دراما محاكمة قتل الأطفال في نيويورك تكشف الأسرار
قصة مأساوية في نيويورك تثير جدلاً بعد محاكمة ليندسي كلانسي التي اعترفت بقتل أطفالها الثلاثة. هيئة المحلفين انقسمت ورفضت إصدار حكم بالإجماع ما أدى لبطلان المحاكمة. تفاصيل الصراع النفسي والقانوني على خَبَرَيْن.

في مدينة نيويورك، وعلى بعد نحو 300 كيلومتر من منزلٍ في داكسبري بولاية ماساتشوستس شهد أفظع ما يمكن أن يحدث لعائلة، يقول باتريك كلانسي إنه ما زال يتحدّث إلى أطفاله الثلاثة "طوال الوقت". حين سأله مراسل قناة CBS روس دوثات: "ماذا تقول لهم؟"، أجاب كلانسي دون تردّد: "ساعدوني. طوال الوقت". وحين سأله هل يشعر أنّهم يساعدونه فعلاً، ردّ: "أحبّ أن أصدّق أنّهم يفعلون. إنّها طريقتي للبقاء على تواصلٍ معهم". هذه الجملة القصيرة، التي ستُبثّ ضمن مقابلةٍ مع برنامج "60 Minutes" مساء الأحد، تختصر مأساةً عائلية تحوّلت إلى قضيةٍ قضائية معقّدة، ثم إلى مادةٍ للجدل العام بعد أن انتهت محاكمة والدة أطفاله ليندسي كلانسي بإعلان بطلان الإجراءات، قبل أسبوعين فقط من هذه التصريحات.
القضية تعود إلى يناير 2023، حين قُتل في منزل عائلة كلانسي بمدينة داكسبري الصغيرة الأطفال الثلاثة: كورا، خمس سنوات، ودوسون، ثلاث سنوات، وكالان، ثمانية أشهر. وأقرّت ليندسي كلانسي خلال المحاكمة بأنها قتلت أطفالها الثلاثة خنقاً، وحاولت بعد ذلك الانتحار، وفق ما ورد في وقائع القضية. لكنّ الدفاع، الذي قاده المحامي كيفن ريدينغتون، جادل بأنّ كلانسي كانت تعاني من ذهانٍ نفاسي (Postpartum Psychosis) حرمها من الإدراك الجنائي اللازم لتحميلها المسؤولية القانونية عن أفعالها لحظة ارتكابها.
كيف انهارت المداولات في اليوم السادس؟
استمرّت المحاكمة سبعة أسابيع دون أن تصل هيئة المحلّفين، المكوّنة من تسع نساء وثلاثة رجال، إلى قرارٍ نهائي. وبعد أكثر من 38 ساعة من المداولات دون إجماع، أعلن القاضي في 4 سبتمبر بطلان المحاكمة (Mistrial)، إثر ردود متكرّرة من هيئة المحلّفين تؤكّد عجزها عن التوصّل إلى قرارٍ بالإجماع. وأشارت ملاحظات المحلّفين إلى انقسامٍ بنسبة 11 إلى 1.
الرقم "1" في هذا الانقسام كان مايكل بيغي ديزرونفيل، 48 عاماً، الذي كشفت صحيفة The Boston Globe هويته باعتباره العضو المنفرد الذي رفض الانضمام إلى الأغلبية. ووفق رئيسة هيئة المحلّفين روني كارلسون، فإنّ ديزرونفيل "أدلى بتصريحاتٍ تُقرّ بوجود شكّ، لكنه يرفض تطبيقه على القرار كما ينصّ عليه القانون". وقالت كارلسون في مقابلةٍ مع NBC10 Boston إنّ المحلّفين لم يساورهم أي شكّ في أنّ كلانسي قتلت أطفالها، لكنهم أدركوا في الوقت نفسه أنها كانت تحبّهم.
في اليوم السادس من المداولات، تقدّمت كارلسون بملاحظةٍ إلى القاضي تتعلّق بشكوك ديزرونفيل، وهو ما دفع المحامي ريدينغتون إلى محاولة استبداله بعضوٍ احتياطي، وهي محاولة فشلت. ولم يُخفِ ريدينغتون شكّه في وجود "أجندة" وراء موقف العضو المنفرد، على ما ذكر في تصريحٍ نُشر عبر فيسبوك، مضيفاً: "هناك عضوٌ واحد يرفض الالتزام بما أوضحه القانون له أو لها بشأن الشكّ المعقول".
من جهته، روى الزميل في هيئة المحلّفين نيك دارغي في مقابلةٍ مع ABC News أنّ ديزرونفيل كان أحياناً منعزلاً عن النقاش: "كانت هناك أوقاتٌ لا ينخرط فيها، مثل أن يتصفّح هاتفه بينما يتحدّث إليه الآخرون، أشياء من هذا القبيل". أما كيلي فارينا، وهي أيضاً من هيئة المحلّفين، فقالت في مقابلةٍ مع NBC10 Boston إنّ "أصعب ما واجهه هو تجاوز حقيقة أنّ ليندسي قتلت أطفالها بوحشية".
"بطل أمريكي" في موقعٍ مجهول
لم يبقَ ديزرونفيل صامتاً أمام هذه الروايات. ففي بيانٍ صدر يوم الخميس، نفى أن تكون زميلاته وزملاؤه في هيئة المحلّفين قد مثّلوا موقفه بدقّة، قائلاً: "لم تساورني أي شكوك". وأضاف موضّحاً تجربته داخل غرفة المداولات: "بينما كنت أحاول شرح نظرياتٍ محتملة مختلفة أثناء المداولة، كنت أُقاطَع باستمرار وكأنّ لديّ شكوكاً بناءً على الأدلّة المقدَّمة". وذهب أبعد من ذلك في تفسير قناعته، قائلاً: "بناءً على كل الأدلّة المادية، والشهود الرئيسيين، وما قدّمه الادّعاء، اعتقدت أنّ هناك ما يكفي من الإثبات على أنّها (كلانسي) كانت تعرف تماماً ما تفعله وأنها خطّطت لذلك".
هذا التصريح، الذي يتناقض مع الصورة التي رسمها له زملاؤه، جاء عبر محاميه إدوارد أندرو بالتزيك، الذي أعلن فجر يوم الجمعة أنه لن يُدلي هو أو موكّله بأي مقابلاتٍ صحفية. وذكر بالتزيك أنّ ديزرونفيل "بأمانٍ وسلامة في موقعٍ آمن غير معلَن في منطقة ريفية من شمال نيو إنغلاند"، ورفض مكتب المدّعي العام لمقاطعة بليموث التعليق على هويات أعضاء هيئة المحلّفين.
لغة بالتزيك في بياناته، المنشورة عبر منصة X، اتّسمت بحدّةٍ لافتة. ففي أوّل تصريحاتٍ له، وصف ديزرونفيل بأنه "أبٌ متفانٍ ورجل إيمان"، وناشد الجمهور: "أرجو أن تدعوا له وتساعدونا في حمايته". وفي بيانٍ لاحق، تعهّد بمحاسبة من وصفهم بـ"الأشرار الذين هاجموا بوحشيةٍ هذا البطل الأمريكي وبطل العدالة... إلى أقصى حدٍّ يسمح به القانون وما بعده"، مؤكّداً أنّ "هناك وقتاً للمحاسبة ووقتاً لتُروى القصة الحقيقية لمحاكمة ليندسي كلانسي، لكن ليس الآن". كما وجّه تحذيراً صريحاً: "أي محاولة للتواصل مع عضو هيئة المحلّفين المنفرد البطل لن تُقابَل بترحيب. يُرجى احترام كرامته وإنسانيته وخصوصيته. ابتعدوا عن منزله، توقّفوا عن الاتصال به، ولا تفكّروا حتى في تحديد موقعه". ووعد بالتزيك بمشاركة "معلوماتٍ إضافية في الأيام المقبلة، بما في ذلك كل الطرق التي يمكنكم من خلالها دعم هذا الرجل الاستثنائي وقضية الحقيقة والعدالة التي يدافع عنها بإخلاص"، شاكراً "كل الأمريكيين الوطنيين الذين وقفوا في تضامنٍ خلفه بهذا الكرم واللطف الملموس". وقد تواصلت شبكة CNN مع بالتزيك بشأن احتمال اتخاذ إجراءاتٍ قانونية دفاعاً عن موكّله، لكن دون أن يُفصح عن تفاصيل.
عائلةٌ تحت مجهر نظريات المؤامرة
في مقابل هذا الغموض المحيط بالعضو المنفرد، اختار باتريك كلانسي، الزوج السابق لليندسي، الظهور العلني إلى جانب زوجته الجديدة الدكتورة رايتشل دانيس، طبيبة الخصوبة في مدينة نيويورك، التي تزوّجها في أبريل الماضي. وكان كلانسي أوّل شاهدٍ في محاكمة ليندسي، حيث أدلى بشهادةٍ استمرّت يومين تناول فيها تدهور حالتها النفسية قبل وقوع الجريمة.
في مقابلتهما المشتركة مع "60 Minutes"، تحدّث كلانسي عن الثقل اليومي لفقدان أطفاله، قائلاً: "أعتقد أنني بذلت قصارى جهدي بما كان متاحاً لي في ذلك الوقت، وأتعايش مع النتيجة"، مضيفاً في موضعٍ آخر: "أعيش مع ذلك كل يوم، لكنني أعتقد أنني بذلت قصارى جهدي".
أما دانيس، التي أصبحت هي وزوجها هدفاً لنظريات مؤامرة لا أساس لها على الإنترنت، فعبّرت عن حيرتها من الرواية المشوَّهة التي لاحقتها: "لا أفهم كيف تحوّلت هذه القصة إلى هذا التشويه"، مضيفةً بنبرةٍ إنسانية بسيطة: "لكنني آمل أن يعرف الناس أنّ بات هو، كما قلت سابقاً، الأب الأكثر تفانياً والشريك الأكثر دعماً، وأنا كنت فقط فتاة التقت بشابٍّ كان يركض في سنترال بارك في يوم سبتٍ بارد جداً، ولا أعتقد أن هناك أي خطأ في ذلك". وأعلن محامو باتريك كلانسي عزمهم اتخاذ إجراءاتٍ قانونية ضدّ من يروّجون لنظريات المؤامرة هذه عبر الإنترنت.
مقاطع من المقابلة، التي نُشرت مقتطفاتٌ منها عبر حساب "60 Minutes" على منصة X، أعطت لمحةً مبكرة عن الحديث حول دعم الأطفال المستمر ورواية دانيس لتفاصيل زواجهما وسط الجدل، قبل بثّ الحلقة كاملةً مساء الأحد.
اليوم، وبينما يستعد باتريك كلانسي لمواجهة كاميرات "60 Minutes" وذكريات أطفاله في آنٍ واحد، لا يزال مكتب المدّعي العام لمقاطعة بليموث صامتاً بشأن قراره الأهم: هل سيُعاد فتح ملف ليندسي كلانسي أمام هيئة محلّفين جديدة؟ الجلسة المقرّرة في 29 سبتمبر قد تحمل بداية الجواب، لكنّ ما لن يتغيّر هو أنّ ثلاثة أسماء صغيرة، كورا ودوسون وكالان، ستبقى في قلب كل جلسةٍ قادمة، بعيداً عن ضجيج البيانات والاتهامات المتبادلة.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
