تراجع الجليد البحري في أنتاركتيكا يهدد كوكبنا
تراجع الجليد البحري في أنتاركتيكا يثير القلق، حيث سجّل مستويات قياسية منخفضة. دراسة جديدة تكشف عن تأثير الرياح والمياه الدافئة على هذا التراجع، مما يهدد استقرار النظام البيئي ويعجّل الاحترار العالمي. تابعوا التفاصيل على خَبَرَيْن.

منذ عقودٍ طويلة، بدا أنّ القارّة القطبية الجنوبية أنتاركتيكا محصّنةٌ نسبياً من موجة الذوبان المتسارعة التي تضرب القطب الشمالي. غير أنّ عام 2015 شكّل منعطفاً حاداً، حين توقّف الجليد البحري المحيط بهذه القارّة الشاسعة عن التمدّد وبدأ في التراجع بصورةٍ لافتة. واليوم، يقول العلماء إنّهم توصّلوا إلى تفسيرٍ لهذه الظاهرة وما خلصوا إليه يُنذر بعواقب وخيمة لمنطقةٍ يرتبط مصيرها بمصير كوكبنا بأسره.
يسير الجليد البحري في أنتاركتيكا على منحنى انحداريٍّ حادٍّ منذ قرابة عقدٍ كامل. سجّل مستوياتٍ قياسيةً متدنّية عام 2022، ثمّ تكرّر الأمر عام 2023 حين هبط إلى 691,000 ميل مربع فحسب، ما يعني أنّ المساحة المفقودة من الجليد قياساً بالمتوسّطات التاريخية تفوق مساحة جرينلاند بأكملها. وعلى الرغم من أنّ هذا العام شهد كميّاتٍ أعلى نسبياً في ذروة صيف نصف الكرة الجنوبي، إلّا أنّها جاءت في المرتبة السادسة عشرة من حيث الانخفاض خلال ما يقارب خمسة عقود من الرصد والتسجيل.
يعكف العلماء منذ سنواتٍ على فهم الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع الحادّ، وتحديد ما إذا كانت أنتاركتيكا تدخل فعلاً في حالةٍ مناخية جديدة كلياً.
يكشف البحث الجديد عن سلسلة من العمليات المتشابكة تغذّيها الرياح المتصاعدة القوّة والمياه الآخذة في الاحترار أفضت إلى اختلال توازن المحيط المحيط بأنتاركتيكا. ووصف مؤلفو الدراسة ما جرى بأنّه "ثلاثي ضربات الفوضى المناخية"، وذلك في بيانٍ صحفيٍّ رافق الورقة البحثية المنشورة في مجلّة Science Advances يوم الجمعة.
بدأت سلسلة الأحداث قبل عقودٍ، حين أخذت الرياح الغربية المحيطة بأنتاركتيكا تشتدّ تدريجياً، بحسب ما أوضحه Aditya Narayanan، أحد مؤلفي الدراسة وباحثٌ في علم المحيطات الفيزيائي بجامعة Southampton البريطانية.
وقد ارتبطت قوّة هذه الرياح جزئياً بتصاعد انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري، فضلاً عن ثقب طبقة الأوزون فوق القارّة.
في البداية، أسهمت هذه الرياح في تبريد سطح المحيط، لكنّ المشهد تبدّل مع الوقت حين بدأت تأثيراتٌ أعمق وأبطأ تفرض نفسها. فمنذ عام 2015 تقريباً، باتت الرياح تسحب مياهاً دافئةً ومالحةً نسبياً من أعماق المحيط إلى سطحه. أذاب هذا الدفء الجليدَ البحري، وجعلت الملوحة المرتفعة عند السطح الماءَ أكثر كثافةً، ممّا أثّر في طريقة اختلاط طبقات المحيط وسهّل صعود المزيد من الحرارة إلى الأعلى.
ثمّ حلّت المرحلة الثالثة نحو عام 2018، بعد سنواتٍ من تراجع الجليد البحري، إذ وجدت المنطقة نفسها أسيرةَ حلقةٍ مفرغة: انحسار الجليد يُبقي سطح المحيط دافئاً ومالحاً، وهذا بدوره يحول دون تشكّل جليدٍ جديد.
وقال Narayanan: "تُظهر هذه المراحل الثلاث كيف يمكن للتغيّرات طويلة الأمد التي يقودها الاحترار العالمي أن تُطلق سلسلةً من العمليات المتتالية تدفع المنظومة نحو حالةٍ مديدة من انخفاض الجليد البحري".
وأشارت الدراسة إلى تباينٍ بين شرق أنتاركتيكا، حيث تتصدّر الحرارة الصاعدة من أعماق المحيط قيادةَ انحسار الجليد، وغرب أنتاركتيكا حيث يؤدّي الغلاف الجوي دوراً أكبر، إذ تُسهم السحب التي تحملها الهواء الدافئ في حبس الحرارة قرب سطح المحيط.
لانحسار الجليد البحري تداعياتٌ تتموّج على نطاقٍ واسع. فمع اختفائه، تنكشف الصفائح الجليدية الساحلية والأنهار الجليدية أمام الأمواج والمياه الدافئة، ما يجعلها أشدّ هشاشةً أمام الذوبان والتفكّك. ويعمل الجليد البحري أيضاً كمرآةٍ عملاقة تعكس طاقة الشمس بعيداً عن الأرض وتردّها إلى الفضاء؛ فحين يذوب، ينكشف سطح المحيط الداكن الذي يمتصّ هذه الطاقة ويُعجّل بالاحترار. وأضاف العلماء أنّ فقدان الجليد البحري قد يُزعزع استقرار التيّارات المحيطية التي تختزن الحرارة وثاني أكسيد الكربون في أعماق البحار، ممّا يُسرّع من وتيرة الاحترار العالمي.
وصف Oscar Schofield، عالم المحيطات البيولوجي في جامعة Rutgers الذي لم يشارك في الدراسة، البحثَ بأنّه يقدّم رؤيةً ثاقبة لما يجري في أنتاركتيكا. و أوضح أنّ تحديد المحرّكات الحقيقية لفقدان الجليد البحري "سيُساعدنا على فهم أسباب هذه التغيّرات وربّما التنبّؤ بالمستقبل بثقةٍ أكبر"، مشيراً إلى أنّ الجدل لا يزال قائماً حول ما ينتظر أنتاركتيكا، لكنّ "الانحدارات المرصودة مذهلة".
أمّا Ted Scambos، كبير الباحثين في مركز علوم الأرض والرصد بجامعة Colorado Boulder، فرأى أنّ الدراسة تُقدّم "روايةً أكثر تماسكاً" لما شهده الجليد البحري في أنتاركتيكا خلال السنوات العشر الماضية. وقال Scambos، الذي لم يشارك هو الآخر في البحث، إنّه "يتّفق مع أنّ تعافي الجليد البحري في أنتاركتيكا بات أمراً مستبعداً".
وإن استمرّ انخفاض الجليد البحري حتى عام 2030 وما بعده، فقد تكون التداعيات هائلة، وفق ما أكّده Alberto Naveira Garabato، أحد مؤلفي الدراسة وعالم المحيطات الفيزيائي في جامعة Southampton، قائلاً: "قد يتحوّل المحيط من عاملٍ مُثبِّت لمناخ العالم إلى محرّكٍ جديد وقويٍّ للاحترار العالمي".
أخبار ذات صلة

انخفاض تاريخي لخزانات كولورادو يفرض تخفيضات حادة على ثلاث ولايات

خزّانات الجنوب الغربي تصل لأدنى مستوياتها التاريخية وتهدّد الكهرباء والمياه

أوروبا تحت الحرّ الشديد.. يوروستار تطلب قطاراً يتحمّل 55 درجة مئوية
