خَبَرَيْن logo

أزمة المياه في إيران تتفاقم وسط الحرب والصراع

تواجه إيران أزمة مائية خانقة تفاقمت بسبب الحرب، حيث تتراجع مواردها المائية وسط سوء الإدارة والاحترار العالمي. تعرف على الأسباب والتداعيات التي أدت إلى هذا الوضع المأساوي وكيف أثر الصراع على البنية التحتية. خَبَرَيْن.

عمال يقومون بتحميل خزانات مياه بلاستيكية على سيارة في موقع تخزين، وسط أزمة مياه حادة في إيران.
يتسوق الناس لشراء خزانات تخزين المياه بعد أزمة جفاف في طهران، إيران، 10 نوفمبر 2025.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

بينما تخوض إيران مفاوضاتٍ مع الولايات المتحدة لإنهاء حربٍ امتدّت ثلاثة أشهر، تجد نفسها في مواجهة أزمةٍ مائية طالما غطّت عليها تداعيات الصراع. لم تكن إيران بمنأى عن هذه الأزمة قبل اندلاع الحرب، إذ كانت تعاني أصلاً من جفافٍ متعدّد السنوات وتراجعٍ ملحوظ في معدّلات الأمطار، غير أنّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضاعفت الأعباء بعد أن طالت الضربات محطّات تحلية المياه وخطوط الأنابيب وسائر البنية التحتية المدنية.

مصادر المياه الرئيسية في البلاد من خزّانات وأنهار ومياه جوفية تتجه نحو النضوب جرّاء سنواتٍ من سوء الإدارة، تجلّت في ممارساتٍ زراعية مُستنزِفة، وإفراطٍ في بناء السدود، وتصاعدٍ في حفر الآبار. وبحسب بيانات Aqueduct الصادرة عن معهد World Resources Institute لقياس مخاطر المياه، فإنّ إيران تقع في الفئة "شديدة الخطورة"، بمعنى أنّها تستهلك في المتوسّط أكثر من 80 بالمئة من مواردها المائية المتجدّدة سنوياً.

كيف كانت الأوضاع قبل الحرب؟

في نوفمبر 2025، عاشت إيران أشدّ أزماتها المائية منذ عقود، في أعقاب خمس سنواتٍ متتالية من الجفاف أفضت إلى شبه إفراغٍ كامل لاحتياطيات المياه في أرجاء البلاد.

بلغ الأمر حدّاً دراماتيكياً حين لم تتجاوز نسبة امتلاء سدّ أمير كبير في طهران 8 بالمئة من طاقته الاستيعابية، فيما جفّت 19 سدّاً رئيسياً بالكامل في مناطق مختلفة من البلاد.

آنذاك، حذّر الرئيس مسعود بزشكيان من أنّه إن لم تهطل الأمطار بحلول ديسمبر، ستُفرض قيود على المياه، وإن استمرّ الجفاف، فقد تضطرّ طهران إلى إخلاء سكّانها. وعلى الرغم من تفادي سيناريو الإخلاء، فإنّ أزمة المياه أشعلت موجةً من الاحتجاجات في ديسمبر 2025 وامتدّت إلى يناير 2026، احتجاجاً على تردّي الأوضاع المعيشية وارتفاع معدّلات التضخّم.

ولم تكن هذه المرّة الأولى؛ فقد شهدت محافظة خوزستان جنوب إيران احتجاجاتٍ مماثلة عام 2021 بسبب شحّ المياه، وسبقتها احتجاجاتٌ عام 2018 اتّهم فيها المحتجّون الحكومة بالإهمال وسوء الإدارة.

كيف وصلت الأمور إلى هذا الحدّ؟

أزمة المياه الإيرانية ليست وليدة سببٍ واحد، بل هي نتاج تضافر عواملٍ متشابكة: تغيّر المناخ، والممارسات الزراعية المُستنزِفة، والإفراط في حفر الآبار، وتراجع منسوب المياه الجوفية، وضعف الحوكمة.

أدّى الاحترار العالمي إلى اضطرابٍ في أنماط هطول الأمطار، ما أفضى إلى موجات جفافٍ متكرّرة وارتفاعٍ في معدّلات تبخّر المياه، وكلاهما يُلقي بظلاله الثقيلة على الموارد المائية المتاحة.

منذ الثورة الإسلامية عام 1979، تبنّت إيران سياسة الاكتفاء الذاتي التي ازداد الإمساك بها في ظلّ العقوبات الدولية. وأعطت الحكومة الأولوية للأمن الغذائي، فشجّعت زراعة محاصيل كالأرز والقمح في مناطق لا تتحمّل طبيعتها الاستهلاك المرتفع للمياه. وقد أسهمت العقوبات بدورها في تعطيل مساعي تحديث البنية التحتية المائية.

فوق ذلك، أدّت سياسات دعم أسعار المياه والكهرباء إلى الإفراط في الريّ وضخّ المياه الجوفية بصورةٍ مجحفة، إذ تستأثر سياسة الاكتفاء الذاتي وحدها بنحو 90 بالمئة من إجمالي استهلاك إيران للمياه.

ولعلّ نهر زاينده رود في محافظة أصفهان خير مثالٍ على هذا الواقع المرير؛ فهو يجفّ معظم أشهر السنة جرّاء الصناعات كثيفة الاستهلاك المائي المنتشرة على ضفافه، كصناعة الصلب والأراضي الزراعية المستصلحة.

البروفيسور Kaveh Madani، مدير معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة (UNU-INWEH)، الذي ابتكر مصطلح "الإفلاس المائي" للدلالة على استنزاف إيران لمواردها المائية بما يتجاوز ما تملك، يرفض اختزال الأزمة في سببٍ واحد.

وقال Madani : "لم تعامل إيران الماء باعتباره حدّاً للنموّ، كما فعلت بعض الدول الطموحة الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وها نحن نجني النتائج؛ لأنّك حين تواصل الاستثمار في البنية التحتية وتوسيع رقعة الزراعة، تصطدم في نهاية المطاف بسقفٍ طبيعي لا تستطيع تجاوزه."

و أضاف في معرض حديثه عن سوء الإدارة: "الأمر مرتبط بكيفية تشابك قرارات التنمية وقرارات المياه وتأثيرها المتبادل. الإيرانيون كانوا يعتريهم ما أسمّيه ظمأ التنمية في أعقاب الثورة، وأرادوا إثبات أنفسهم أمام العالم، فأفرطوا في الاعتماد على التكنولوجيا وأصبحوا من أكبر بنّائي السدود في العالم، مواصلين التوسّع دون استشراف ما قد يجلبه تغيّر المناخ."

كيف زادت الحرب الأمور سوءاً؟

في 7 مارس، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنّ الولايات المتحدة قصفت محطّة تحلية مياه عذبة في جزيرة قشم بمضيق هرمز، ممّا أثّر على إمدادات المياه لنحو 30 قرية.

وفيما تُهدّد الضربات التي طالت البنية التحتية للطاقة إمدادات المياه، فإنّ حجم الأضرار الكاملة لا يزال يصعب تقييمه في ظلّ استمرار الحرب. بيد أنّه حين تنطلق إيران في مسار إعادة الإعمار عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية، فإنّ أزمة المياه ستتفاقم على الأرجح مع تحويل الموارد نحو جهود الإعمار.

علاوةً على ذلك، خلّفت الحرب أضراراً بيئية بالغة، في مقدّمتها تلوّث الهواء الناجم عن حرائق منشآت النفط والغاز، وهو ما يُسهم بدوره في تعجيل وتيرة تغيّر المناخ.

وفي تحليلٍ جديد نشره موقع LiveScience، رصد الباحثون أنّه بين 28 فبراير و14 مارس، أطلقت الحرب ما يقارب 5.6 مليون طنٍّ من ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة الأخرى، جرّاء تدمير المدارس والمنازل والمباني.

ماذا تفعل إيران لمواجهة الأزمة؟

مع انشغال الحكومة بتداعيات الحرب، لجأت إيران في نوفمبر إلى تقنية البذر السحابي (Cloud Seeding)، وهي عملية رشّ أملاحٍ كيميائية في السحب لاستحثاث هطول الأمطار والتحايل على الجفاف.

كما أعلنت السلطات عن خططٍ لفرض غراماتٍ على الأسر والمنشآت التجارية التي تتجاوز حصصها المقرّرة من المياه.

وفي خطابٍ له يوم السبت، شنّ الرئيس بزشكيان هجوماً على ظاهرة حفر الآبار غير المرخّصة والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية، داعياً إلى تبنّي التكنولوجيا الحديثة وإطلاق حملاتٍ توعوية بأهمية إدارة الموارد المائية.

ودعا وفق ما نقلته وكالة أنباء Mehr إلى "التخطيط والبحث لتوسيع الأساليب الزراعية الحديثة، بما فيها الزراعة المحمية المتطوّرة، والزراعة المائية (Hydroponic)، وأنظمة الزراعة الهوائية (Aeroponic)، وغيرها من تقنيات الإنتاج المبتكرة."

في المقابل، يُلمح Madani إلى بصيصٍ من الأمل، مشيراً إلى أنّ هذا العام جاء "رطباً" نسبياً.

وقال: "معدّلات هطول الأمطار على مستوى البلاد بأسرها تجاوزت المعدّل الطبيعي هذا العام، ما يجعله عاماً رطباً، على النقيض من السنوات الخمس الماضية التي كانت جافّة في معظمها."

أخبار ذات صلة

Loading...
فريق من العاملين في المجال الصحي يرتدي ملابس واقية، يقومون بحفر قبر في منطقة نانيوكي بكينيا، وسط مخاوف من انتشار الإيبولا.

الخدمات الطبية الأمريكية في كينيا: لماذا تثير مختبرات الإيبولا غضباً محلياً؟

في كينيا، حيث يلتقي القلق الشعبي مع الأزمات الصحية، تشتعل الاحتجاجات ضد منشأة طبية لمواجهة الإيبولا. هل ستنجح الحكومة في تهدئة المخاوف؟ اكتشف التفاصيل المثيرة حول هذا الصراع الدبلوماسي والشعبي.
أزمات إنسانية
Loading...
مظاهرة في Mossel Bay، حيث يحمل المشاركون علم جنوب أفريقيا، تعبيرًا عن الاحتجاجات ضد الهجرة والعنف الموجه ضد المهاجرين.

موزمبيق: مقتل 5 مواطنين في هجمات عنصرية بجنوب أفريقيا

في Mossel Bay، تتفاقم الأوضاع مع تصاعد العنف ضد المهاجرين، مما أدى إلى مقتل خمسة موزمبيقيين وتهجير العديد. هل ستستمر هذه الموجة من الكراهية؟ تابعوا التفاصيل حول هذه الأحداث المأساوية وتأثيراتها.
أزمات إنسانية
Loading...
طفل يرتدي قبعة التخرج وزيّاً أكاديمياً، يشير بفخر إلى كلمة "THE GRAD" مع تفاحة حمراء، معبراً عن فرحة التخرج والإنجاز.

كيف خذل العالم ريان ويمان

في ظلام الأنقاض، حيث يختلط الألم بالذكريات، تكشف قصة أم فقدت طفليها في حرب غزة. كيف يمكن للعالم أن يتجاهل هذه المآسي؟ انضم إلينا لاستكشاف معاناة الأمهات الفلسطينيات وما وراء الأرقام.
أزمات إنسانية
Loading...
مي سينغفامالاي، الحلاق البالغ من العمر 23 عاماً، يتلقى المساعدة بعد خروجه من كهف في لاوس، حيث قضى 11 يوماً في الظلام.

الناجون من كهف لاوس: كيف وجدوا الشجاعة لإنقاذ أنفسهم

في أعماق كهفٍ مظلم، عاش خمسة رجال تجربة مرعبة استمرت أحد عشر يوماً، محاطين بالخوف والأمل. هل سينجحون في الخروج من الظلام؟ اكتشف القصة الملهمة لهؤلاء الناجين، وشارك تجاربهم المدهشة في مواجهة الصعاب.
أزمات إنسانية
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية