مأساة عمال الطاقة في أنفاق نيبال المغمورة بالفيضان
أكثر من 900 عامل مفقودون في أنفاق محطات الطاقة الكهرومائية بنيبال بعد فيضانات مدمرة وسط تحديات إنقاذ معقدة بين الطين والصمت. مأساة إنسانية وهشاشة بيئية تهدد مستقبل الطاقة النظيفة في الهيمالايا على خَبَرَيْن.

أكثر من 900 عامل في مواجهة الظلام والطين والصمت هذا هو الواقع الذي تعيشه نيبال منذ أن اجتاحت فيضانات مفاجئة أنفاق محطات الطاقة الكهرومائية على طول نهر Trishuli الأسبوع الماضي. لا أحد يعرف بعد كم منهم لا يزال حياً في أعماق الجبل، وكم منهم سبق الطين إلى حتفه.
وفقاً لأحدث أرقام رابطة منتجي الطاقة المستقلين في نيبال (IPPAN)، بلغ عدد العمال المفقودين 933 شخصاً موزّعين على 11 مشروعاً كهرومائياً. وقد أفادت التقديرات الأولية بأنّ نحو 100 عامل فقط من أصل قرابة 1,000 تمكّنوا من الفرار، فيما أُنقذ أو نجا 279 آخرون من الأنفاق. أمّا الباقون، فلا يزال مصيرهم مجهولاً.
أنفاق تحوّلت إلى مصائد
في محطة Trishuli 3A، يمتدّ النفق لأكثر من 4 كيلومترات تحت الجبل، وبداخله 42 عاملاً مفقوداً. حفر فريق الإنقاذ ثقباً بلغ حجمه ما يكفي للنزول بالحبال، لكنّ الصمت كان الردّ الوحيد. أمّا في محطة Chilime، فالنفق أقصر بكثير 250 متراً فحسب غير أنّ فرق الإنقاذ اضطرّت إلى التوقّف عند الـ 130 متراً الأولى بسبب الطين الكثيف والوحل المتراكم.
يصف الجيولوجي الأسترالي Arnold Dix، المستشار الذي يُرافق فرق الإنقاذ، التحدّيات التقنية بصراحة مقلقة: "قد نحتاج إلى الحفر 10 أمتار فقط، أو قد يصل الأمر إلى 100 متر". ويُضيف في إشارة إلى تعقيد الوصول إلى غرف التوربينات: "نحتاج إلى معدّات خاصة للاختراق عبر الفولاذ وكلّ ما يحيط بغرفة التوربينات. إنّها طبقة فوق طبقة من الصعوبات التقنية".
الوضع الإنساني لا يقلّ ثقلاً عن التقني. يروي Bhakti Ram Bohara، أحد الناجين، ما يتجاوز مجرّد الأرقام حين يقول ببساطة: "زوجته أختي، وهي حامل". جملةٌ واحدة تختصر ما تعنيه كلّ حالة مفقود من مأساة إنسانية تتكرّر مئات المرّات.
سباق بين الإنقاذ والزمن
تعمل فرق الإنقاذ على عدّة محاور في وقت واحد: الجيش النيبالي والشرطة يُشكّلان العمود الفقري للعملية، فيما وصل متخصّصون من الهند والصين خلال عطلة نهاية الأسبوع لتعزيز الجهود. يستخدم المنقذون كاميرات حرارية مثبّتة على طائرات مسيّرة، ويحفرون ثقوباً في جدران الأنفاق لضخّ الهواء وإيصال أقنعة الأكسجين والغذاء.
غير أنّ الطبيعة لا تُسهّل المهمّة: الطرق والجسور تضرّرت بفعل الفيضانات، والأحوال الجوية تتقلّب، والطين يتجدّد. ويُضاف إلى ذلك خطر إضافي يُقلق المهندسين، وهو احتمال انهيار أنظمة الإغلاق الطارئ وتدفّق المياه إلى غرف التوربينات.
يلمح دليل الجبال Jenjen Lama، المشارك في عمليات الإنقاذ، إلى شعاع أملٍ حين يقول: "داخل النفق توجد المطبخ وبعض الطعام... لكنّني لا أعرف شيئاً عن الأكسجين". هذه الجملة تحمل في طيّاتها سؤالاً مؤلماً: هل يكفي الطعام وحده للبقاء، حين يكون الهواء هو المجهول الأكبر؟
جبال الهيمالايا: ثروة طاقوية وهشاشة بنيوية
لا يمكن فهم هذه الكارثة بمعزل عن السياق الأشمل. تعدّ نيبال والصين والهند من أكثر الدول استثماراً في مشاريع الطاقة الكهرومائية في جبال الهيمالايا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعةً بالحاجة إلى طاقة نظيفة ومتجدّدة في منطقة تتنامى فيها الطلبات على الكهرباء بسرعة. لكنّ هذه الجبال ليست فقط خزّاناً للمياه والطاقة؛ إنّها أيضاً من أكثر المناطق هشاشةً من الناحيتين البيئية والزلزالية على وجه الأرض.
تُشير الأرقام إلى حجم الضرر: نحو 27 محطة كهرومائية تضرّرت في هذه الفيضانات، من بينها 12 محطة وصفتها التقارير بأنّها شبه مدمّرة. هذا ليس مجرّد خسارة في البنية التحتية؛ إنّه تساؤل عميق حول جدوى بناء منشآت ضخمة في مناطق تتقاطع فيها الزلازل والفيضانات المفاجئة وتسارع وتيرة التغيّر المناخي.
ففي ظلّ ارتفاع درجات الحرارة العالمية، تتراجع الأغطية الجليدية في الهيمالايا بمعدّلات قياسية، ما يُغذّي بحيرات جليدية هشّة قابلة للانفجار المفاجئ وتوليد فيضانات مدمّرة. الفيضانات التي ضربت نيبال الأسبوع الماضي قد تكون حادثةً طقسية فردية، لكنّها تندرج ضمن نمطٍ مناخي متصاعد يجعل مثل هذه الأحداث أكثر تكراراً وأشدّ عنفاً.
ما يجري الآن في أنفاق نيبال سيُلقي بظلاله حتماً على كيفية تصميم هذه المشاريع ومواقعها وأنظمة المراقبة المرتبطة بها. السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف ننقذ من تبقّى؟ بل أيضاً: كيف نضمن ألّا تتحوّل أنفاق الطاقة النظيفة مستقبلاً إلى مقابر صامتة في قلب الجبال؟
أخبار ذات صلة

نجاة من جحيم: عمّال يفرّون من أنفاق نيبال المائية الغارقة

ظاهرة النينيو تهدد كاليفورنيا بفيضاناتٍ قاسية

إعصار موك يهدّد جزيرة هاواي الكبرى برياحٍ وأمطارٍ غزيرة بعد إعصار لالا بأسبوع
