خَبَرَيْن logo

سرقة كنوز الخمير وأسرار تاجر الآثار البريطاني

كشف خَبَرَيْن قصة تاجر آثار بريطاني استخدم علاقاته لتهريب تماثيل خمير مسروقة من كمبوديا إلى متاحف كبرى وعمل على غسيلها عبر سوق الفن العالمي قبل أن تنهار سمعته ويُعاد جزء من التراث المسروق إلى بلاده.

صورة لرجل يحمل سيجارًا، محاطًا بإطارات تحتوي على منحوتات كمبودية وأعمال فنية، تعكس تاريخ تجارة الآثار.
يُعتبر دوغلاس لاتشيفورد، الذي وافته المنية، من الأسماء الأكثر سمعة سلبية في سوق الفن، رغم أنه كان موثوقًا به من قبل المتاحف ودور المزادات وجامعي التحف المليارديرات.
التصنيف:فنون
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-في أيٍّ من قاعات المتاحف الكبرى أو قصور المليارديرات، حين تقع عيناك على تمثالٍ خمير منحوتٍ بدقّة مذهلة، ثمّة احتمالٌ كبير أنّ ذلك التمثال اقتُلع ذات يومٍ من معبدٍ أثري في كمبوديا وهُرِّب خارج حدودها. وثمّة احتمالٌ آخر، لا يقلّ وجاهةً، أنّه مرّ في مرحلةٍ ما بين يدَي رجلٍ بريطاني يُدعى Douglas Latchford.

كان Latchford في نظر عملائه شخصيّةً موثوقة تاجر آثارٍ محترم، وباحثٌ بارز في الفنّ الخمير (وإن كان في معظمه ذاتيّ التعليم)، ومؤلّف كتبٍ عديدة عن نحت حضارة الخمير التي ازدهرت في ما يعرف اليوم بكمبوديا وأجزاءٍ من جنوب شرق آسيا بين القرنَين التاسع والخامس عشر. من ستينيات القرن الماضي حتى وفاته عام 2020، كان Latchford يمدّ هواة الاقتناء بالإفاريز المزخرفة ومنحوتات المعابد وتماثيل الآلهة الهندوسية والبوذا وتماثيل البوذيسافا.

لم يُثِر أحدٌ حاجبيه كثيراً حين كانت بعض هذه التماثيل تفتقر إلى أطرافها أو مقطوعةً بخشونةٍ عند الكاحلين، أو حين كانت لا تزال مغطّاةً بالتراب حين يلتقطها بعدسته لم يحدث ذلك إلا في أواخر حياته. وحين بدأت التساؤلات تطفو على السطح، كان التاجر الواسع العلاقات يملك دائماً وثائق أو روايات تُهدئ قلق المشترين. غير أنّه مع تصاعد تحقيقات السلطات الأمريكية في الآثار التي خرجت من كمبوديا إبّان الحرب الأهلية وحقبة الخمير الحمر الإبادية التي أعقبتها، بدأت الأدلّة تتراكم ضدّه.

يبدو الآن أنّ معظم ما كان في حوزة Latchford جاء من نهبٍ غير مشروع لمواقع أثرية مهجورة كأنكور وات وكوه كير. كان النهّابون الصغار، أحياناً بمساعدة عسكريين محليين، يُخرجون القطع بالمجارف والأزاميل والمعاول وحتى الديناميت، ثمّ ينقلونها في الغالب على عربات الثيران إلى الحدود التايلاندية. ومن هناك تجد القطع طريقها إلى التاجر المقيم في بانكوك الذي، وإن كان قد رحل منذ زمن، يواجه اليوم اتّهاماتٍ بغسيل تلك القطع عبر سوق الفنّ العالمية بمستنداتٍ مزوّرة. وقد ظهرت بعض هذه القطع لاحقاً في دور مزادات كبرى، أو انضمّت إلى مجموعات متاحف من بينها متحف Metropolitan في نيويورك.

قبل عامٍ من وفاته، وُجِّهت إلى Latchford البالغ من العمر 88 عاماً لائحة اتّهام من قِبَل المدّعين الفيدراليين الأمريكيين تضمّنت تهم الاحتيال الإلكتروني والتهريب والتآمر. يؤكّد المحقّقون الفيدراليون أنّه بنى مسيرته عن سابق علمٍ ودراية بوصفه «قناةً» لتمرير الآثار المنهوبة. غير أنّ التاجر كان في تلك الأثناء يرزح تحت وطأة المرض في تايلاند، لدرجةٍ يُشكَّك معها في أنّه كان يدرك الاتّهامات الموجّهة إليه أصلاً ناهيك عن مثوله أمام محكمةٍ في نيويورك على بُعد 8,600 ميل.

مع ذلك، أصدر معظم عالم الفنّ حكمه. بات اسم التاجر سامّاً لدرجةٍ أنّ أيّ قطعةٍ يُعلم أنّه تعامل معها باتت غير قابلةٍ للتداول. في السنوات الأخيرة، أعادت مجموعاتٌ خاصة ومؤسّساتٌ كبرى من بينها متحف Metropolitan ومتحف Denver للفنون والمعرض الوطني الأسترالي قطعاً مرتبطةً بـ Latchford إلى كمبوديا. وقد أدّى ذلك فعلياً إلى «إنهاء السوق» أمام الفنّ الخمير، وفق ما قاله الصحفي الكندي Matthew Campbell الذي يرصد كتابه الجديد «The Man Who Stole the Gods» ملابسات القضية بلا مواربة.

قال Campbell: "قد تحدث صفقاتٌ فردية يمكن بيع القطع بشكلٍ خاص بين طرفَين. يمكنك إتمام صفقة، بالتأكيد. لكنّ Sotheby's لا تستطيع بعد الآن طرح تمثالٍ خمير كبير في مزادٍ بنيويورك. هذا انتهى"، مضيفاً: "القيمة البيعية الفعلية لهذه القطع اليوم تساوي صفراً، لأنّك ببساطة لا تستطيع بيعها."

دأب Latchford على نفي أيّ تجاوزات. ففي عام 2010، ادّعى في مقابلةٍ مع صحيفة Bangkok Post أنّ "معظم القطع التي صادفتها عثر عليها أو حفر عنها مزارعون في الحقول." ومع تصاعد صعوبة إنكار المصادر المشبوهة لآثاره، لجأ إلى التجاهل أو زعم أنّها كانت ستلقى مصيراً أسوأ لو بقيت في بلدها. وقال لصحيفة New York Times عام 2013: "صحيحٌ أنّ هذه الأشياء خرجت من كمبوديا بطرقٍ غير رسمية وانتهت في أماكن أخرى. لكنّها لو لم تفعل، كانت على الأرجح ستُستخدم هدفاً للتدريب على الرمي من قِبَل الخمير الحمر."

اليوم، لا أحد حتى من كانوا الأقرب إليه يتصدّى للدفاع عن Latchford.

أقرّت إحدى مساعداته السابقة، تاجرة الفنّ المشينة Nancy Wiener، بذنبها في تهمَي التآمر وحيازة ممتلكاتٍ مسروقة تتعلّق بقطعٍ اشترتها من Latchford. أمّا ابنته Julia، المعروفة أيضاً بالاسم التايلاندي Nawapan Kriangsak، فقد أعادت إلى حكومة كمبوديا أكثر من 100 قطعةٍ خمير ورثتها عنه. وبينما لم تُصرّح قطّ بأنّ والدها مذنب (وامتنعت عن الإدلاء بأيّ تصريحٍ لهذا التقرير)، قالت عام 2021 أنّ إعادة سجلّاته وآثاره "بصرف النظر عن مصدرها" هي "أفضل طريقةٍ للتعامل" مع إرثه المعقّد. وبعد عامَين، وافقت على تسوية دعوى مدنية أمريكية أسفرت عن مصادرة 12 مليون دولار من تركة والدها مقابل ما جنى من بيع آثارٍ مسروقة.

"كان شغفه بهذه القطع حقيقياً تماماً. لكنّه كان بائعاً فطرياً يشعر بنشوةٍ حقيقية من إتمام هذه الصفقات."

Matthew Campbell، مؤلّف كتاب "The Man Who Stole the Gods"

في غياب إدانةٍ جنائية رسمية بحقّ Latchford، ربّما يمثّل كلّ هذا نوعاً من الحلّ. لكن مع بقاء مئاتٍ، بل ربّما آلاف، من قطعه خارج كمبوديا، وبعض النهّابين أنفسهم لا يزالون طلقاء، كيف يبدو مسار العدالة اليوم؟

عقودٌ من النهب

وُلد Latchford في الهند البريطانية عام 1931، ووصل إلى بانكوك شابّاً طموحاً في منتصف خمسينيات القرن الماضي. تنقّل ببراعةٍ في الأوساط الأجنبية والأرستقراطية التايلاندية، وبنى شبكةً واسعة من العلاقات الاجتماعية بينما كان يدير عمليات محلية لموزّع مستحضرات تجميلٍ وأدوية، وفق ما يرويه Campbell الذي أجرى مقابلاتٍ مع أصدقاء Latchford الذين يعرفونه منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد طوّر هوساً بالإمبراطورية الخمير المترفة وبدأ باقتناء المنحوتات الهندوسية والبوذية التي أبدعها حرفيّوها.

منذ الستينيات، أخذ Latchford يستكشف المعابد الكمبودية ويشترك في رحلاتٍ إلى المواقع الأثرية الخمير. ومع تنامي اهتمام المجمّعين والمتاحف الغربية بالفنّ الآسيوي، رأى فرصةً لتحويل هوايته إلى مشروعٍ تجاري، كما يكتب Campbell. وفي حقلٍ نحت الخمير لم يكن يحظى بالاهتمام الأكاديمي الدولي آنذاك، رأى أيضاً فرصةً لتكريس نفسه باحثاً رائداً، رغم افتقاره إلى أيّ تعليمٍ فنّي أكاديمي.

قال Campbell، الذي يصوّر Latchford في كتابه بوصفه غريباً فكرياً وسط النخبة الأجنبية في بانكوك المتخرّجة من Oxbridge: "كان شغفه بهذه القطع حقيقياً تماماً. لكنّه كان بائعاً فطرياً يشعر بنشوةٍ حقيقية من إتمام هذه الصفقات."

أنهى اندلاع الحرب الأهلية عام 1967 رحلات Latchford إلى كمبوديا (وكذلك رحلات كلّ أجنبيٍّ آخر تقريباً) لثلاثة عقود. وسط القصف الأمريكي السري الذي امتدّ من حرب فيتنام، أُطيح بالأمير سيهانوك الحاكم الكمبودي في انقلاب، قبل أن يستولي حزب Pol Pot الخمير الحمر على السلطة عام 1975. أحدث النظام الشيوعي الوحشي دماراً شاملاً في كمبوديا ألغى النقد، واضطهد المتعلّمين، ودمّر الزراعة، وارتكب إبادةً جماعية راح ضحيّتها ما بين 1.5 مليون و3 ملايين شخص (أي نحو ربع سكّان البلاد آنذاك).

في خضمّ هذا الفوضى، تراجعت حماية التراث إلى المرتبة الأخيرة. كانت قوانين حظر التصدير المحلية قائمةً منذ الحقبة الاستعمارية، كما كانت اتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي تحظر "الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع لملكية الممتلكات الثقافية" سارية المفعول. لكنّ كمبوديا كانت تفتقر شبه كليٍّ إلى القدرة على تطبيق أيٍّ منهما. حتى بعد أن أطاح الغزو الفيتنامي بالخمير الحمر عام 1979، ظلّت المواقع الأثرية مهجورةً، مليئةً بالألغام أو مستخدَمةً ملاجئ للمقاتلين المسلّحين. ووفق ما يرويه كتاب Campbell، حين سقط الخمير الحمر، لم يكن قد بقي سوى ثلاثة علماء آثار أحياء في كمبوديا كلّها.

ومن بين الكمبوديين الذين استغلّوا حالة عدم الاستقرار كان Toek Tik، جنديٌّ سابق في الخمير الحمر من أصولٍ فقيرة، وقد أسهمت اعترافاته في مساعدة المحقّقين على تعزيز بعض ادّعاءاتهم ضدّ Latchford.

كما يشرح Campbell في كتابه، عمل Toek Tik في مهنٍ متفرّقة بعد تحرير كمبوديا، قبل أن يدرك أنّ بيع التماثيل بدلاً من الماشية التي كان يقايض بها يمكن أن يدرّ عليه نقوداً صعبة. وبعد أن أمضى فترة اختبائه في الجبال المحيطة بكوه كير مقاتلاً، كان يعرف المجمّع المعبدي جيّداً. كان العمل شاقّاً وخطيراً لكنّه وفّر أماناً في زمنٍ تعصف فيه الأزمات الاقتصادية. بدأ منفرداً ثمّ وسّع عملياته في ظلّ الهدوء النسبي لتسعينيات القرن الماضي، حتى بات يقود طاقماً من مئات النهّابين ينقلون الآثار إلى وسطاء على الحدود التايلاندية، وفق وثائق المحكمة.

في حديثه إلى صحيفة New York Times قُبيل وفاته عام 2021، قال Toek Tik، أب لثمانية أبناء، إنّه لم يتقاضَ قطّ أكثر من بضع مئاتٍ من الدولارات عن أيّ قطعة. كان ذلك مبلغاً لافتاً في ريف كمبوديا آنذاك. لكنّه وفريقه من النهّابين كانوا بعيدَين جدّاً عن سوق الفنّ العالمية لدرجةٍ أنّهم لم يكونوا يدركون كم تُقدَّر تلك القطع في الأسواق الدولية. وفي أثناء تغطيته من كمبوديا، التقى Campbell بأحد مساعدي Toek Tik الذي كان يعتقد أنّ الأعمال الفنّية يمكن أن تُباع بـ"عشرات الآلاف" من البات التايلاندي في الخارج (10,000 بات تساوي نحو 300 دولار). قال المؤلّف: "كان تقديره أقلّ بثلاثين مرّة من الحقيقة."

لم يكن Toek Tik يعرف بالضبط أين انتهى المطاف بمنهوباته بعد مغادرتها كمبوديا. لكنّه سمع أنّ الطلب كان يأتي من مشترٍ مقيمٍ في بانكوك يُعرف بـ"Sia Ford" أو "Lord Ford"، كما يكتب Campbell. ووفق المدّعين العامّين، كان "Sia Ford" أحد أسماء Latchford المستعارة. قال Campbell عن Toek Tik، الذي يُعدّ من أكثر النهّابين غزارةً في تاريخ كمبوديا: "في الحقيقة، لا ألومه أبداً. لو لم يكن هو، لكان شخصٌ آخر... لا أظنّ أنّ أحداً منّا يستطيع أن يجزم بيقينٍ بما كان سيفعله أو لا يفعله في تلك الظروف." ك

تتبّع الأثر

لم تتكشّف قصّة النهّاب إلا بفضل Bradley Gordon، محامٍ أمريكي مقيمٌ في كمبوديا أمضى نحو 14 عاماً في التحقيق بنهب التراث الثقافي الخمير.

استأثر باهتمامه مقالٌ رأيٍّ نشر عام 2012 عن "آثار الدم الكمبودية"، فاستُعين به مستشاراً للمنطقة القضائية الجنوبية لنيويورك التي كانت تحقّق آنذاك في قطعةٍ مرتبطة بـ Latchford. بدأ يزور القرى المجاورة للمعابد برفقة زملاء محليين من مكتب المحاماة الذي يديره في العاصمة بنوم بنه. (أُصيب المحامي المولود في Connecticut بالذهول من حجم النهب الذي شهده القرن العشرون، فشعر لاحقاً بواجبٍ يدفعه إلى تقديم خدمات مكتبه مجّاناً لوزارة الثقافة الكمبودية التي عيّنته رسمياً عام 2018. قال Gordon في مكالمةٍ مرئية من بنوم بنه: "شعرت أنّه الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله." وهو يضغط اليوم على المتاحف والمجمّعين في الخارج نيابةً عن الحكومة الكمبودية.)

في سعيه للحصول على شهاداتٍ من شهود عيان، تتبّع فريق Gordon أثر Toek Tik، وتوطّدت بينهما علاقةٌ أقنعه في نهاية المطاف بالإدلاء بشهادته رسمياً. وخلال ساعاتٍ طويلة من المقابلات وزيارات المعابد، روى النهّاب السابق مغامراته بتفاصيل دقيقة. كان Gordon يقابل رواياته بمخزون Latchford، فوجد أنّ Toek Tik يتعرّف على كثيرٍ من القطع في كتب التاجر لأنّه اقتلعها بيديه من جدران المعابد أو من قواعدها الحجرية.

حين أدرك Toek Tik حجم الضرر الذي تسبّب فيه، اعتقد أنّ عليه "كارما سيئة جدّاً" وأنّ الإفصاح عمّا يعرفه سيُسهم في "تحسينها"، وفق ما قاله Gordon، مضيفاً: "فعل شيئاً رائعاً في نهاية حياته. هل يمكننا مسامحته على جرائمه؟ لا. لكن يمكننا أن نحاول فهم لماذا حدث ما حدث." وقد أعرب Toek Tik، الذي لم يُوجَّه إليه قطّ أيّ اتّهامٍ رسمي، عن "ندمه" للصحيفة الأمريكية قبيل وفاته، قائلاً: "أريد للآلهة أن تعود إلى ديارها."

عمل Gordon مع علماء آثار على مطابقة التماثيل مع مواقعها الأصلية التي أغار عليها Toek Tik، ورسم خرائط لشبكات النهب. وقد أسهمت أبحاثه الميدانية في مساعدة المحقّقين الأمريكيين على بناء قضيّتهم ضدّ Latchford. لكنّ الاتّهامات الموجّهة للتاجر تعلّقت بالقدر ذاته بكيفية بيعه للقطع كما بكيفية الحصول عليها.

بنى Latchford، المتجنّس بالجنسية التايلاندية والمعروف أيضاً باسم Pakpong Kriangsak، مصداقيّته بعنايةٍ فائقة، إذ افتتح صالة عرضٍ في وسط بانكوك عام 1974. وفي الثمانينيات، تبرّع بآثارٍ خمير للمتحف البريطاني ومتحف Metropolitan الذي كان يوسّع آنذاك بشراهةٍ مجموعته من الفنّ الآسيوي. ومن بين تبرّعاته رأس تمثال بوذا حجري يعود إلى القرن العاشر، وتمثالان راكعان اشتُهرا بوقوفهما عند مدخل أجنحة جنوب شرق آسيا في متحف Metropolitan.

يرى Campbell أنّ تبرّعات Latchford أسهمت في تعزيز مصداقيّته بوصفه باحثاً، إذ ربطت اسمه بمؤسّساتٍ من الصفّ الأوّل. وهذا بدوره طمأن المشترين المستقبليين إلى أنّ قطعه ذات مصادر مشروعة. كان متحف Metropolitan "أقوى أداةٍ تسويقية" في يد Latchford، كما يكتب المؤلّف.

في تصريحٍ ، قال متحف Metropolitan إنّه "ملتزمٌ بالتعاون مع تايلاند وكمبوديا في دراسة الأعمال الموجودة في مجموعة المتحف." وفي إشارةٍ إلى مبادرة بحث مصادر القطع التي أُطلقت عام 2023، أشار التصريح إلى أنّ المتحف "خصّص منذ ذلك الحين موارد ضخمة" لـ"مراجعةٍ معمّقة لمجموعته"، مضيفاً: "يمتلك المتحف سجلاً طويلاً وموثّقاً من التعاون البنّاء مع دول المنشأ حين تثور تساؤلاتٌ حول تاريخ قطعةٍ ما.".

كانت تلك حقبةً يُطرح فيها عددٌ أقلّ من الأسئلة، وكان Latchford يملك إجاباتٍ لتلك التي تُطرح. أراد كثيرٌ من المشترين التأكّد من أنّ الآثار غادرت كمبوديا قبل اتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي أتاحت للدول إطاراً قانونياً لاسترداد تراثها المنهوب. يُدّعى أنّ التاجر استخدم فواتير وبيانات شحنٍ ورسائل مزوّرة لطمأنة عملائه. (في الواقع، كانت الصادرات المرخّصة نادرةً للغاية في التاريخ الكمبودي الحديث لدرجةٍ أنّ فكرة آثارٍ خمير ذات مصدرٍ مشروع باتت شبه مستحيلة، وفق ما قاله Campbell: "كلّ شيءٍ تقريباً منهوبٌ بالتعريف.")

وبشكلٍ مريح، كان رجلٌ أعمال متوفّى يُدعى Ian Donaldson يُؤكّد مراراً عبر رسائل أنّه اقتنى قطع Latchford خارج كمبوديا، في هونغ كونغ أو فيتنام، في الستينيات قبل اعتماد اتفاقية اليونسكو. وبينما كان Donaldson شخصاً حقيقياً توفّي عام 2001، يزعم المحقّقون الأمريكيون أنّ تلك الرسائل مزوّرةٌ من صنع Latchford وأطلقوا على Donaldson في وثائق المحكمة لقب "المجمّع الزائف". غير أنّ الخداع لم يكن بالغ التعقيد لأنّه ببساطةٍ لم يكن بحاجةٍ إلى ذلك. قال Campbell: "لا أظنّه توقّع أن يتحقّق أحدٌ من هذا. ولماذا يفعل؟ لم يفعل أحدٌ ذلك قطّ من قبل."

موجةٌ من الاسترداد

تغيّر كلّ شيءٍ حين سحبت Sotheby's بشكلٍ مفاجئ تمثالاً خميرياً يعود إلى القرن العاشر من المزاد في 24 مارس 2011 اليوم ذاته الذي كان مقرّراً للبيع.

قال المحقّقون الفيدراليون أنّ رواية Latchford عن أصل التمثال أنّه غادر كمبوديا وكان في لندن بحلول أواخر الستينيات كانت كاذبة. فالقطعة الحجرية الرملية التي تصوّر شخصية Duryodhana من الملحمة الهندوسية كانت قد نُهبت في الواقع من كوه كير في حدود عام 1972، أي بعد اتفاقية اليونسكو الفاصلة.

أعقب ذلك معركةٌ قانونية امتدّت عامَين، وافقت بعدها Sotheby's على تسوية مع إصرارها الدائم على نفي أيّ تجاوزٍ أو علمٍ بأصل القطعة. وفي تصريحٍ ، قالت دار المزاد إنّها "تصرّفت بحسن نيّة" ووفق "معاييرها الصارمة" طوال فترة النزاع. وأضافت Sotheby's: "نبقى ملتزمَين بالعناية الواجبة الشاملة والتعاون الوثيق مع جهات إنفاذ القانون والإشراف المسؤول على الممتلكات الثقافية."

أُعيد التمثال إلى كمبوديا. وأرسى هذا القرار سابقةً قانونيةً بالغة الأثر، كاشفاً كيف يمكن لأكاذيب رجلٍ واحد أن تجوب أسواق الفنّ العالمية. وبمعزلٍ عن قضية Duryodhana، كانت Sotheby's تدرج بانتظامٍ قطعاً من جنوب شرق آسيا دون توثيقٍ لمصدرها، وفق دراسةٍ محكّمة وجدت أنّ أكثر من 70% من 377 قطعةٍ خمير عرضتها للبيع بين عامَي 1988 و2010 لم يكن لها تاريخٌ موثّق للملكية. ولم يتطرّق تصريح Sotheby's إلى هذه النتيجة.

في وقتٍ كان فيه التراث الثقافي يُدرَس بتزايدٍ بوصفه قضيّة عدالةٍ اجتماعية، سلّطت قضية Duryodhana ضوءاً مزعجاً على المتاحف التي تعاملت مع Latchford، مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشر. في مايو 2013، أعاد متحف Metropolitan التمثالَين الراكعَين اللذَين طالما حرسا جناح الفنّ الجنوب شرق آسيوي. وأصدر المتحف آنذاك بياناً موجزاً قال فيه إنّه "حصل مؤخّراً على بحثٍ وثائقي جديد لم يكن متاحاً للمتحف حين اقتُنيت القطع."

"كان ينبغي نقله إلى نيويورك. لا يهمّني إن كان في الثمانين أو الخامسة والثمانين، كان يجب أن يدخل السجن."

Bradley Gordon، محامٍ

بعد توجيه الاتّهام إلى Latchford ثمّ وفاته، انضمّت مؤسّساتٌ أخرى إلى الركب. وقد فُتحت البوّابات على مصراعَيها. في السنوات الثلاث الأخيرة، أعاد المعرض الوطني الأسترالي ثلاثة تماثيل برونزية اشتراها من Latchford بـ 1.5 مليون دولار، وأعلن متحف Denver للفنون عن إعادة 11 قطعة مرتبطةٍ بـ Latchford من بينها قطعٌ تعرّف عليها النهّاب Toek Tik بوصفها قطعاً سرقها بنفسه. ومن المؤسّسات التي أعادت طوعاً قطعاً مرتبطةً بـ Latchford إلى كمبوديا: متحف الفنّ الآسيوي في كاليفورنيا ومتحف Norton Simon.

عام 2023، وبعد عشر سنواتٍ على التخلّي عن التمثالَين الراكعَين، سلّم متحف Metropolitan 14 قطعةً إضافية من مجموعته إلى كمبوديا. وهذه المرّة، شرح المتحف موقفه بمزيدٍ من التفصيل. قال مديره Max Hollein إنّ المتحف كان "يعمل باجتهادٍ لسنوات" على "حلّ التساؤلات" المتعلّقة بالأعمال المرتبطة بـ Latchford. وكتب: "هذا العمل المعقّد يستغرق وقتاً، ونحن ملتزمون بفعل الشيء الصحيح."

تصاعد الضغط أيضاً على المجمّعين من المليارديرات (وتوالت عليهم زيارات المحقّقين). ومن بينهم المؤسّس المشارك لـ Netscape، Jim Clark، أحد أكبر عملاء Latchford، الذي تنازل طوعاً عام 2022 عن 35 قطعةً من جنوب شرق آسيا من مجموعته الفنّية. وقد أخبر Clark المنظومة الدولية للصحافة الاستقصائية (ICIJ) أنّه تنازل طوعاً عن القطع بعد أن قدّم إليه المحقّقون أدلّةً على الجرائم لـ Latchford. وفي العام التالي، وافقت عائلة المليارير الأمريكي الراحل George Lindemann على إعادة 33 قطعةً خمير بعضها لفت انتباه المحقّقين عبر تقريرٍ في مجلّة Architectural Digest يُظهرها تزيّن منزله في Palm Beach. لم يُذكر اسم Lindemann ولا Clark في وثائق المحكمة، ولم يُوجَّه إليهما أيّ اتّهام، رغم أنّ تقديراتٍ تشير إلى أنّ كلّاً منهما أنفق أكثر من 30 مليون دولار على القطع التي صودرت.

يقدّر Gordon أنّ ما لا يقلّ عن 300 قطعةٍ خمير منهوبة عادت إلى كمبوديا نتيجةً مباشرة لعمل فريقه، ويعتقد أنّه سيُعيد ما لا يقلّ عن 100 قطعةٍ إضافية هذا العام. (منحت كمبوديا المحامي الأمريكي مؤخّراً جنسيّتها، وما يعادل لقب الفروسية، تقديراً لجهوده.) غير أنّ هذه الأرقام لا تعدو كونها "خدشاً على السطح"، كما يقول.

لن يُعرف قطّ العدد الحقيقي للكنوز الخمير خارج كمبوديا، لكنّ Gordon جمع قاعدة بياناتٍ تضمّ نحو 2,000 قطعة في متاحف، و"عدداً مماثلاً إن لم يكن أكثر" في مجموعاتٍ خاصة. ويقدّر أنّ ما لا يقلّ عن ربعها مرّ بـ"شكلٍ ما" عبر عملية Latchford. وتضمّ قائمته قطعاً محفوظةً في نحو اثنَي عشر متحفاً أمريكياً، من بينها بعضٌ سبق أن تعاون مع الطلبات الكمبودية. ويأمل Gordon أن يضع كتاب Campbell "مزيداً من الضغط على تلك المتاحف لفعل الشيء الصحيح."

لا تزال ثمّة أسئلةٌ كثيرة معلّقة من بينها هويّات الأشخاص في سلسلة الجريمة بين النهّابين أمثال Toek Tik وـ Latchford. سأل Campbell: "من هم الأشخاص في تايلاند، بين ذلك الوسيط وـ Latchford؟ هذا ما لم أحصل على إجاباتٍ وافية بشأنه."

يشعر Gordon بمرارةٍ حادّة لأنّ Latchford مات دون أن يمثل أمام المحكمة. قال: "كان ينبغي نقله إلى نيويورك. لا يهمّني إن كان في الثمانين أو الخامسة والثمانين، كان يجب أن يدخل السجن." ويأمل المحامي أن تكشف "الكمّ الهائل من الخيوط" الكامنة في عشرات الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني والفواتير وقوائم العملاء والمخزون والصور التي سلّمتها ابنة Latchford إلى كمبوديا بعد وفاته عن مزيدٍ من الإجابات. وقال: "أعتقد أنّه لولا هذا الأرشيف، لكنت في غاية المرارة."

يجد Gordon أيضاً عزاءه في المساهمة في إعادة قطعٍ مقدّسة إلى بلدٍ يعتبر كثيرٌ من أبنائه التماثيل الدينية ليست مجرّد تصويرٍ للآلهة بل تجسيداً حيّاً لها. وفي عام 2021، حين أُعلن عن إعادة ابنة Latchford للآثار الموروثة، لخّصت وزيرة الثقافة والفنون الجميلة الكمبودية Phoeurng Sackona هذا الشعور.

قالت: "ثقافتنا وتماثيلنا ليست مجرّد خشبٍ وطين"، مضيفةً أنّ البلاد تعتزم توسيع متحفها الوطني لاستيعاب تدفّق القطع العائدة. "إنّها تمتلك أرواحاً، ولها حواسّ."

كتاب "The Man Who Stole the Gods"، الصادر عن دار Penguin، متاحٌ الآن.

أخبار ذات صلة

Loading...
يد امرأة ترتدي خاتم عيون العشاق المزخرف بالمينا الزرقاء والألماس، رمز الحب والافتتان في المجوهرات الجورجية القديمة.

العين الغامضة التي ألهمت مجموعة غريبة وعاشقة

اكتشفوا أسرار "عيون العشّاق" تحف نادرة تجمع بين الحب والغموض منذ القرن الثامن عشر، حيث تحمل كل قطعة قصة فريدة من نوعها. انغمسوا في عالم المجوهرات التاريخية وتعرفوا على أسرارها الآن!
فنون
Loading...
تظهر الصورة Marjane Satrapi مع شخص آخر، حيث تحمل جائزة في حدث ثقافي، مما يعكس تأثيرها في الفن والأدب.

مارجان ساتراپي مؤلفة «پرسپوليس» تغيب عن العالم

توفيت الكاتبة والمخرجة Marjane Satrapi، تاركةً وراءها إرثًا ثقافيًا عميقًا، حيث مزجت بين تجاربها الشخصية والفكاهة السوداء في روايتها "Persepolis". انضموا إلينا لاستكشاف تأثيرها الفريد على الأدب والسينما.
فنون
Loading...
مرجان ساتراپي، الفنانة الفرنسية-الإيرانية، تقف أمام خلفية ملونة تعكس روح الإبداع والنضال، بعد وفاتها عن عمر 56 عاماً.

مارجان ساتراپي، الفنانة الإيرانية الفرنسية ومؤلفة «بيرسيبوليس»، فارقت الحياة عن عمر 56 عاماً

في عالم مرجان ساتراپي، تتداخل رائحة الحبر مع ذكريات الطفولة، لتروي قصة إنسانية. انغمس في تجربتها الفريدة وكن جزءًا من إرثها الفني. تابع القراءة لاكتشاف كيف أثرت على الثقافة العالمية.
فنون
Loading...
رحيل الفنانة مرجان ساتراپي، الرسّامة والناشطة في حقوق المرأة، أمام خلفية فنية ملونة تعكس إبداعها وتأثيرها الثقافي.

مارجان ساتراپي، الفنانة والكاتبة الإيرانية الفرنسية صاحبة «بيرسيبوليس»، توفيت عن 56 عاماً

رحيل مرجان ساتراپي، الفنانة الفرنسية-الإيرانية، منوأبرو أعمالها، "Persepolis"، تجسد نضال المرأة الإيرانية. اكتشفوا كيف أثرت وشاركت في حركة "المرأة، الحياة، الحرية".
فنون
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية