله.

أخبار ذات صلة

Loading...
طلاب يركضون على ملعب كرة قدم جامعي أثناء احتفال عودة الخريجين وسط حشد، يعكس أجواء الفرح والتوتر في الجامعات السوداء التاريخية.

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

في قلب احتفالات عودة الخريجين بالجامعات التاريخية للسود (HBCUs)، تتكرر حوادث إطلاق النار لتُهدد الأمن والسلام. اكتشف أسباب تصاعد العنف وتأثيره على مجتمع الجامعات، وتابع التفاصيل لتفهم الواقع وتُشارك في وضع الحلول.
Loading...
مجموعة من الأشخاص يجلسون بتركيز في حدث سياسي مرتبط بحملة انتخابية تركز على قضية شفافية ملفات إبشتاين في كولورادو.

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

في صراع انتخابي محتدم بكولورادو، تتجلى أهمية مواقف النواب تجاه قانون شفافية إبستين، حيث يبرز سؤال هل يكفي التصويت الأخير أم أن المواقف السابقة تترك أثراً لا يُمحى؟ اكتشف التفاصيل وتأثيرها الآن.
Loading...
المحكمة العليا الأمريكية في واشنطن حيث تنظر قضية Boulder التي تحدد مسؤولية شركات النفط عن أضرار التغير المناخي وتكاليف التعويض.

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ

تبدأ المحكمة العليا الأمريكية النظر في قضية Boulder التي قد تغيّر قواعد مساءلة شركات النفط عن أضرار التغيّر المناخي، وسط تحديات قانونية كبيرة. اكتشف التفاصيل وتأثير القرار على مستقبل الطاقة.
Loading...
دونالد ترامب يخرج من خلف ستار أزرق في حدث سياسي، مع تسليط الضوء على تحديات الجمهوريين في الانتخابات النصفية الأمريكية 2026.

الدوائر الانتخابية الحاسمة في معركة الانتخابات النصفية

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي 2026، تتغير خريطة الصراع السياسي في أمريكا وسط تآكل دعم الجمهوريين في معاقلهم التقليدية. اكتشف كيف تؤثر هذه التحولات على مستقبل الكونغرس واشترك في متابعة التفاصيل الحصرية.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية