اليابان تواجه الزلازل بقوة التكنولوجيا والاستعداد
اليابان تواجه زلازل متكررة وقوية بسبب موقعها عند تقاطع الصفائح التكتونية وحلقة النار. رغم التقنيات المتطورة والاستعدادات، تبقى الكوارث تهدد الأرواح والممتلكات. تعرف على تفاصيل الزلزال الأخير وأثره في خَبَرَيْن.


لا تكاد توجد دولةٌ أخرى في العالم تتعرّض لزلازل بهذه الوتيرة والقوّة المدمّرة كما تفعل اليابان جزيرةٌ تقع عند تقاطع أربع صفائح تكتونية، وهي الألواح الصخرية الضخمة التي تُشكّل القشرة الأرضية وتتحرّك باستمرار.
تقع اليابان أيضاً على "حلقة النار"، وهو قوسٌ يمتدّ نحو 40,000 كيلومتر حول المحيط الهادئ، ويضمّ أكثر البراكين نشاطاً في العالم، ويشهد أعلى تركيزٍ للزلازل على مستوى الكوكب.
تجلّت تداعيات هذه الزلازل بوضوحٍ هذا الأسبوع، حين ضرب زلزالٌ مدمّر بقوّة 6.8 درجة محافظةَ كوماموتو في جنوب اليابان، ودفع الآلاف من عناصر الطوارئ إلى الانتشار في عمليات البحث والإنقاذ وتقديم الإغاثة.
غير أنّ اليابان مستعدّةٌ جيّداً لمواجهة كوارث كهذه، إذ ضخّت مليارات الدولارات في تقنيات متطوّرة للكشف المبكّر عن الزلازل، ومنظومات الاستجابة والإخلاء، والبنية التحتية المقاومة للهزّات. وبالنسبة للسكّان، باتت الزلازل جزءاً اعتيادياً من الحياة اليومية يبدأ الأطفال تدريبات الإخلاء منذ مرحلة الروضة. لكنّ الخطر يظلّ حاضراً بثقلٍ في الوعي الجمعي، لا سيّما مع تحذيرات الحكومة المتكرّرة من احتمال وقوع "زلزال عملاق" من النوع الذي لا يتكرّر إلا مرّةً كلّ قرن.
آخر الزلازل
خلّف الزلزال الذي ضرب يوم الثلاثاء ما لا يقلّ عن 14 قتيلاً حتى يوم الأربعاء، وفق ما أفادت به قناة TV Asahi، نقلاً عن محافظة كوماموتو وإدارة الإطفاء. ولا يزال عددٌ من الأشخاص في عداد المفقودين أو المصابين، فيما يبقى الرقم الإجمالي غير محدّد بدقّة.
وتسود مخاوف من أنّ أشخاصاً لا يزالون محاصرين تحت الأنقاض. وأفادت التقارير بأنّ عدداً من الأشخاص كانوا محاصرين، ولا يزال ثلاثةٌ منهم في عداد المفقودين، إثر انهيارٍ جزئي طال مركزاً تجارياً في كوماموتو جرّاء انفجارٍ أعقب الزلزال، وأشارت السلطات إلى تسرّبٍ محتمل للغاز بوصفه سبباً مرجّحاً. كما لا يزال أربعة عمّال في عداد المفقودين في مصنعٍ للورق.
تعمل الشرطة المحلية وإدارات الإطفاء حالياً جنباً إلى جنب مع الأفراد العسكريين في عمليات الإغاثة والإنقاذ. وقالت رئيسة الوزراء Sanae Takaichi يوم الأربعاء: "لا يزال الناس ينتظرون المساعدة، وكلّ ثانيةٍ تُحسب."
كانت منطقة كوماموتو قد تعافت للتوّ من زلزالٍ أشدّ ضرب المنطقة عام 2016، وخلّف دماراً واسعاً وأودى بحياة أكثر من 270 شخصاً.
وقال المقيم المحلي Shoji Yonemitsu لـ CNN: "لماذا؟ لماذا يستمرّ هذا في الحدوث هنا في كوماموتو؟ الاهتزاز في ذلك الوقت كان على مستوىً مختلفٍ تماماً. لكنّ زلزال الأمس كان مرعباً هو الآخر."
تاريخٌ طويل من الكوارث
تاريخ اليابان حافلٌ بالزلازل المدمّرة. على مرّ العصور الكلاسيكية والإقطاعية، كانت الزلازل تجتاح المدن والبلدات بانتظام، مُحيلةً المنشآت المبنيّة من الخشب والورق إلى رماد، إذ كانت شديدة الهشاشة أمام الحرائق التي تندلع في أعقاب الهزّات. ويُعتقد أنّ زلزالاً مدمّراً بشكلٍ خاص عام 1498 أودى بحياة أكثر من 30,000 شخص، وإن تباينت التقديرات.
وكان زلزال كانتو الكبير عام 1923 كارثةً أخرى، دمّر فيها مساحاتٍ شاسعة من العاصمة طوكيو وراح ضحيّته نحو 140,000 شخص.
بدأت اليابان في تطبيق قوانين بناءٍ أكثر صرامةً في الثمانينيات، وقد أثبتت فاعليّتها في زلزال كوبي عام 1995 الذي أودى بحياة أكثر من 6,000 شخص، إذ كانت الغالبية العظمى من المباني المنهارة قد شُيّدت قبل تطبيق هذه الاشتراطات الجديدة. أطلق ذلك الزلزال دافعاً قوياً لتعزيز مرونة البلاد أمام الزلازل، وتطوير منظومات الاستجابة للطوارئ، وتحديث المباني القديمة وفق المعايير الجديدة.
وبوصفها إحدى أثرى دول العالم، كانت اليابان في موقعٍ جيّد يُمكّنها من توظيف التكنولوجيا والإنفاق لتحصين نفسها في مواجهة الكوارث التكتونية.
بيد أنّ التكنولوجيا وحدها لا تكفي.
تبقى كارثة توهوكو عام 2011 الأسوأ في الذاكرة الحيّة زلزالٌ بقوّة 9.1 درجة وموجة تسونامي أفضت إلى كارثة Fukushima النووية وأودت بحياة ما يقارب 20,000 شخص، فيما لم يُعثر على آلافٍ آخرين حتى اليوم. ويظلّ هذا الزلزال من بين أعنف ما شهده هذا القرن.
حتى الزلازل الأصغر حجماً قادرةٌ على إلحاق خسائر بشرية فادحة؛ فقد أودى زلزالٌ بقوّة 7.1 درجة بحياة أكثر من 700 شخص في منطقة Noto غربي اليابان عام 2024.
دولٌ أخرى كتشيلي وإندونيسيا وجزر Solomon والساحل الغربي للولايات المتحدة تقع هي الأخرى على "حلقة النار" من جانبَي المحيط الهادئ. هنا تلتقي الصفيحة الهادئة اللوح المحيطي الممتدّ تحت المياه بالصفائح التكتونية القارية المحيطة بها. حين تتحرّك هذه الألواح متصادمةً ومتاحكةً ببعضها، تتراكم الطاقة ثمّ تنطلق على شكل زلازل.
وقال Shoichi Yoshioka، أستاذٌ في جامعة كوبي اليابانية، لـ CNN عام 2024: "نحو 10% من زلازل العالم ذات القوّة 6 درجاتٍ فأكثر تقع في اليابان أو محيطها، ممّا يجعل الخطر أعلى بكثيرٍ مقارنةً بمناطق كأوروبا أو الساحل الشرقي للولايات المتحدة حيث تنادر الزلازل." وأضاف: "في كلّ مرّة، نشهد خسائر مأساوية في الأرواح، ومبانيَ تنهار، وتسونامي يُخلّف دماراً يترك أثراً عميقاً من الخوف. هذا الخوف على الأرجح يتشاركه كثيرٌ من المواطنين، وأعتقد أنّه يُسهم إسهاماً كبيراً في مستوى استعداد اليابان."
هل السفر إلى اليابان آمن؟
حتى بين الدول المعرّضة للزلازل، تحتلّ اليابان مكانةً رائدةً عالمياً في الاستعداد للزلازل والصمود أمامها.
تُلزَم المباني بتوفير تقنيات مقاومة للزلازل، كجدرانٍ وأرضياتٍ قادرة على امتصاص الاهتزازات، أو هياكل مرنة تسمح للمبنى بالتأرجح دون الانهيار. وتُفيد إحدى صفحات الحكومة الموجّهة للسيّاح بأنّ "معظم المباني مقاومةٌ للزلازل إلى حدٍّ بعيد."
غير أنّ الزوّار لا يزالون يساورهم القلق من هذا التهديد.
في الصيف الماضي، أفضت موجةٌ من "التنبّؤات" المرتبطة بالزلازل إلى إلغاء مسافرين من شرق آسيا رحلاتهم إلى اليابان أو تأجيلها. وشملت هذه التنبّؤات كتاباً مصوّراً يابانياً حذّر من "كارثةٍ حقيقية وشيكة"، وعرّافاً تنبّأ بدمارٍ واسع، وخبيراً في الفنغ شوي (Feng Shui) دعا الناس إلى تفادي الزيارة.
أسهمت الحكومة اليابانية نفسها في تغذية هذه المخاوف، إذ تحذّر منذ سنواتٍ من احتمال وقوع زلزال خندق Nankai العملاق، وهو الأشدّ من نوعه.
خندق Nankai منطقةٌ اندساسية (Subduction Zone) يبلغ طولها 700 كيلومتر، وتشير إلى المنطقة التي تنزلق فيها صفيحةٌ تكتونية تحت أخرى. وقد رُصدت زلازلٌ عنيفة في هذه المنطقة كلّ 100 إلى 200 سنةٍ وفق لجنة أبحاث الزلازل الحكومية. واستناداً إلى حساب الفترات الفاصلة بين كلّ زلزالٍ كبير، حذّرت الحكومة من احتمالٍ يتراوح بين 70% و80% بأن تتعرّض اليابان لزلزالٍ آخر في خندق Nankai خلال 30 عاماً، ومن المتوقّع أن تتراوح قوّته بين 8 و9 درجات.
بيد أنّ هذه التوقّعات العلمية ليست محلّ إجماع. يرى بعض المختصّين أنّ الزلازل لا تقع في دوراتٍ منتظمة يمكن التنبّؤ بها، وحتى المؤمنون بصحّة هذه التوقّعات يتساءلون عن الجدوى العملية من إصدار تنبّؤاتٍ بعيدة المدى وغير دقيقة.
أمّا أفضل ما يمكن لليابان فعله الآن، بحسب عدد من الخبراء، فهو مواصلة الاستعداد سدّ الثغرات في المناطق الأقلّ جاهزيةً، وتعزيز الوعي العام بإجراءات الاستجابة للطوارئ.
أخبار ذات صلة

أمطار الرياح الموسمية في باكستان: الفيضانات تتجاوز 100 قتيل

حرائق الغابات تُجلّي أكثر من 360 ألف شخص في فرنسا وإسبانيا

ضحايا حرائق إسبانيا لقوا حتفهم وهم يحاولون الفرار عبر مسار نهري أصبح "فخاً"
