احتفالات يوم النصر بلا دبّابات في موسكو
احتفالات يوم النصر في موسكو هذا العام جاءت بلا دبّابات، في خطوة تعكس الوضع العملياتي في أوكرانيا. خطاب بوتين استحضر الانتصار السوفيتي، لكن هل نحن أمام بداية تسوية أم إدارة صورة في زمن الحرب؟ اكتشف التفاصيل على خَبَرَيْن.

استهلّ الجميع تقريباً هذا اليوم بمسلّمةٍ واحدة: إنّ موسكو تُقيم احتفالاتها بيوم النصر كما أقامتها كلّ عام. والمشهد يبدو داعماً لهذا الانطباع ساحة حمراء، جنودٌ في صفوف منتظمة، وخطابٌ رئاسي يستحضر الذاكرة السوفيتية. غير أنّ المتأمّل في تفاصيل هذا العام يجد أنّ شيئاً ما تغيّر في الصورة، وإن بقي الإطار على حاله.
أقامت روسيا استعراضها العسكري السنوي في موسكو، الذكرى السنوية لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. وانطلق الاستعراض نحو الساعة 10 صباحاً (07:00 بتوقيت غرينتش) في الساحة الحمراء، حيث تصدّرت وحدةٌ عسكريةٌ تحمل العلم الروسي المشهدَ في ظلّ إجراءاتٍ أمنية مشدّدة.
تحدّث الرئيس Vladimir Putin في الحفل الذي يُعدّ أبرز المناسبات الوطنية غير الدينية في روسيا، فقال وسط صفوف الجنود المنتظمة: "النصر كان دائماً وسيبقى حليفنا. مفتاح النجاح هو قوّتنا المعنوية، وشجاعتنا وبسالتنا، ووحدتنا وقدرتنا على تحمّل كلّ شيء والتغلّب على أيّ تحدٍّ."
استعراضٌ بلا دبّابات
هنا يكمن ما يستحقّ التأمّل: Putin، الذي يمسك بزمام السلطة منذ أكثر من ربع قرن، اعتاد أن يوظّف يوم النصر واجهةً لعرض القوة العسكرية وحشد الدعم لحربه في أوكرانيا التي دخلت عامها الخامس. لكنّ هذا العام، وللمرّة الأولى منذ ما يقارب عشرين عاماً، جرى الاستعراض الذي امتدّ 45 دقيقة دون دبّاباتٍ أو صواريخ أو أسلحة ثقيلة، باستثناء التحليق التقليدي لطائرات الحرب.
وبدلاً من ذلك، عُرض شريطٌ مصوّر للمعدّات العسكرية الروسية المنتشرة في أوكرانيا، وفق ما أفادت به Yuli Shapovalova من موسكو، مشيرةً إلى أنّ ثمّة إدراكاً واسعاً بأنّ "الدبّابات مطلوبةٌ في الجبهة، لا في الاستعراض."
وأوضح المسؤولون أنّ تغيير شكل الحفل جاء بسبب "الوضع العملياتي الراهن"، مستشهدين بالتهديد المحتمل لهجماتٍ أوكرانية. وقال المتحدّث باسم الكرملين Dmitry Peskov إنّ السلطات اتّخذت "تدابير أمنية إضافية."
بين التهديد والسخرية
ولنمنح الحجّة المقابلة فرصتها: الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy كان قد أعلن في وقتٍ سابق من الأسبوع أنّ السلطات الروسية "تخشى أن تحوم طائرات مسيّرة فوق الساحة الحمراء" في 9 مايو. وجاء ردّه على إعلان الرئيس الأمريكي Donald Trump بإصدار مرسومٍ ساخر يُجيز فيه لروسيا إقامة احتفالات يوم النصر يوم السبت، معلناً الساحة الحمراء منطقةً محظورة مؤقّتاً على الضربات الأوكرانية.
وصف Peskov هذا المرسوم بأنّه "نكتةٌ سخيفة"، فيما حذّرت السلطات الروسية من أنّ أيّ محاولةٍ أوكرانية لتعطيل الاحتفالات ستُقابَل بـ"ضربةٍ صاروخية ضخمة على وسط Kyiv."
وكان Trump قد أعلن يوم الجمعة أنّ روسيا وأوكرانيا وافقتا على طلبه بوقف إطلاق النار من السبت حتى الاثنين وتبادل الأسرى، واصفاً هذه الهدنة بأنّها قد تكون "بداية النهاية" للحرب.
استحضار الذاكرة في خدمة الحاضر
في خطابه أمام الاستعراض الذي حضره جنودٌ روس إلى جانب عسكريين من كوريا الشمالية، استحضر Putin الانتصار السوفيتي على النازية ليُسبغ شرعيّةً تاريخية على عملياته في أوكرانيا، قائلاً: "إنّ الإنجاز العظيم لجيل المنتصرين يُلهم اليوم الجنودَ الذين يُنفّذون أهداف العملية العسكرية الخاصة. إنّهم يواجهون قوّةً عدوانية مسلّحةً ومدعومةً من حلف NATO بأكمله. ورغم ذلك، يمضي أبطالنا إلى الأمام."
وأضاف: "أنا مؤمنٌ راسخٌ بأنّ قضيّتنا عادلة."
ولا يمكن لأيّ قراءةٍ جادّة أن تتجاهل الثقل التاريخي لهذه المناسبة في الوجدان الروسي: فقد خسر الاتحاد السوفيتي 27 مليون إنسان بين عامَي 1941 و 1945 فيما يُسمّيه "الحرب الوطنية العظمى"، وهو جرحٌ غائرٌ في الذاكرة الجمعية، ويبقى من القلائل من نقاط الإجماع في تاريخٍ مثيرٍ للجدل في ظلّ الحكم الشيوعي. ويُحيي هذا اليوم أيضاً في دولٍ أخرى من الاتحاد السوفيتي السابق كبيلاروسيا وكازاخستان.
قال Putin: "نحتفل بهذا اليوم بمشاعر الفخر والحبّ لوطننا، وبإدراكٍ لواجبنا المشترك في الدفاع عن مصالح وطننا الأمّ ومستقبله."
ولكن يبقى السؤال الذي ينبغي للمراقب أن يُعيد النظر فيه: حين تُقام احتفالاتٌ بلا دبّابات، وتُطلق تهديداتٌ بضربات صاروخية، وتُعلَن هدناتٌ لثلاثة أيام هل نحن أمام بداية مسارٍ نحو التسوية، أم أمام إدارةٍ للصورة في زمن الحرب الطويلة؟ الفارق بين الاثنين جوهري، ومن يخلط بينهما قد يُسيء قراءة ما يأتي بعد ذلك.
أخبار ذات صلة

SpaceX تستعدّ لطرح عام بقيمة 75 مليار دولار

ثروة الأمريكيين الأثرياء تتسع: الأرقام والأسباب

التضخم الأمريكي يقفز إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات وسط التوترات مع إيران
