خَبَرَيْن logo

مكتبة شنقيط تواجه تحديات البقاء في الزمن الحديث

في مكتبة عائلة الحبوط في شنقيط، يتجسد التراث الثقافي المهدد بالتغير المناخي والهجرة. يروي محمد غولام الحبوط قصة حبه للمخطوطات التي تحمل تاريخاً غنياً، بينما تواجه المكتبات تحديات البقاء. اكتشفوا المزيد عن هذه الرحلة الفريدة.

محمد غولام الحبوط في مكتبة تقليدية بشنقيط، يرتدي قفازات بيضاء ويستعرض مخطوطات قديمة، معبراً عن أهمية الحفاظ على التراث الثقافي.
أمين المكتبة الحبوت، واحد من آخر القلائل في شنقيط [شولا لوال/الجزيرة]
التصنيف:فنون
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-في مكتبةٍ ذات سقفٍ عالٍ تصطفّ على جدرانها رفوف فولاذية، ارتدى محمد غولام الحبوط قفّازَيه الأبيضَين بحركةٍ هادئة ومتأنّية، وشرع في روتينه اليومي المعتاد. فتح مخطوطةً ضخمة مكتوبةً بالعربية، وراح يتصفّح صفحاتها البنّية الهشّة بحثاً عن أيّ تلفٍ أو أثرٍ للبلى، ثمّ أغلقها براحةٍ ظاهرة، ومرّر أصابعه على غلافها الجلدي المتجعّد، قبل أن يضعها بعنايةٍ في صندوق كرتوني أبيض.

قال الحبوط وضوء الظهيرة يتسلّل من الأبواب الخشبية المفتوحة: "هذه الكتب مهمّة جداً لي ولعائلتي". كان يتحدّث بالحسّانية اللهجة العربية المتداولة في موريتانيا بصوتٍ منخفض وجملٍ تقطر شعراً. ثمّ أضاف وهو منهمكٌ في عمله: "علاقتي بها كعلاقة الأب بابنه. علينا أن نحميها حتى يرث الله الأرض ومن عليها."

مكتبة عائلة الحبوط واحدةٌ من عددٍ قليل من المكتبات التي لا تزال تعمل في شنقيط، تلك مدينة القصر المحصّنة ذات الطابع الوسيط في منطقة آدرار شمال موريتانيا. كانت بين القرنَين الثالث عشر والسابع عشر مركزاً للتجارة والعلوم الإسلامية، قبل أن يهجرها أهلها تدريجياً بحثاً عن فرصٍ في المدن الكبرى.

منظر لمدينة شنقيط القديمة في موريتانيا، تظهر فيها المباني التقليدية المصنوعة من الحجر والطين، مع برج مميز في الخلفية.
Loading image...
منظر لمدينة شنقيط القديمة، التي تتميز بالهياكل الموريسكية التقليدية مع وجود مسجد في المركز.

شنقيط في مواجهة المناخ

لا تواجه شنقيط تحدّيات الهجرة وحدها، بل يُضاف إليها ثقلُ التغيّر المناخي. موريتانيا في شمال غرب أفريقيا تغطّي الصحراء 90 بالمئة من مساحتها، وهي تعاني من التصحّر منذ قرون. أمّا اليوم، فالتغيّر المناخي الذي صنعه الإنسان بات يُذكي هذه الأزمة: العواصف الرملية والسيول المفاجئة باتت أكثر تكراراً، فيما تمتدّ فصول الحرّ والبرد القارس لفتراتٍ أطول من المعتاد.

يرى Andrew Bishop، الباحث في جامعة Wyoming المتخصّص في دراسة تأثيرات المناخ على ثقافات الصحراء الكبرى، أنّ هذه الضغوط تُشكّل تهديداً بالغاً للمخطوطات النفيسة. وقال : "الحرارة الشديدة وأنماط الأمطار غير المتوقّعة تعني أنّ النصوص تتضرّر بشكلٍ متزايد من الماء أو الحرارة، حتى إنّ كثيراً من المخطوطات باتت تتخطّى حدود الإصلاح. والأهمّ من ذلك أنّ المكتبات الطينية نفسها لم تُبنَ لتتحمّل الأمطار المفاجئة أو صيفاً يتجاوز 40 درجة مئوية."

يقطن نحو 4,500 شخص في شنقيط اليوم، معظمهم في مبانٍ إسمنتية خارج حدود القصر القديم المبني من الحجارة الجافّة والطوب الطيني الأحمر. وتتصاعد المخاوف من أن تُبتلع المنطقة بأكملها التي تبلغ مساحتها نحو 500 كيلومتر مربع، أي ما يعادل مساحة براغ تقريباً بالكثبان الرملية المحيطة بها على المدى البعيد، وإن كان لا يوجد جدولٌ زمني واضح لذلك حتى الآن.

مخطوطة قديمة تُظهر نصوصاً عربية مكتوبة بخط يدوي، يُمسك بها شخص يرتدي قفازات بيضاء، تعكس التراث الثقافي لمكتبة عائلة الحبوط في شنقيط.
Loading image...
مخطوطات نادرة تعرض في إحدى آخر مكتبات شنقيط.

"سوربون الصحراء"

لم يكن الحبوط يتطلّع إلى أن يصبح أميناً للمكتبة. لكن حين مرض والده عام 2002، تولّى مسؤولية نحو 1,400 مخطوطة من باب الواجب. قال إنّ الاختيار لهذه المهمّة يُعدّ شرفاً في ثقافته.

غير أنّ أميناً في الخمسين من عمره يُقرّ بأنّ هذا الأمر بات مستبعداً اليوم؛ إذ يرى أنّ ابنَيه سيرفضان هذه المهمّة على الأرجح، كما فعل كثيرٌ من أقرانهما الذين غادروا إلى العاصمة نواكشوط أو إلى مناطق أخرى بحثاً عن فرص اقتصادية.

قال الحبوط بنظرةٍ فيها شيءٌ من الدهشة: "هذا شيءٌ يجب علينا فعله؛ إنّه التزامٌ عائلي. هذا سؤالٌ لا يُطرح أصلاً."

وتكتسب مخطوطات العائلة قداستها من ندرتها. فجدّ الحبوط، سيدي محمد ولد حبوط، كان واحداً من نحو عشرين عالماً من علماء شنقيط الذين جابوا أرجاء العالم الإسلامي بين القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، من مصر إلى الأندلس، طلباً للعلم. وقد جمع هؤلاء العلماء مجتمعين ثروةً معرفيةً هائلة تضمّ نحو 6,000 مخطوطة، تشمل الفقه الإسلامي، والحديث النبوي الشريف، والرياضيات، والطبّ، والشعر. وبعضها من تأليف العلماء أنفسهم.

كانت هذه الكتب موزّعةً على نحو 30 مكتبة في شنقيط، مفتوحةً أمام الزوّار من شتّى أنحاء العالم. وقد اشتُهرت المدينة بموقعها على مفترق طرق التجارة العابرة للصحراء التي تربط منطقة الساحل بالمغرب العربي، حيث كانت قوافل الجمال التي يقودها التجار البربر الرحّالة تحمل البضائع ولا سيّما الملح والذهب بين شمال أفريقيا وإمبراطوريات الجنوب، وكانت شنقيط محطّتهم الرئيسية.

أمّا حجّاج بيت الله الحرام القادمون مشياً على الأقدام أو على ظهور الإبل، فكانوا يتجمّعون في شنقيط ليُعدّوا أنفسهم روحياً ونفسياً لرحلتهم الطويلة الشاقّة قبل التوجّه نحو القاهرة. وكانت المدينة تعجّ بتبادل الكتب الإسلامية والعلمية وبيعها وشرائها.

في الموروث الثقافي لغرب أفريقيا، عُرفت شنقيط بوصفها سابع أقدس مدينة إسلامية، فيما أطلق عليها آخرون لقب "سوربون الصحراء" وفق ما تُشير إليه UNESCO.

مخطوطات قديمة موضوعة على طاولة، تشمل كتباً ذات أغلفة جلدية بالية وصفحات هشة، تعكس التراث الثقافي لمكتبة عائلة الحبوط في شنقيط.
Loading image...
بعض النصوص القديمة المخزنة في مكتبة عائلة الهبوت. تمتلك العائلة حوالي 1400 كتاب تحت رعايتها.

جيلاً بعد جيل، ظلّت العائلات تتولّى إدارة هذه المكتبات. وبمرور الوقت، مع تراجع تجارة القوافل أمام طرق الملاحة البحرية الأوروبية الجديدة، خلت المدينة القديمة وأُغلقت مكتباتٌ عديدة.

قال الحبوط: "كانت شنقيط أمّ الناس جميعاً"، في إشارةٍ إلى مكانتها التاريخية عاصمةً للمنطقة. وبالفعل، كانت المنطقة التي تُعرف اليوم بموريتانيا تُسمّى "بلاد شنقيط"، وهو اسمٌ يعني بلغة السونينكي المحلّية "نبع الخيل".

وأضاف: "اضطرّ الناس إلى المغادرة لأنّهم أرادوا أن يُطعموا أنفسهم، ويُعلّموا أبناءهم، ويجدوا فرصاً أفضل"، مشيراً إلى غياب الجامعات في المنطقة وشحّ المدارس الابتدائية والإعدادية.

وقد انتقل بعضٌ من أفراد عائلته هو الآخر، لكنّ من بقوا منهم كالحبوط نفسه آثروا الوفاء لوصايا جدّهم الثلاث: "أن تبقى المكتبة في شنقيط، وأن تكون مفتوحةً لكلّ طالب علم، وأن يتولّى أمانتها رجلٌ من ذرّيّته متديّنٌ مستقيم الأخلاق". وقال الحبوط إنّ مخالفة هذه الوصايا قد تستجلب غضب الله.

وفي السياق ذاته، يُرجع Bishop تراجع شنقيط إلى شحّ الدعم لنمط حياتها التقليدي؛ فقد انخفضت الأمطار السنوية في موريتانيا بنسبة 35 بالمئة منذ عام 1970، ممّا أضرّ بالرعي وبإنتاج النخيل.

في عام 1996، منحت UNESCO شنقيطَ وثلاثة قصور موريتانية أخرى صفةَ التراث العالمي، تثميناً لإرثها الحضاري الثريّ. ولا يزال القليلون من سكّان المدينة القديمة يُجيزون لهم الترميم، لكن في حدودٍ ضيّقة تحافظ على العمارة الحجرية الأصيلة والطراز المعماري المغاربي المميّز، حيث تصطفّ البيوت على جانبَي أزقّةٍ ضيّقة تفضي إلى مسجدٍ يعلوه مئذنةٌ مربّعة.

وعلى مقربةٍ من شنقيط، تقع أطلال أبوير، مدينةٌ يُعتقد أنّها تأسّست عام 777 ميلادية وكانت تضمّ 25,000 نسمة، ويرى كثيرون أنّها شنقيط "الأصلية". غادر سكّانها موقعهم عام 1264 على الأرجح إثر نزاعٍ ما، وابتلعتها الرمال بالكامل مع مرور الزمن.

مدخل قاعة المخطوطات في شنقيط، موريتانيا، مع لافتة تحمل أسماء القاعة بعدة لغات، تعكس تاريخ المدينة الثقافي الغني.
Loading image...
يقف المحاسب الحبوت داخل مكتبة العائلة في يوم عمل حديث.

معركة إنقاذ المخطوطات

لا يخلو عمل الحبوط من ثقلٍ وإرهاق، على الرغم ممّا يجلبه له من متعة. فصون الكتب القديمة عبر إعادة طباعة المخطوطات الأشدّ بلىً أو رقمنتها قبل أن تصبح غير قابلةٍ للقراءة، عمليةٌ مكلفة. وهو في حاجةٍ مستمرّة إلى مواد كيميائية لطرد الحشرات الآكلة للكتب، فضلاً عن توفير وسائل تخزينٍ أكثر ملاءمة.

يُضاف إلى ذلك عامل الطقس الذي لا يملك على تقلّباته حيلة. فموريتانيا تشتعل حرّاً في موسم الجفاف الممتدّ من أبريل إلى ديسمبر، ثمّ تنقلب إلى برودةٍ قارسة في أشهر الشتاء. والصفحات العتيقة حسّاسةٌ لكلا الطرفَين وقد تتفتّت تحت وطأتهما. وفي أشدّ أيّام الحرّ قسوةً، يضع الحبوط أحياناً دلاء الماء في أرجاء قاعة المكتبة لرفع نسبة الرطوبة. أمّا السيول المفاجئة فتُلوّح بخطر الأضرار المائية.

برج حجري قديم في شنقيط، محاط بالكثبان الرملية، يعكس تاريخ المدينة كأحد مراكز التجارة والعلوم الإسلامية في موريتانيا.
Loading image...
مسجد أبوير المنقوب، الواقع بالقرب من شنقيط، يقف بجوار كثيب رملي. يُعتقد أن هذه المستوطنة كانت "الشنقيط الأصلية" قبل أن ينتقل السكان لأسباب غير واضحة.

يدفع زوّار المكتبة رسوماً رمزية عادةً، لكنّ أعداد السيّاح شهدت تراجعاً حادّاً في منتصف العقد الأوّل من الألفية الثالثة، حين استهدفت جماعاتٌ مسلّحة الأجانب في موريتانيا. ثمّ جاء وباء COVID-19 ليُكبّل حركة السفر من جديد.

منذ ذلك الحين، نجحت موريتانيا في كبح العنف، وبدأ السيّاح يعودون تدريجياً، كما عاد بعض المغتربين إلى مدينتهم. وفي عام 2024، أطلقت UNESCO مشروع ترميمٍ بقيمة 100,000 دولار، وفّر لـ 13 مكتبةً عائليةً أجهزة تكييف ومعدّات حاسوبية وطابعات ووحدات تخزين وصناديق حفظ، سعياً لتنشيط هذا القطاع. بيد أنّ معظم المكتبات لا تزال مغلقة ومخطوطاتها موزّعةٌ بين أفراد العائلات. ويرى Bishop أنّ محدودية اهتمام الشباب بصون الموروث الثقافي لشنقيط ستظلّ تحدّياً قائماً.

منظر داخلي لمكتبة قديمة في شنقيط، تظهر أبواب خشبية مفتوحة بين جدران حجرية، تعكس تاريخ المدينة الثقافي الغني.
Loading image...
تظهر إحدى مناطق شنجيت القديمة فن البناء بالحجارة الذي كان مستخدمًا في ذلك الوقت [شولا لوال/الجزيرة]

في المكتبة، واصل الحبوط عمله منحنياً بجسده النحيل فوق مخطوطاته. فتح كتاباً وأشار بحماسٍ إلى صفحاته: كانت ترسم القمر في أطواره المختلفة، وتُصوّر كسوفاً. وفي صفحةٍ ثالثة، رسمٌ للحرمَين الشريفَين في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة.

قال الحبوط بصوته الخفيض المعتاد: "يجب أن أحمي هذا الإرث. إرثي أنا، وإرث الإنسانية جمعاء."

أخبار ذات صلة

Loading...
المغنية البلغارية دارا تحتفل بفوزها في مسابقة يوروفيجن 2023، ممسكة بجائزة البطولة، بينما تلوح العلم البلغاري في الخلفية.

بلغاريا تفوز بـ Eurovision للمرة الأولى؛ إسرائيل ثانية وسط دعوات للمقاطعة

في لحظة تاريخية، حققت بلغاريا فوزًا غير مسبوق في مسابقة Eurovision، حيث تألقت المغنية دارا بأغنيتها Bangaranga. لكن خلف هذا الانتصار، تبرز توترات سياسية ومقاطعات. هل تريد معرفة المزيد عن تأثير هذا الحدث؟ تابع القراءة!
فنون
Loading...
امرأة تتجول في معرض فني، تتأمل لوحة معروضة على الحائط، بينما تظهر منحوتة حديثة في المقدمة، تعكس أهمية الفنون في إبطاء الشيخوخة.

الفنون والثقافة تُبطئ الشيخوخة البيولوجية مثل الرياضة، وفقاً لدراسة حديثة

هل يمكن للفنون أن تكون مفتاحك لشيخوخة أبطأ؟ تشير دراسات حديثة إلى أن الانخراط في الأنشطة الثقافية قد يبطئ الشيخوخة البيولوجية كما تفعل الرياضة. اكتشف كيف يمكن للفنون أن تغير حياتك الصحية، وابدأ رحلتك نحو شباب دائم!
فنون
Loading...
عُثر على مومياء عمرها 1,600 عام في أوكسيرينكوس بمصر، تحمل قطعة بردية من ملحمة "الإلياذة" لهوميروس، مما يسلط الضوء على استخدام النصوص الأدبية في الطقوس الجنائزية.

اكتشاف مومياء مصرية نادرة بنصوصٍ أدبية محفورة على البطن

كيف وصلت قطعة من ملحمة "الإلياذة" لهوميروس إلى بطن مومياء عمرها 1,600 عام في أوكسيرينكوس؟ هذا الاكتشاف المذهل يفتح آفاقًا جديدة لفهم الطقوس الجنائزية في مصر القديمة. تابعوا معنا تفاصيل هذا الحدث التاريخي الغامض!
فنون
Loading...
تمثال الأوسكار الذهبي بجانب شعار "الأوسكار" على خلفية مظلمة، يمثل لحظة تاريخية في حفل جوائز الأوسكار السنوي.

من حصل على أكبر عدد من الترشيحات؟ القائمة الكاملة لترشيحات جوائز الأوسكار لعام 2026

في لحظة، أذهل فيلم "Sinners" الجميع بحصوله على 16 ترشيحًا لجائزة الأوسكار، محطماً الأرقام القياسية. هل أنت مستعد لاكتشاف المزيد عن المنافسة في عالم السينما؟ تابع القراءة لتعرف التفاصيل!
فنون
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية