ترامب بين وعود السياسة وواقع الخسائر الانتخابية
ترامب يبرر خسائره القادمة بفشل في "التسويق" رغم أرقام الاقتصاد التي تكشف أزمة ثقة حقيقية. هل المشكلة في الرسالة أم في الواقع؟ قراءة تحليلية تكشف الفرق بين الوعود والنتائج في إدارة ترامب على خَبَرَيْن.

حين يخسر السياسيّون انتخاباتٍ متوقَّعة، ثمّة تفسيرٌ يتكرّر بثباتٍ يكاد يكون طقساً: المشكلة ليست في القرارات التي اتُّخذت، بل في الطريقة التي قُدِّمت بها للناس. هذا بالضبط ما يقوله دونالد ترامب هذه الأيام وهو يستعدّ لخسائر يتوقّعها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي عام 2026. "نقوم بعملٍ سيّئ للغاية في الترويج، وعملٍ رائعٍ جداً في إدارة البلاد"، قال الرئيس الأمريكي الأربعاء في البيت الأبيض. وكرّر الفكرة نفسها الخميس بعد هبوطه في دالاس، ثم مجدداً في فعاليةٍ بمدينة دنتون في تكساس: "العمل الوحيد الذي نؤدّيه بشكلٍ سيّئ هو العلاقات العامة. بعبارةٍ أخرى، نقوم بعملٍ استثنائي، لكن... ربما نُسيء في طريقة تسويقه". وفي موضعٍ آخر لخّص الفكرة بجملةٍ واحدة: "أقول إننا قمنا بعملٍ سيّئ في العلاقات العامة، لكن عملٍ إداري رائع - وهذا هو الأهمّ".
السؤال الذي يستحقّ التوقّف عنده ليس ما إذا كان ترامب مخطئاً في وصف أدائه الإعلامي، بل ما إذا كانت "الرسالة" هي فعلاً المشكلة، أم أنّ المشكلة أعمق من أن يُصلحها أيّ خطاب.
حجّةٌ مألوفة في تاريخ الهزائم السياسية
لنمنح افتراض ترامب فرصته كاملة، فهو ليس بدعاً في هذا المنطق. بول رايان، مرشّح الجمهوريين لمنصب نائب الرئيس عام 2012، جادل بعد خسارة تذكرته الانتخابية بأنّ المشكلة كانت في الرسالة لا في الأفكار. باراك أوباما نفسه، بعد هزيمة حزبه الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي عام 2014، وصف ما جرى بأنّه "فشلٌ في السياسة" وهي صيغة مهذّبة لقولٍ مشابه: أداؤنا جيّد، لكنّ توصيله كان قاصراً. وحتى كامالا هاريس، بعد خسارتها عام 2024، قالت إنّها وجو بايدن "لم يأخذا الفضل الكافي" عمّا أنجزاه. الخيط المشترك بين هذه الحالات الثلاث هو أنّ السياسيين المهزومين يميلون، بشكلٍ طبيعي تقريباً، إلى البحث عن تفسيرٍ لا يُحمّلهم مسؤولية الخيارات نفسها.
لكنّ هذا الاتساق التاريخي لا يعني أنّ التفسير صحيح في كل مرّة، بل يعني فقط أنّه مُغرٍ في كل مرّة. والفارق بين الاثنين هو بالضبط ما يستحقّ الاختبار في حالة ترامب.
حين تتحدّث الأرقام بلغةٍ مختلفة
إذا كانت المشكلة في "التسويق" فعلاً، لكان يُفترض أن يرى الأمريكيون أداءً اقتصادياً جيداً لم يُبلَّغوا به كما ينبغي. غير أنّ استطلاعات الرأي تقول عكس ذلك تماماً. التضخّم بلغ 3.4% في وقت كتابة هذا التحليل، مقارنةً بـ3% حين تسلّم ترامب منصبه - أي أنّ المؤشر تحرّك في الاتجاه الخاطئ، لا الصحيح. وأسعار البنزين التي تجاوزت 4 دولارات للغالون باتت تذكيراً يومياً بتكاليف حرب إيران التي أشعلها ترامب نفسه، وهي حربٌ لا يرى كثيرٌ من الأمريكيين جدواها أصلاً.
استطلاع AP-NORC كشف أنّ 65% من الأمريكيين يُحمّلون ترامب اليوم المسؤولية الأساسية عن ارتفاع الأسعار، مقارنةً بـ44% فقط كانوا يُحمّلون بايدن المسؤولية قُبيل انتخابات 2022. أمّا استطلاع كلية الحقوق في جامعة ماركيت فوجد أنّ الأمريكيين يعارضون تأثير ترامب على التضخّم بنسبة 64% مقابل 18% فقط يؤيّدونه - وحتى بين الجمهوريين أنفسهم، لا يعتقد سوى 41% أنّ مقترحات ترامب ستُخفّض التضخّم. هذه ليست أرقاماً تُشير إلى أزمة تواصل، بل إلى أزمة ثقةٍ في النتائج نفسها.
وعودٌ لم تصمد أمام الواقع
المشكلة الأعمق أنّ ترامب لم يكتفِ بسياساتٍ لم تُثمر، بل بنى توقّعات محدّدة تحطّمت أمام الحقائق. وعد بأسعار بنزين دون دولارين للغالون؛ والواقع أنّها تجاوزت 4 دولارات. وعد بمعدّلات رهنٍ عقاري دون 3%؛ والواقع أنّها تجاوزت 7%، وهو أعلى مستوى منذ 2023. وقال حرفياً إنّه سيعمل على "خفض أسعار الطاقة إلى النصف خلال 12 شهراً" وبدلاً من ذلك واصلت الأسعار ارتفاعها. وتعهّد بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في يومه الأول في المنصب، وهو وعدٌ لم يتحقّق أيضاً. بل إنّه قال صراحةً إنّه "لن يبدأ حرباً" - ثم أشعل الحرب على إيران، ناقضاً وعده بنفسه.
هنا يكمن جوهر المشكلة: حين يَعِد سياسيٌّ بأرقامٍ محدّدة ثم تنقلب هذه الأرقام ضدّه، فإنّ الحديث عن "سوء التسويق" يفقد معناه لأنّ التسويق كان واضحاً تماماً، والمشكلة أنّ الواقع لم يُطابقه. استطلاع CBS News وجد أنّ 78% يرون أنّ إدارة ترامب لم تُركّز بما يكفي على خفض الأسعار، واستطلاع سجّل أنّ 73% يقولون إنّه "لم يُولِ اهتماماً كافياً لأهمّ مشكلات البلاد".
استراتيجية لوم بايدن تستنزف نفسها
اللافت أنّ ترامب يُكرّر لوم بايدن رغم مُضيّ 20 شهراً على توليه السلطة - وهي فترة طويلة بما يكفي لأن تبدو الحجّة مُستهلَكة. والحقيقة أنّ الأمريكيين حسموا رأيهم في هذه المسألة منذ وقتٍ مبكر: استطلاع NPR-PBS-Marist College في أبريل 2025 وجد أنّ 60% يُحمّلون سياسات ترامب مسؤولية الأوضاع الاقتصادية، مقابل 39% فقط رأوا أنّها أوضاعٌ "موروثة". وفي الشهر التالي، وجد استطلاع Reuters-Ipsos أنّ الأمريكيين يقولون بنسبة 59% مقابل 37% إنّ أيّ ركودٍ اقتصادي سيكون مسؤولية ترامب لا بايدن. بعبارةٍ أخرى، الجمهور توصّل إلى استنتاجاته قبل 17 أو 18 شهراً من اللحظة الراهنة - وهذا يعني أنّ ترامب لا يُحاول تغيير رأيٍ لم يتشكّل بعد، بل يُصارع رأياً استقرّ منذ زمن.
ومع ذلك واصل ترامب، إلى جانب نائبه جيه دي فانس، تصعيد استراتيجية لوم بايدن. وفي مقابلةٍ مع مجلة Time، أمضى ترامب جزءاً كبيراً من وقته يتحدّث عن تجديدات البيت الأبيض بدلاً من الاقتصاد. وفي تكساس، ادعى زوراً أنّ التضخّم في تراجع، وادّعى أنّ خصومه هم من اخترعوا مؤخراً مفهوم "القدرة على تحمّل التكاليف"، واصفاً إيّاه بأنّه "خدعة" (hoax). وهنا يبرز تناقضٌ لافت داخل الإدارة نفسها: فنائب الرئيس جيه دي فانس جادل، علناً وفي الكواليس، بأنّ مخاوف الأمريكيين الاقتصادية ينبغي أن تُؤخذ على محمل الجدّ وهو موقفٌ يبدو أقرب إلى الاعتراف الضمني بأنّ المشكلة ليست في "التسويق".
لا ننسَ أيضاً أنّ سياسات ترامب نفسها - من التعرفات الجمركية الشاملة التي أطلق عليها اسم "يوم التحرّر" (Liberation Day) في أبريل 2025، إلى حرب إيران - تحمل في طيّاتها مخاطر تفاقم التضخّم أكثر من احتوائه. وهذه مفارقة تستحقّ التأمّل: فالرجل الذي استفاد انتخابياً عام 2024 من موجة تضخّمٍ ضربت إدارة بايدن أثناء جائحة كوفيد-19، يجد نفسه اليوم أسير الديناميكية نفسها، لكن من الجهة المقابلة.
فإذا كانت المسلّمة القائلة بأنّ "الرسالة هي المشكلة" قد صمدت أحياناً في التاريخ السياسي الأمريكي كما مع رايان وأوباما وهاريس فإنّ صمودها هذه المرّة يتطلّب تجاهل كومةٍ من الأرقام التي لا تتحدّث عن سوء تقديم، بل عن نتائج ملموسة يشعر بها الناخب عند كل محطة وقود وكل فاتورة رهنٍ عقاري. وربما يكون السؤال الذي يستحقّ أن يُعاد طرحه، قبل أيّ انتخاباتٍ قادمة، هو: متى تتحوّل استراتيجية "لوم التواصل" من أداةٍ لتبرير الماضي إلى عائقٍ أمام تصحيح المستقبل؟
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
