مخاوف المهاجرين من قاعدة العبء العام الجديدة في أمريكا
قاعدة جديدة تهدد حقوق المهاجرين النظاميين في نيويورك و21 ولاية أخرى حيث قد تُرفض إقاماتهم بسبب استفادتهم أو استفادة أطفالهم من مساعدات غذائية وصحية. صراع قانوني كبير حول معايير "العبء العام" في خَبَرَيْن.

في مكتب مساعدة قانونية في منطقة جاكسون هايتس بمدينة New York، باتت الهواتف تُقرع بلا توقّف منذ أيام. العائلات التي تتصل ليست من المهاجرين غير النظاميين بل هم مقيمون قانونيون، بعضهم يحمل بطاقات إقامة دائمة منذ سنوات، يسألون سؤالاً واحداً: هل سيُعاقَبون على أنّهم أطعموا أطفالهم؟
هذا السؤال ليس مجازياً. ففي 14 سبتمبر 2026، أقدمت ولاية New York وإلى جانبها 21 ولاية أمريكية أخرى وكذلك مقاطعة District of Columbia على رفع دعاوى قضائية أمام محكمة المنطقة الجنوبية في New York، تطعن فيها بقاعدة جديدة أصدرتها وزارة الأمن الداخلي (DHS) تُوسّع نطاق ما يُعرف بمعيار "العبء العام" (Public Charge)، وهو المعيار الذي يُتيح للسلطات الأمريكية رفض منح تأشيرات الدخول أو بطاقات الإقامة الدائمة (Green Card) للمهاجرين الذين يُرجَّح أن يصبحوا عالةً على المساعدات الحكومية. والقاعدة الجديدة كانت مقرّراً أن تدخل حيّز التنفيذ في 18 سبتمبر 2026.
ما الذي تغيّر في القاعدة الجديدة؟
لفهم ما يجري، لا بدّ من العودة إلى التاريخ قليلاً. منذ قانون الهجرة الصادر عام 1882، ظلّ معيار "العبء العام" يُطبَّق حصراً على المساعدات النقدية المباشرة. لكنّ إدارة Trump الأولى وسّعت النطاق عام 2020 ليشمل Medicaid وطوابع الغذاء (Food Stamps) وقسائم الإسكان. ثمّ جاءت إدارة Biden عام 2022 لتتراجع عن ذلك التوسيع وتستثني المزايا غير النقدية من الحسبان مجدّداً. أما القاعدة الجديدة التي تطعن فيها الولايات الآن، فتتجاوز ما فعله Trump في ولايته الأولى: إذ لا تحدّد قائمةً مغلقة بالمزايا المشمولة، بل تفتح الباب أمام ضبّاط الهجرة ليأخذوا في الحسبان أيّ مزايا مرتبطة بالدخل، بما فيها Medicaid وبرنامج SNAP للمساعدة الغذائية، بل وحتى برامج وجبات المدارس.
والأخطر من ذلك أنّ القاعدة تُتيح لضبّاط الهجرة النظر في المزايا التي يتلقّاها أفراد الأسرة، بمن فيهم الأطفال المولودون على الأراضي الأمريكية وهم مواطنون بالكامل. وهذا يعني أنّ أسرةً مختلطة الوضع القانوني أب مقيم قانوني وأطفاله مواطنون أمريكيون قد يُحسب عليها أنّها تلقّت وجبات مدرسية مجانية عند النظر في ملفّ إقامة الأب.
المعنيون بهذه القاعدة هم المهاجرون النظاميون حصراً؛ إذ لا يحقّ للمهاجرين غير النظاميين الاستفادة من هذه المزايا العامة أصلاً.
22 ولاية في مواجهة واشنطن
الولايات المنضمّة إلى الدعوى القضائية تشمل: California وIllinois وColorado وConnecticut وDelaware وHawaii وMaine وMaryland وMassachusetts وMichigan وMinnesota وNew Jersey وNew Mexico وNevada وOregon وPennsylvania وRhode Island وVermont وVirginia وWashington وWisconsin، إضافةً إلى New York ومقاطعة District of Columbia. كما انضمت إلى الدعوى مدن كبرى هي New York City وChicago وSan Francisco وSeattle، فضلاً عن مقاطعتَي Santa Clara في California وKing في Washington.
المدّعون يستندون إلى ثلاثة محاور قانونية: أنّ DHS تجاوزت صلاحياتها المخوّلة لها، وأنّها تصرّفت بصورة تعسّفية ومتقلّبة، وأنّها أغفلت العواقب الضارة التي يمكن التنبّؤ بها. وحتى ظهر الاثنين، لم يُحدَّد بعد أيّ قاضٍ للنظر في القضية ولم تُحدَّد موعد جلسة استماع.
المدّعية العامة لولاية New York، Letitia James، لم تُخفِ حدّة موقفها. قالت في تصريحاتها: "ستسمح القاعدة لضبّاط الهجرة بأخذ استخدام مزايا حيوية كـ Medicaid وSNAP، وحتى المشاركة في برامج وجبات المدارس، في الحسبان عند تقييم ظروف مقدّم الطلب." وتساءلت: "هذا يعني أنّ المهاجرين في New York قد يجدون أنفسهم أمام أسئلة مستحيلة: هل سيضرّ حصولي على تأمين صحي بفرصي في الحصول على بطاقة إقامة دائمة؟ هل سيُحسب عليّ قبولي للمساعدة الغذائية حين أمرّ بضائقة؟"
وذهبت James إلى أبعد من ذلك في وصف نيّة القاعدة: "القسوة هي الهدف من تغيير القاعدة. إحداث أثر تخويفي على المهاجرين هو الهدف. إيصال رسالة بأنّهم غير مرحّب بهم هنا هو الهدف. العداء للهجرة هو الهدف." وأضافت: "حرمان الأفراد المرضى والجائعين والمشرّدين من المزايا أمرٌ يتجاوز كلّ حدود المقبول. ولهذا نسعى في ولاية New York إلى إلغاء هذه القاعدة."
الكلفة الاقتصادية: مليارات في الميزان
لا يقتصر الأثر على الحقوق المدنية وحدها، بل يمتدّ إلى الميزانيات الحكومية امتداداً مباشراً. تُقدّر الولايات المدّعية أنّ القاعدة ستُكلّف الولايات الأمريكية مجتمعةً نحو 4.05 مليار دولار سنوياً في صورة خسائر بمدفوعات Medicaid وCHIP الفيدرالية، وأنّ الولايات المدّعية وحدها ستخسر ما يقارب 2.2 مليار دولار. وتشير الأرقام إلى أنّ نحو 588,000 طالب هجرة يخضعون سنوياً لمراجعات "العبء العام" وفق بيانات DHS.
الآلية التي تجعل هذه الخسائر حتمية ليست القاعدة ذاتها فحسب، بل الخوف الذي تزرعه. حين يُحجم المهاجرون عن الاستفادة من Medicaid أو SNAP خشية أن تُحسب عليهم، فإنّهم يتوقّفون عن الاشتراك في هذه البرامج، وتنخفض بالتالي المدفوعات الفيدرالية التي تتلقّاها الولايات مقابل هذه التغطية.
عمدة New York City، Zohran Mamdani، عبّر عن هذا القلق بصراحة: "نتحدّث عن أمر نعلم يقيناً أنّه لا ينطبق على فئات بعينها من سكان New York، ومع ذلك نرى بالفعل أدلّة على أنّ هؤلاء السكان يتوقّفون عن الاشتراك في مزايا قد تنقذ حياتهم." وأضاف: "أن نرى الحكومة الفيدرالية تسعى إلى تغييرات في القواعد والتشريعات ستجعل سكان New York الجائعين أكثر جوعاً، والفقراء منهم أشدّ فقراً، هو صفعة في وجه كلّ ما ينبغي أن نفعله في هذه اللحظة."
الخوف يسبق القانون
Arline Cruz، مديرة برامج الصحة في منظمة Make the Road New York، ترصد على أرض الواقع ما تُنذر به الأرقام: "هذه القاعدة أوجدت قدراً كبيراً من الارتباك لأنّ كثيراً من عائلاتنا تعتمد اعتماداً كبيراً على المزايا للحصول على الرعاية الصحية والمساعدة الغذائية وغيرها من الموارد التي تساعدها في الحفاظ على صحة أسرها."
في المقابل، دافعت DHS عن القاعدة بمنطق مغاير تماماً. ففي منشور على منصة X بتاريخ 16 يوليو 2026، كتبت الوزارة: "في عهد الرئيس Trump، تعيد DHS إرساء المبدأ الأساسي القائل بأنّ المهاجرين يجب أن يكونوا قادرين على إعالة أنفسهم. نحن نؤكّد من جديد متطلّب الاعتماد على النفس، ونحمي الموارد العامة، وننهي السياسات التي شجّعت على الاتكال على دافعي الضرائب الأمريكيين المجتهدين." كما أشارت الوزارة إلى أنّ "ولايات الملاذ" تخشى فقدان التمويل الفيدرالي لأنّ الناس قد يتوقّفون عن الاشتراك في برامج الرعاية الاجتماعية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه القاعدة تأتي في سياق أوسع: فقد وقّع Trump في يوليو 2025 ما أسماه "مشروع القانون الجميل الكبير" (Big Beautiful Bill) الذي يُقيّد أهلية المهاجرين النظاميين للاستفادة من Medicaid وطوابع الغذاء، مع استثناء اللاجئين وطالبي اللجوء وضحايا الإساءة.
الدعوى القضائية المرفوعة الآن تُعيد طرح سؤال لم يُحسم بعد في الفقه القانوني الأمريكي: إلى أيّ حدٍّ يملك الجهاز التنفيذي صلاحية تعريف "العبء العام" وتوسيع نطاقه دون أن يتجاوز ما منحه الكونغرس من سلطة؟ والإجابة، أياً كانت، ستُحدّد ما إذا كانت عائلات تعيش في New York وChicago وSan Francisco ستضطرّ قريباً إلى الاختيار بين الإقامة القانونية وبين لقمة العيش.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
