ترامب في قمة السبع تحول تاريخي في السياسة الدولية
في قمة مجموعة السبع، لم يُفجّر ترامب القاعة كما في السابق، بل أظهر تحولًا في سلوكه. مع دعم قوي لأوكرانيا واتفاق مع إيران، كانت الأجواء أكثر إيجابية. اكتشفوا كيف أثّرت هذه الديناميكيات على العلاقات الدولية. خَبَرَيْن.



قبل أن نُسارع إلى الحكم على ما جرى في قمّة مجموعة السبع هذا الأسبوع، دعونا نضع الأمور في سياقها الصحيح: المعيار الذي قيس به نجاح القمّة لم يكن الاتفاق على سياساتٍ طموحة، ولا إطلاق مبادراتٍ دولية كبرى بل كان ببساطة أن يبقى Donald Trump في القاعة حتى نهاية الجلسات.
هذا في حدّ ذاته يقول الكثير عن طبيعة المرحلة.
حضر Trump قمّة هذا العام في فرنسا دون أن يُفجّرها من الداخل وهو ما لم يحدث في أيٍّ من قمم السبع منذ عودته إلى السياسة. لم يغادر مبكّراً كما فعل العام الماضي في كندا. ولم يمزّق البيان الختامي المشترك كما فعل عام 2018 في أعقاب قمّةٍ بالغة الاحتقان. بل ذهب أبعد من ذلك: وقّع على صياغةٍ لافتة في البيان الجماعي تعهّد فيها بـ"دعمٍ راسخ" لأوكرانيا في مواجهة الحرب الروسية.
"كان هذا شيئاً استثنائياً"، قال Trump حين انتهت القمّة.
جوٌّ مختلف هذه المرّة
وصل Trump إلى فرنسا وهو يحمل شعوراً بالانتصار إثر التوصّل إلى اتفاقٍ أوّلي مع إيران، وهو ما نال إشادةً صريحة وغير مشروطة من قادة المجموعة، رغم تساؤلاتهم المُعلّقة حول آليات التنفيذ. وقد أحسن Emmanuel Macron توظيف هذا المناخ الإيجابي، إذ صمّم القمّة بعنايةٍ لإبقاء الرئيس الأمريكي منخرطاً حتى آخر لحظة وتوّج ذلك بعشاءٍ ليليٍّ متأخّر في قصر Versailles، أُضيف إلى البرنامج خصيصاً لضمان بقاء Trump في فرنسا حتى ختام القمّة.
بالطبع، لم تخلُ الأيام الثلاثة من توتّراتٍ معتادة: اشتكى Trump من ارتفاع حرارة قاعة الاجتماعات، و وصل متأخّراً ساعةً كاملة إلى إحدى الجلسات معلّقاً بنبرة الرئيس الذي يعرف مكانته: "أنا رئيسكم جميعاً". وقد التقطت الميكروفونات Macron يصف عشاء الليلة الأولى مع Trump في الهواء الطلق بأنّه كان "نقاشاً عسيراً".
غير أنّ ما يستحقّ التأمّل ليس هذه التفاصيل، بل التحوّل في طبيعة حضور Trump على الساحة الدولية.
عضوٌ قديم في نادٍ حصري
شارك Trump حتى الآن في خمس قمم لمجموعة السبع أو ستٍّ إن احتسبنا القمّة الافتراضية التي استضافها بشكلٍ منقوص خلال جائحة كوفيد عام 2020. وخلافاً لسنواته الأولى، حين كان مستشاروه يقولون إنّه كان يشعر بالحاجة إلى إثبات قوّته أمام نظرائه الأكثر خبرةً، يبدو Trump اليوم أكثر هدوءاً وأقلّ حاجةً إلى الاستعراض. معظم القادة الآخرين انتُخبوا في السنوات الأخيرة، ولا أحد في المجموعة باستثناء Macron حضر من هذه القمم بعدد ما حضره Trump.
ثمّة عاملٌ آخر لا يمكن إغفاله: العمر. غادر Trump واشنطن في الثانية فجراً يوم الاثنين، عقب احتفاله بعيد ميلاده الثمانين في حفل UFC على عشب البيت الأبيض، وطار ليلاً ليبدأ جولة اجتماعاتٍ مضنية في فندق Hôtel Royal. كان صوته أجشّ، وبدا الإرهاق واضحاً حين ظهر في مؤتمرٍ صحفي دام 70 دقيقة بعد يومين من الاجتماعات المتواصلة.
الاتفاق الإيراني: ورقة الضغط الأقوى
خلف الكواليس، كان Trump يدافع بحزمٍ عن الاتفاق الإيراني أمام نظرائه، مُقدِّماً إياه باعتباره انتصاراً لا للولايات المتحدة وحدها، بل للمجموعة بأسرها. وهذا التأطير لم يكن بلا أساس: الاتفاق يحمل إمكانية إنهاء أزمة الطاقة التي أثقلت كاهل أوروبا أكثر بكثير ممّا أثّرت في الاقتصاد الأمريكي.
"أعتقد أنّه تحوّلٌ جذري"، قال رئيس الوزراء الكندي Mark Carney . " ما حدث في الاجتماع يتيح لنا أن نتوقّف ونُعيد النظر في الملفّ الأوكراني بنظرة أعمق."
دبلوماسية المصالحة على الهامش
لم يكن Carney وحده من جاء القمّة يبحث عن لحظة مصالحة مع Trump بعد أشهرٍ من التوتّر. المستشار الألماني Friedrich Merz انتظر حتى جلس الجميع حول طاولة الاجتماعات، ثمّ وقف ليُقدّم لـTrump الذي كان Merz نفسه قد قال قبل شهرٍ إنّه يتعرّض للإهانة في ملفّ إيران.
رئيسة الوزراء الإيطالية Giorgia Meloni التي وصفها Trump في أبريل بأنّها "غير مقبولة" وضعيفة، بعد أن كانت حليفته الأوروبية الأولى عقدت معه اجتماعاً "توضيحياً" على هامش القمّة. وحين أعلن أحد القادة علناً أنّها "عادت إلى الصداقة" مع Trump، ردّت Meloni بابتسامةٍ هادئة: "لم نتوقّف عن كوننا أصدقاء."
عشاءٌ في Versailles وحسابٌ أوسع
أمّا الختام، فكان في قصر Versailles رمز لويس الرابع عشر للعظمة الملكية، وللإسراف الذي أشعل لاحقاً فتيل الثورة. وصل Trump إلى الفناء الرخامي المُقسَّم كرقعة الشطرنج في العاشرة مساءً وهو موعدٌ فرنسيٌّ بامتياز ليُقبّله Emmanuel وBrigitte Macron على الخدّين وفق التقليد الفرنسي، وهو المشهد اللافت بالنظر إلى أنّ Trump كان قد ادّعى قبل أشهرٍ أنّ Brigitte تُسيء معاملة زوجها.
"هذا المكان رائع"، قال Trump وهو يُحدّق في الواجهة الكلاسيكية بنوافذها المذهّبة. "Brigitte امرأةٌ رائعة."
العشاء كان بالمقاييس الفرنسية بسيطاً: لحم خنزير أسود من Bigorre، وهليون من Loire، و دواجن من Bourbonnais، وطبق جبن محلّي. جلس الثلاثة Trump والزوجان Macron في القاعة.
ولكن هل يعني كلّ هذا أنّ العلاقة بين Trump وحلفائه التقليديين قد استعادت توازنها؟ الإجابة الصادقة: لا. ما جرى في هذه القمّة أقرب إلى إدارة الأضرار منه إلى بناء الثقة. القادة الأوروبيون يُجيدون فنّ التكيّف مع معطياتٍ لا يملكون تغييرها، وهم يعرفون أنّ Trump باقٍ في البيت الأبيض حتى عام 2029. الرهان الحقيقي ليس في عشاء Versailles، بل في ما ستُفضي إليه الاتفاقية الإيرانية من تبعاتٍ لم تتّضح بعد — وهو ما سيحدّد ما إذا كانت هذه القمّة محطّةَ تحوّلٍ حقيقي، أم مجرّد هدنةٍ دبلوماسية مؤقّتة.
أخبار ذات صلة

اتفاق أميركي إيراني من 14 نقطة: النص الكامل

الممتلكات البريطانية في المستوطنات الإسرائيلية: ملفٌّ يثير الجدل في لندن

اتفاق إيران: مسؤولون أمريكيون يؤكدون وجود التزامات سرية لم تُدرج في النص
