ترامب يخاطر بحملته ويعتمد على حشد القاعدة الجمهوري
ترامب يختار المواجهة رغم تراجع شعبيته ويطلق حملة مكثفة في أكتوبر للحشد داخل قواعده بدلاً من استقطاب المستقلين مع تركيز على ولايات حاسمة وتكساس التي تشهد إنفاقاً غير مسبوقاً وسط قلق جمهوري متزايد خَبَرَيْن

حين تتراجع شعبية رئيسٍ أمريكي في عامه الأول أو الثاني، تقول الحكمة السياسية التقليدية إن الحزب الحاكم يفعل خيراً بإبعاده عن الواجهة الانتخابية، وترك مرشّحيه يخوضون معاركهم المحلية بمعزلٍ عن ثقل اسمه. هذا ما فعله كثيرون في واشنطن عبر عقود: الرئيس يتراجع إلى الخلف، والمرشّحون يقدّمون أنفسهم كأصواتٍ مستقلة تمثّل دوائرها لا البيت الأبيض. لكن ما تخطّط له إدارة دونالد ترامب هذا الخريف يسير في الاتجاه المعاكس تماماً: بدلاً من التراجع، يستعدّ ترامب مع نائبه جي دي فانس لحملةٍ مكثّفة في أكتوبر، رغم أن نسبة التأييد لترامب بلغت أدنى مستوى لها منذ توليه المنصب. فهل هذا مقامرةٌ محسوبة أم مكابرةٌ سياسية؟ الإجابة، كما يبدو من تفاصيل الخطة، أعقد من أن تُختزل في أيٍّ من الوصفين.
عندما تصبح الشعبية المتراجعة سبباً للحضور لا الغياب
مستشارو ترامب أنفسهم يقرّون بصعوبة الموقف. يصف أحدهم الأشهر المقبلة بأنها "ستكون صعبةً للغاية، بصراحة شديدة". وهم يدركون أيضاً أن فرص كسب أصوات المستقلّين أو الناخبين المتأرجحين ضئيلةٌ هذه المرة، رغم أن هؤلاء بالذات كانوا من رجّح كفّة ترامب في الولايات الحاسمة عام 2024. القياس هنا مفيد: فالجمهوريون يستحضرون بقلقٍ ما جرى عام 2022، حين خسر الديمقراطيون مجلس النواب بفارقٍ ضئيل تحت رئاسة جو بايدن، لكنهم احتفظوا بمجلس الشيوخ. اليوم يخشى الجمهوريون تكرار الخسارة نفسها في مجلس النواب، بل ويشكّكون في قدرتهم على الاحتفاظ حتى بمجلس الشيوخ، وهو ما يقلب المعادلة القديمة رأساً على عقب: من كان يخسر بفارقٍ ضيق قد يخسر هذه المرة بفارقٍ أوسع.
المنطق الذي يقود فريق ترامب مختلفٌ عن الحسابات التقليدية. فبما أن كسب المستقلّين شبه مستحيل، فإن الاستراتيجية البديلة الوحيدة هي الحشد: دفع القاعدة الجمهورية الموالية إلى صناديق الاقتراع بدلاً من محاولة إقناع من لم يقتنع أصلاً. يشرح أحد العاملين في الحملة الفكرة بوضوح: "النظام مبنيٌّ على تحديد المناطق التي نحتاج فيها إلى رفع نسبة الحشد بمقدار 2 إلى 3 نقاط". هذا رهانٌ مختلف نوعياً عن رهان الإقناع، وقد ينجح حيث فشلت حسابات المستقلّين، لكنه يحمل في طيّاته مخاطرةً لم يغفل عنها أحد، وسنعود إليها.
خريطة أكتوبر: من ألاباما إلى ميشيغان
أعدّت سوزي وايلز، رئيسة موظفي ترامب، إلى جانب كبار مستشاريه، جدول أكتوبر الانتخابي خلال الأسابيع الأخيرة، ومن المقرّر أن يخوض ترامب حملاتٍ ميدانية في معظم أيام الشهر. مع ذلك، أكّد مسؤولان في الإدارة أن بعض المحطات لم تُحسم بعد. الأسبوع المقبل يتّجه ترامب إلى ألاباما وأوكلاهوما، وهما، بحسب مسؤول جمهوري مطّلع على الاستراتيجية، وصفهما بأنهما "استثناءٌ" (outliers) في خريطة تركّز أساساً على الدوائر المتأرجحة. أما الثقل الأكبر فسيكون في فلوريدا وتكساس وميشيغان وأوهايو، حيث يقول مسؤولٌ جمهوري: "سيلعب بقوة في فلوريدا وتكساس وميشيغان وأوهايو، وسيكون على الطريق كل يوم تقريباً في أكتوبر وهو يخوض الحملة. نحن نضع كل أوراقنا على الطاولة". وسيزور ترامب أيضاً مناطق محافظة داخل ولاياتٍ تُعدّ عموماً أكثر تنافسية سياسياً، في محاولةٍ لضمان ألا تتراخى القاعدة حتى في معاقلها المفترضة.
هذه الجولات لا تخدم الحشد الانتخابي فحسب، بل تُستثمر أيضاً لجمع التبرّعات، في وقتٍ تعاني فيه المجموعات الجمهورية، بما فيها لجنة "MAGA Inc." التابعة لترامب، من تراجع السيولة النقدية على المستوى الوطني. جزءٌ متزايد من إنفاق ترامب السياسي بات يمرّ عبر مجموعتين جديدتين تأسّستا حديثاً: "No Going Back PAC Inc." و"Safety & Affordability PAC Inc."، في محاولةٍ لتنويع قنوات التمويل بعيداً عن اللجنة الأم.
تكساس: حين يصبح المعقل ساحة قلق
لا شيء يعكس حجم القلق الجمهوري أكثر من قرار "صندوق قيادة مجلس الشيوخ" (Senate Leadership Fund) رفع إنفاقه في تكساس هذا الأسبوع إلى 100 مليون دولار، لدعم المرشّح الجمهوري كين باكستون. تكساس ولايةٌ لم يخسرها الجمهوريون منذ عقود، وكون هذا المبلغ الضخم يُضخّ فيها بالذات مؤشرٌ لا يخطئه أحد على أن القلق تجاوز الدوائر التقليدية المتأرجحة ليطال ما كان يُعدّ حصناً آمناً. يقول أحد العاملين الجمهوريين إن هذا الإنفاق ينجح في تحريك الناخبين "بعض الشيء" نحو الجمهوريين، وهي عبارةٌ حذرة تكشف أن حتى الحملة نفسها لا تعد بنتائج حاسمة.
حين يبتعد الحلفاء: إيران والاقتصاد والهجرة
الرياح السياسية المعاكسة التي يواجهها الجمهوريون تُعزى إلى ترامب نفسه في الغالب، وقد دفعت عدداً من مرشّحيه إلى النأي بأنفسهم عنه، سواء في الدوائر المتأرجحة أو حتى في بعض الدوائر الجمهورية التقليدية. الحرب مع إيران، والوضع الاقتصادي، وسياسات الهجرة، هي القضايا الثلاث التي تتصدّر أسباب هذا الابتعاد. في ميشيغان، حيث يخوض مايك روجرز واحدةً من أكثر معارك مجلس الشيوخ تنافسية هذا الموسم، يقول المرشّح الجمهوري بوضوح: "أسعار البقالة مرتفعة جداً. علينا أن نخفّض الأسعار"، ويضيف بشأن الملف الإيراني: "الحرب مع إيران يجب أن تنتهي، وأن تنتهي بسرعة"، ثم يستدرك: "عندما يحدث ذلك، ستنخفض تكاليف الطاقة بشكل كبير، لكن عائلات ميشيغان لا يمكنها تحمّل الانتظار حتى يحدث ذلك". مرشّحون جمهوريون في أيوا وأوهايو يشاركونه القلق ذاته حيال الحرب الإيرانية، بل إن عدداً من المشرّعين الجمهوريين صوّتوا فعلياً لتقييد صلاحيات ترامب في إعلان الحرب، بينما وجّه نوابٌ جمهوريون في فلوريدا وتكساس انتقاداتٍ علنية لسياسات الإدارة في ملف الهجرة. بل إن بعض المرشّحين ذهبوا إلى حدّ حذف أي إشارةٍ إلى ترامب من مواقعهم الانتخابية.
أحد المسؤولين الجمهوريين يلخّص المفارقة التي يعيشها الحزب بقوله: "الكعكة مخبوزةٌ بالفعل. لا مفرّ من ترامب بالنسبة لهؤلاء. لذا علينا أن نتّكئ عليه"، ويضيف مسؤولٌ آخر تفسيراً عملياً أكثر: "اليسار سيهاجم المرشّحين الجمهوريين باعتبارهم قريبين من ترامب بغضّ النظر عمّا يفعلون، فلماذا لا نستفيد من ذلك، أي أقصى حشدٍ ممكن؟". هذا المنطق يكشف أن الحملة لا تراهن على إقناع الرأي العام بترامب، بل على تحويل الانتماء إليه إلى أداة حشدٍ لا أكثر. وكما يقول أحد مسؤولي الحملة الجمهورية: "الأمر كلّه لعبة حشد"، ويضيف: "منذ اليوم الأول، تتشارك لجان الحملات والعملية السياسية للرئيس البيانات لضمان أننا نستهدف بدقّة الأشخاص الذين نحتاج إلى حشدهم".
لكن هذه الاستراتيجية تحمل ثغرةً واضحة، اعترف بها مسؤولو الحملة أنفسهم: وضع اسم ترامب على الطاولة السياسية سلاحٌ ذو حدّين. يقول أحد مسؤولي الحملة: "المشكلة في وضع اسمه على بطاقة الاقتراع أنه قد يكون في النهاية دافعاً أكبر لناخبي الديمقراطيين الذين يكرهونه". بعبارةٍ أخرى، الحشد الذي يراهن عليه الجمهوريون قد يوقظ أيضاً الطرف الآخر من سباته.
فانس: الوريث المنضبط والورقة الاحتياطية للتمويل
إلى جانب ترامب، يُعوَّل على جي دي فانس بوصفه أداة حشدٍ إضافية، رغم إدراك فريق البيت الأبيض أن فانس عموماً أكثر التزاماً بالرسائل الحزبية المنضبطة من ترامب، وأنه رغم ذلك يُنظر إليه دائماً كامتدادٍ له لا كصوتٍ مستقل. وتشير مصادر مطّلعة على العملية الانتخابية إلى أن حضور ترامب وفانس معاً قد يضرّ أكثر مما ينفع في بعض الدوائر المتأرجحة، وهو ما يفسّر قلق بعض الجمهوريين من ظهور مرشّحيهم علناً إلى جانب الرئيس في السباقات الحسّاسة.
مهمّة فانس الأساسية، بحسب مصدرٍ مطّلع على عملية الحملة، كانت "جمع التبرّعات" لصالح اللجنة الوطنية الجمهورية، حيث يشغل منصب رئيس الشؤون المالية فيها، وهو ما يُعرف بجمع "المال الصلب" (hard money) وهو احتياجٌ ملحّ للحزب في هذه المرحلة. كما التقى فانس عدداً من المشرّعين الجمهوريين والمرشّحين لانتخابات نوفمبر لمناقشة الرسائل الانتخابية. وقد جاء قرار المحكمة العليا هذا الشهر، الذي يسمح للجان الحزبية، بما فيها اللجنة الوطنية الجمهورية، بالحصول على أسعارٍ مخفّضة للإعلانات التلفزيونية، ليمنح الحزب هامش مناورةٍ ماليّة إضافياً في وقتٍ تشتدّ فيه الحاجة إلى كل دولار.
تُدار كل هذه الجهود عبر عمليةٍ ضخمة لتحليل البيانات، عُزِّزت خلال حملة 2024 وساهمت حينها في حشد الناخبين المتأرجحين لصالح ترامب، وتستخدمها اليوم أيضاً اللجنة الوطنية الجمهورية وأذرع الحملات في مجلسي النواب والشيوخ. جيمس بلير، الذي غادر البيت الأبيض ليتولّى قيادة العملية السياسية قبيل الانتخابات النصفية، يشارك في تقييم الجداول الانتخابية والمساعدة في ترتيب أولويات الظهور.
حتى الكابينت له جدول أداء
الضغط لم يقتصر على المرشّحين والنائب، بل امتدّ إلى أعضاء مجلس الوزراء أنفسهم. عمل موظفو البيت الأبيض مع سوزي وايلز على اختيار محطات الحملة لأعضاء الكابينت، بل ذهب فريق ترامب السياسي إلى حدّ ترتيب أعضاء الحكومة وفق درجة مشاركتهم في الحملات: من سافر إلى الدوائر المتأرجحة حصل على تصنيفٍ أعلى، بينما خُصمت نقاطٌ من رتبة من قضى وقتاً في رحلاتٍ خارجية. وقد أُعلنت هذه الترتيبات في اجتماعاتٍ جماعية بهدف تشجيع مزيدٍ من المشاركة، وكان أبرزها اجتماعٌ صيفي عُقد في فندق والدورف أستوريا بواشنطن، تصدّرت فيه كيلي لوفلر، مديرة إدارة الأعمال الصغيرة، قائمة الأداء، تلاها كيث سوندرلينغ، وزير العمل بالإنابة، في المرتبة الثانية.
هذا كلّه يصبّ في قناعة البيت الأبيض المعلنة. يقول المتحدث باسمه ديفيس إنجل إن ترامب "بنى واحداً من أكثر التحالفات السياسية قوةً في التاريخ السياسي"، مضيفاً أن "الرئيس يفهم كيف يتواصل معهم". ويذهب إنجل إلى حدّ القول إن "الرئيس ترامب هو القائد الذي لا جدال فيه، وأفضل من يوصل الرسالة، والمحرّض الذي لا مثيل له للحزب الجمهوري، وهو ملتزمٌ بالحفاظ على الأغلبيات الجمهورية في الكونغرس".
هذا التصريح صحيحٌ من زاوية واحدة على الأقل: قدرة ترامب على تحريك قاعدته حقيقية ولا يمكن إنكارها، وهي ما دفع فريقه إلى المراهنة عليها بدل المراهنة على تحسّن صورته لدى المستقلّين. لكن السؤال الذي لا يملك أحدٌ في المعسكر الجمهوري إجابةً حاسمة عنه هو: هل يمكن لقوة الحشد أن تتفوّق على قوة الحشد المضادّة التي يولّدها الاسم نفسه لدى خصومه؟ فترامب، كما تُظهر بياناته الداخلية، محرّكٌ فعّال لناخبيه بقدر ما هو محرّكٌ فعّال لناخبي خصومه. والفارق بين نجاح استراتيجية أكتوبر وفشلها لن يُحسم في التصريحات، بل في صناديق الاقتراع في نوفمبر، حين يتّضح أيّ الجمهورين استيقظ أكثر: ذاك الذي أرادت الحملة إيقاظه، أم ذاك الذي لم تكن تريد إيقاظه أصلاً.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
