خَبَرَيْن logo

أزمة التجنيد في روسيا وتأثيرها على الاقتصاد

تواجه روسيا أزمة تجنيد غير مسبوقة رغم مكافآت تصل إلى 80,000 دولار. الحرب تستنزف الجنود وسوق العمل، والكرملين أمام خيار صعب: التصعيد أو التراجع. كيف سيؤثر ذلك على مستقبل البلاد؟ اكتشف المزيد في خَبَرَيْن.

إعلان تجنيد عسكري في روسيا يعرض مكافآت تصل إلى 80,000 دولار، مع صورة لجندي يرتدي زيًا عسكريًا، في مركز تجنيد.
ملصق في دولغوبروندي، روسيا، يعلن عن مكافآت الخدمة العسكرية التعاقدية "تبدأ من 6,000,000 روبل" في يناير 2026، وهو ما يعادل حوالي 80,000 دولار.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تبدو الأرقام صادمةً حين تُقرأ بتأنٍّ: مكافأة تصل إلى ما يعادل 80,000 دولار لمن يقرّر الانضمام إلى الجيش الروسي، أو إعفاء من ديون تبلغ 140,000 دولار. هذه ليست أرقاماً افتراضية، بل هي عروضٌ حقيقية تملأ لافتات الطرق السريعة في روسيا، وتتسلّل إلى خوارزميات الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، مصحوبةً بوعودٍ بالبطولة أو التجنيس السريع. ومع ذلك، تراجع التجنيد العسكري 20% في الربع الأول من هذا العام مقارنةً بعام 2025، وفق ما رصده الخبير الاقتصادي المتخصّص في الشأن الروسي Janis Kluge.

الكرملين راهن منذ البداية على استراتيجية الإنهاك: حربٌ استنزافية طويلة تستند إلى ثقل الكتلة السكانية وضخامة الصناعة العسكرية. وفي عامها الخامس، تبدو الحرب على أوكرانيا وكأنّها تُمسك بخناق الاقتصاد الروسي من زاويتَين متعاكستَين في آنٍ واحد.

الروبل لا يخوض الحروب

يقول Nigel Gould-Davies، الباحث الأول في الشأن الروسي والأوراسي لدى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، إنّ هذه المرّة الأولى في تاريخ روسيا التي تدفع فيها الدولة لمواطنيها مقابل القتال بدلاً من إجبارهم عليه. ويُلخّص المشكلة في جملةٍ واحدة: "الروبل لا يخوض الحروب".

وفي تقريرٍ حديث، يُحذّر Gould-Davies من أنّ "ثمّة مؤشّرات على أنّ هذه الحوافز لم تعد تعمل بفاعلية، وأنّ روسيا باتت تخسر من جنودها أكثر ممّا تستطيع تجنيده."

جنود روس يرتدون زيهم العسكري خلال عرض رسمي، مع وجود ضابط أمامهم، في سياق أزمة التجنيد العسكري وتأثير الحرب على الاقتصاد الروسي.
Loading image...
تشارك القوات الروسية في عرض عسكري بمناسبة يوم النصر في ساحة الحمراء بموسكو في 9 مايو 2026. إيكاترينا شتوكينا/سبوتنيك/رويترز
إعلان تجنيد عسكري في روسيا يظهر جنودًا يرتدون زيًا عسكريًا، مع شعارات عن الدفاع عن الوطن، وسط أجواء حضرية.
Loading image...
رجل يمر بجانب نقطة تجنيد متنقلة للخدمة العسكرية التعاقدية في موسكو بتاريخ 6 يوليو 2023. ناتاليا كوليسنيكوفا/أ ف ب/صور غيتي.

المحلّلون يرون أنّ موسكو تلجأ إلى تدابير متصاعدة اليأس لتعزيز صفوفها، وأنّ الرئيس Vladimir Putin سيُضطرّ على الأرجح إلى اتخاذ قراراتٍ أكثر إيلاماً هذا العام إن أراد مواصلة حربه. فإذا كان المجنّد المحتمل رفض المكافأة السخيّة العام الماضي، فما الذي قد يُغيّر رأيه الآن؟ لا سيّما في ظلّ تقاريرٍ عن سوء المعاملة على الجبهة، وعن جنودٍ يرشون ضبّاطهم هرباً من مهامٍ انتحارية.

عمال في مصنع روسي يجمعون طائرات مسيرة، مع رؤية لعدد من الطائرات في الخلفية، في سياق أزمة التجنيد العسكري والاقتصاد.
Loading image...
عرض وثائقي من وزارة الدفاع الروسية إنتاجًا داخل مصنع الطائرات المسيرة في ألابوغا. يقول المحللون إن هناك دلائل على أن صناعة الدفاع الروسية تعمل بالفعل بأقصى طاقتها، مما يجعل من الصعب زيادة الإنتاج العسكري أكثر من ذلك.

روسيا أرسلت عشرات الآلاف من السجناء السابقين إلى الجبهات، واستقدمت ثلاثة موجاتٍ من الجنود الكوريين الشماليين، وفتحت أبواب التجنيد أمام المهاجرين. وأعلنت مؤخّراً عن حملة تجنيدٍ جديدة تتضمّن الإعفاء من ديونٍ تصل إلى 140,000 دولار لمن يلتحق بالخدمة العسكرية.

أزمة عمالة غير مسبوقة

ما يُضاعف الأزمة أنّ الحرب لا تستنزف الجنود فحسب، بل تستنزف سوق العمل بأسره. يقول Gould-Davies: "المشكلة ليست في إيجاد من يذهب إلى الجبهة فقط... بل في إيجاد من يعمل أصلاً."

قطاع الصناعة الدفاعية تحديداً يُشير إلى أنّه يعمل بطاقته القصوى، مع مصانع تعمل على مدار الساعة. ما يعني أنّ زيادة الإنتاج العسكري باتت شبه مستحيلة، فيما يُلقي الطلب المتصاعد على عمّال المصانع بأعباءٍ إضافية على بقية الاقتصاد.

"الاقتصاد الروسي بأكمله يعاني من أشدّ أزمة عمالة في تاريخه"، وفق Gould-Davies.

قرابة 500,000 جندي روسي لقوا حتفهم في الحرب وفق بعض تقديرات الاستخبارات الغربية، فيما غادر مئات الآلاف البلاد هرباً من التجنيد. هذا الشحّ في الأيدي العاملة يرفع الأجور، ما يُغذّي موجةً إضافية من التضخّم.

مجموعة من الأشخاص يسيرون على جانب طريق، يحملون حقائب وأمتعة، مما يعكس مشهد الهجرة أو النزوح بسبب الحرب في روسيا.
Loading image...
يظهر الناس وهم يحاولون مغادرة روسيا عند الحدود مع جورجيا في سبتمبر 2022، بعد فترة وجيزة من التعبئة الجزئية التي أعلنها بوتين.

"العمالة مورد أشحّ من رأس المال المادي أو التمويل، وأصعب في الزيادة"، يقول Gould-Davies. "يمكن ببعض الجهد بناء مصنعٍ جديد أو جمع الأموال. لكنّ الدولة لا تستطيع إملاء معدّلات المواليد."

هذا الواقع قد يدفع الكرملين إلى استقطاب عمالةٍ من الهند وكوريا الشمالية ودولٍ أفريقية متعدّدة لتخفيف الضغط على القطاعَين المدني والعسكري. أمّا الخيار الأكثر إيلاماً فهو تجنيدٌ إجباري ثانٍ، مقرونٌ بتقييد حرية المواطنين في مغادرة البلاد، ولا سيّما الرجال في سنّ التجنيد. وهو ما يتحاشاه Putin بشدّة، بعد أن أثارت "التعبئة الجزئية" الأولى موجةً واسعة من الاستياء الشعبي ودفعت كثيرين إلى الهجرة.

يتوقّع Gould-Davies أنّ "الكرملين سيواجه قريباً خياراً جوهرياً: إمّا التصعيد الجذري في متطلّباته من الاقتصاد والمجتمع الروسيَّين، أو التراجع عن أهدافه الحربية."

الاقتصاد يئنّ تحت ثقل الحرب

بعض الخبراء، من بينهم Maria Snegovaya من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، يرون أنّ الكرملين قادرٌ على تجاوز أزمة التجنيد بتصعيد الضغط على المناطق البعيدة عن المدن الكبرى كموسكو، وحثّ الطلاب على إبرام عقودٍ عسكرية، واستقطاب مزيدٍ من الأجانب. وتعتبر Snegovaya أنّ اقتراب القطاع الدفاعي من طاقته القصوى يمثّل عقبةً أمام Putin، لكنّه "ليس كارثياً".

على الصعيد الاقتصادي، تقول Snegovaya : إنّ "الضغط بات واضحاً للعيان، وهذا العام تحديداً نرى التكاليف الاقتصادية تفرض خياراتٍ صعبة على الكرملين." وتُشير إلى أنّ تكاليف الأفراد العسكريين والتجنيد تستنزف عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، ما يُشكّل 9.5% من الميزانية الفيدرالية الإجمالية و2% من الناتج المحلي الإجمالي وفق بعض التقديرات.

جنود روس وكوريون شماليون يقفون في صفوف خلال عرض عسكري، مع ظهور علم كوريا الشمالية. الصورة تعكس التعاون العسكري بين البلدين في ظل الحرب الأوكرانية.
Loading image...
حضر الجنود الروس والكوريون الشماليون عرض يوم النصر في موسكو في 9 مايو 2026. أرسلت كوريا الشمالية ثلاث دفعات من الجنود للقتال في حرب روسيا على أوكرانيا.

روسيا تعاني من ركودٍ في النموّ بل ركودٍ فعلي وفق بعض الاقتصاديين إلى جانب موجة إغلاقٍ واسعة للشركات وتراجعٍ في ثقة المستهلكين، وفق Snegovaya. ورغم ارتفاع الأجور، لم تواكب الدخول وتيرة التضخّم المتصاعد؛ إذ بلغ معدّل التضخّم الرسمي السنوي حتى يونيو 5.52% وفق وكالة TASS الروسية الرسمية. وتواجه الأسر الروسية العادية ارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية يتجاوز 18% مقارنةً بيناير 2024، فضلاً عن فواتير خدماتٍ مرتفعة بشكلٍ لافت، وزيادةٍ حديثة في ضريبة المبيعات بنقطتَين مئويّتَين. كما أسفرت الضربات الأوكرانية على البنية التحتية الروسية عن شحٍّ في الوقود في بعض المناطق وتأخيراتٍ متكرّرة في المطارات.

وتحذّر Snegovaya من أنّ هذه المؤشّرات "قد تُضعف الدعم الشعبي للحرب وتُغذّي السخط الاجتماعي، غير أنّ النظام يُعزّز أجهزته القمعية في الوقت ذاته." وتُضيف: "الكرملين يميل إلى مضاعفة أهدافه لا التراجع عنها."

أوكرانيا تتقدّم بالابتكار

في المقابل، تتقدّم أوكرانيا في ميدان الحرب التكنولوجية بوتيرةٍ لافتة. تقول المحلّلة Kateryna Stepanenko من معهد دراسة الحرب (ISW) في واشنطن إنّ "القوات الأوكرانية تُحقّق تفوّقاً وتتجاوز خصمها في الابتكار"، ولا سيّما في توظيف الطائرات المسيّرة التكتيكية.

في مطلع هذا العام، أعلن الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelensky أنّ قوّاته استعادت موقعاً روسياً باستخدام الطائرات المسيّرة والروبوتات حصراً للمرّة الأولى، وأنّها نفّذت أكثر من 22,000 مهمّةٍ برّية بلا طيّار في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 وحدها.

وفي مايو، حقّقت أوكرانيا مكسباً إقليمياً صافياً قارب 100 كيلومتر مربّع (39 ميلاً مربّعاً)، في الشهر الثاني على التوالي الذي تُسجّل فيه القوات الروسية خسارةً صافية، وفق ما أعلنه القائد الأعلى للجيش الأوكراني Oleksandr Syrskyi.

معدّلات الخسائر الروسية تتراوح بين 30,000 و35,000 شهرياً وفق مسؤولين غربيين، وإن تفاوتت التقديرات. وادّعى Syrskyi أنّه في مايو، تجاوز عدد القتلى والجرحى الذين أوقعهم مشغّلو الطائرات المسيّرة الأوكرانية عدد من استطاعت روسيا تجنيدهم.

جنود روس يرتدون زيًا عسكريًا، يقفون بجانب مركبة عسكرية في منطقة ثلجية، تعكس التحديات التي تواجهها روسيا في تجنيد القوات خلال الحرب على أوكرانيا.
Loading image...
يخضع أفراد الخدمة الروسية لدورة تدريبية مكثفة على القتال في منطقة روستوف في 19 يناير 2026. سيرجي بيفوفاروف/رويترز
جنود روس يرتدون زيًا عسكريًا في موقع تجنيد، مع التركيز على تفاصيل الزي والشعارات، في سياق أزمة التجنيد العسكري والحرب على أوكرانيا.
Loading image...
يشارك أفراد الخدمة الروسية في مراسم تسليم الإمدادات المقدمة للجيش الروسي من قبل شركة كاماز لصناعة الشاحنات، في روستوف على الدون في فبراير 2026. سيرجي بيفوفاروف/رويترز

وبينما تتطوّر التقنية العسكرية الأوكرانية، يرى المحلّلون أنّ الجيش الروسي يزداد ضعفاً مع تصاعد اعتماده على السجناء السابقين والجنود غير المدرَّبين. وتُشير Stepanenko إلى أنّ مساعي موسكو لتجنيد طلّابٍ في وحدات الطائرات المسيّرة المتخصّصة اصطدمت بعدم ثقةٍ وعقباتٍ متعدّدة، بعد أن أرسلت وزارة الدفاع الروسية بعض مشغّلي الطائرات المسيّرة إلى هجماتٍ برّية في الخطوط الأمامية.

"أفرز ذلك حملةً دعائية سلبية للغاية على صعيد تجنيد قوّات الأنظمة غير المأهولة"، تقول Stepanenko.

أخبار ذات صلة

Loading...
جندي أوكراني يرتدي خوذة، يبدو متأثراً بالضجيج أثناء القتال، مع مدفع خلفه يتصاعد منه الدخان، مما يعكس تصاعد التوترات في الصراع.

بوتين يلجأ للمدفعية بينما تُوقف أوكرانيا تقدّم جيشه

في خضم الصراع المحتدم، تبرز أوكرانيا كقوة متصاعدة تعرقل خطط روسيا العسكرية، حيث تسجل ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية. مع تزايد التحديات، هل ستتمكن أوكرانيا من تحقيق النصر؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في هذا المقال.
Loading...
وجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رسالة مفتوحة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، مقترحًا لقاءً مباشرًا لبحث إنهاء الحرب المستمرة.

زيلينسكي يطلب لقاء بوتين: ماذا يعرض وهل تقبل موسكو؟

في رسالة جريئة، يدعو الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى لقاء مباشر لإنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات. هل تكون هذه الخطوة بداية جديدة نحو السلام؟ تابعوا التفاصيل لتكتشفوا المزيد.
Loading...
رجال الإطفاء يعملون على إخماد النيران في مبنى مدمر بعد الهجمات الروسية على كييف، حيث أسفرت الضربات عن العديد من الضحايا.

هجمات روسية على أوكرانيا: 12 قتيلاً وعشرات الجرحى

في ساعات الفجر، اهتزت كييف تحت وطأة انفجارات مروعة، حيث سقط 12 قتيلاً جراء هجوم روسي واسع. مع تصاعد التوتر، هل ستنجح أوكرانيا في التصدي لهذا العدوان؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في مقالنا.
Loading...
طوابير طويلة من السيارات أمام محطة وقود في سيفاستوبول، حيث يواجه السكان نقصًا في البنزين بسبب قيود جديدة على المبيعات.

جزيرة القرم تواجه أزمة وقود مع توسيع أوكرانيا هجماتها على منشآت النفط الروسية

في سيفاستوبول، تتجلى معاناة السكان في طوابير طويلة أمام محطات الوقود، حيث تعكس الأزمة الحالية تداعيات حرب لم تنتهِ بعد. اكتشف المزيد عن تأثير هذه الأحداث على حياة الناس اليومية.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية