هل يُحاسب الطياران بعد كارثة طائرة ميامي؟
خمسة قتلى في حادث طائرة Amazon Air بمطار Miami ونجاة الطيارين بجروح طفيفة لكن هل ستُوجه اتهامات جنائية؟ خَبَرَيْن يكشف لماذا التحقيقات الأمريكية نادراً ما تؤدي لملاحقات جنائية رغم الكوارث الجوية الكبيرة.

خمسة قتلى على أسفلت Miami، وطياران نجيا — فهل يكفي ذلك لتوجيه اتهامات جنائية؟
حين انزلقت طائرة الشحن التابعة لـ Amazon Air من مدرج مطار Miami International Airport وارتطمت بسيارتَين على الطريق المجاور، لقي خمسة أشخاص حتفهم في لحظات. أما الطياران فنجيا بجروح طفيفة. وفي اليوم التالي، كانت عائلة يويل رودريغيز نارانخو تبحث عن محامٍ، فيما كان المحققون يُخرجون جهاز تسجيل الصوت من قمرة القيادة ليكتشفوا ما يكشفه عادةً: أن أحد الطيارَين أبدى قلقه من سرعة الطائرة المفرطة قبيل الهبوط.
الطائرة كانت من طراز Boeing 767، والرحلة كانت تحمل رقم 7598، وتشغّلها شركة 21 Air بالنيابة عن Amazon Air. لكن السؤال الذي يشغل الرأي العام الأمريكي — وربما العربي أيضاً — ليس تقنياً بحتاً: هل سيُحاسَب أحدٌ جنائياً على هذه الوفيات؟
نظام لا يُحاسب بالضرورة
في الولايات المتحدة، لا يُفضي كل تحطّم طائرة تلقائياً إلى تحقيق جنائي موازٍ. هذا اختيار منهجي، لا إهمال. الجهة المنوط بها التحقيق في الحوادث الجوية هي المجلس الوطني لسلامة النقل (NTSB)، وهي هيئةٌ تُعنى بتحديد الأسباب ومنع التكرار، لا بإثبات الجريمة أو توزيع المسؤوليات القانونية.
يقول هاسان شاهيدي، رئيس ومدير تنفيذي لـ Flight Safety Foundation: "من المنظور الجنائي، ثمة معيارٌ فيدرالي لتحريك الملاحقة القضائية، ويضع سقفاً مرتفعاً جداً يتعلق بإثبات الإهمال الجسيم أو التهوّر أو الاستهتار بأرواح البشر". ويضيف: "سيُطرح على الطيارَين كثيرٌ من الأسئلة حول قرارات الطيران وما كان يجري في تلك اللحظات".
وعلى الرغم من أن جهاز تسجيل الصوت كشف عن قلق الطيار من السرعة المفرطة، فإن هذه المعلومة وحدها لا تُرتّب مسؤولية جنائية. توضّح كاثي يوديس، الشريكة المديرة في مكتب Yodice Associates للقانون الجوي: "يجب أن يكون ثمة دليلٌ على وجود جريمة، سواءٌ أكانت فيدرالية أم على مستوى الولاية، وإذا ظهرت أي إشارة إلى سلوك إجرامي محتمل، فعندئذٍ نعم، قد يُفتح تحقيقٌ جنائي". وتُشير في الوقت ذاته إلى أن الصورة لا تزال ضبابية: "لا نعلم بعد ما الذي جرى تحديداً في هذا الحادث، ومن يمكن النظر إليه بوصفه قد أسهم في المأساة".
أما جون غوغليا، العضو السابق في مجلس NTSB، فيُلفت إلى هشاشة الوضع القانوني للطيارَين: "ليس بإمكاننا منحهم الحصانة، فهم لا يتمتعون بأي حماية سوى حسن نية الجهات المعنية. يمكن توجيه الاتهامات إليهم بسهولة".
سوابق تكشف نمطاً أمريكياً ثابتاً
التاريخ الأمريكي في هذا الملف يتسم بالاتساق: الطيارون نادراً ما يواجهون قضايا جنائية، حتى حين تكون الكوارث فادحة.
في عام 2006، تحطّمت رحلة Comair Flight 5191 وراح ضحيتها 49 شخصاً — ولم يُوجَّه أي اتهام جنائي. وفي عام 2013، اصطدمت طائرة Asiana Airlines بمدرج مطار San Francisco وقتلت 3 أشخاص وأصابت 187 آخرين — ولم يُلاحَق الطيارون قضائياً. في المقابل، تبرز استثناءات نادرة: في عام 2023، وُجّهت اتهامات إلى الطيار خارج الخدمة في Alaska Airlines، جوزيف إيمرسون، بسبب محاولته إيقاف محركات الطائرة أثناء الرحلة، وصدر بحقه حكمٌ بالسجن 50 يوماً وثلاث سنوات مراقبة. وفي عام 2022، تسبّب مدرّب الطيران فيليب ماكفيرسون الثاني في مقتل طالب طيران، فصدر بحقه حكمٌ بالسجن 6.5 سنوات بتهمة القتل غير العمد وتهم أخرى. غير أن هذَين المثالَين يتعلقان بسياقات مختلفة تماماً عن حوادث الطيران التجاري الاعتيادية.
في المقابل، يبدو المشهد مختلفاً حين يتعلق الأمر بالشركات لا الأفراد: في عام 2025، دفعت Boeing غرامةً بلغت 1.1 مليار دولار جراء كارثتَي طائرات 737 Max اللتَين راح ضحيتهما قرابة 350 شخصاً، بعد أن اعترفت بإخفاء معلومات عن هيئة FAA.
حين تختلف القواعد خارج الحدود الأمريكية
ما يُثير الانتباه هو أن الطيارَين الأمريكيَّين اللذَين كانا على متن الطائرة التي اصطدمت بطائرة أخرى فوق الأمازون البرازيلية في عام 2006 وأودت بحياة 154 شخصاً، واجها ملاحقةً قضائية برازيلية وصدر بحقهما حكمٌ بالإدانة، وإن لم تتم تسليمهما قط، وأُغلق الملف في عام 2024. وفي عام 2005، أُدين الطيار التونسي في كارثة الطائرة التي سقطت بين إيطاليا وتونس وقتلت 16 شخصاً، وذلك بسبب ما وصفه القضاء الإيطالي بالذعر وإهمال إجراءات الطوارئ.
تُلخّص يوديس هذا الفارق بوضوح: "الطيران صناعةٌ متنقّلة. إذا تورّط الطيار في حادث في دولة أجنبية، فهو يخضع لقوانين تلك الدولة وقانونها الجنائي، وقد يواجه اتهاماتٍ جنائية في الخارج بوصفه مواطناً أمريكياً".
ما الذي ينتظر الطيارَين وعائلات الضحايا؟
على الصعيد المدني، رفعت عائلة يويل رودريغيز نارانخو أولى دعاوى الوفاة الخطأ ضد الطيارَين وشركة Amazon وشركة 21 Air. وقال المحامي جون مورغان، المشرف على الفريق القانوني الممثّل للعائلة: "كل من أدّى دوراً في هذا الحادث المروّع سيُحاسَب".
أما Amazon، فقد أعلنت تعليق عملياتها مع 21 Air في أعقاب الكارثة، إذ قالت المتحدثة باسمها كيلي نانتيل: "بعد الحادث المأساوي في نهاية الأسبوع الماضي، أمضينا وقتاً في دعم التحقيق ومراجعة الملابسات المحيطة به، وقررنا تعليق عملياتنا مع 21 Air، مشغّل الرحلة 7598". في المقابل، ردّت 21 Air بتأكيد دعمها للتحقيق، مُعلنةً ثقتها بسياساتها وإجراءاتها وبرامج تدريبها في مجال السلامة.
وتُجري FAA تحقيقاً موازياً في الحادثة للنظر في احتمال وجود انتهاكات تنظيمية وما قد يترتب عليها من عقوبات.
تحقيق NTSB يسير وفق مساره المعتاد الذي يستغرق عادةً أكثر من عام، وهو مسارٌ يُعنى بالأسباب لا بالملاحقة. لكن ما يبقى معلّقاً في الهواء هو سؤالٌ أوسع: حين تنتهي التحقيقات وتُغلق الملفات، هل تكفي الغرامات المالية والدعاوى المدنية لتحقيق ما تُسمّيه عائلة رودريغيز نارانخو "المحاسبة"؟ الإجابة، في الغالب، تتوقف على أي نظام قانوني تسألها.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
