خَبَرَيْن logo

قصة مينو باترا من الترجمة إلى الاحتجاز

اعتُقلت مينو باترا، مترجمة المحاكم، أثناء سفرها إلى ميلووكي، لتواجه نظام الهجرة الذي عرفت تفاصيله من الجانب الآخر. قصة مؤثرة عن الأمل، الخوف، والظلم، تكشف عن معاناة المهاجرين وتجربة غير متوقعة. اقرأ المزيد على خَبَرَيْن.

مينو باترا ترتدي ثوبًا تقليديًا، وتقف مبتسمة في حديقة بجوار بركة سباحة، تعكس قصتها ك مترجمة في قضايا الهجرة.
مينو باترا، مترجمة في قاعة المحكمة، تم احتجازها من قبل وزارة الأمن الداخلي لأكثر من ستة أسابيع في تكساس.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مطار صغير على بُعد 30 دقيقة من الحدود الأمريكية المكسيكية، كانت مينو باترا تستعدّ لركوب رحلتها المعتادة. تحمل معها وثائق عملها، وبطاقة هويّتها، وسنواتٍ طويلة من الخبرة في قاعات المحاكم. كانت متّجهةً إلى ميلووكي لتترجم شهادةً في قضية جنائية عمل اعتادت عليه منذ سنوات. لكنّ ما حدث في ذلك اليوم من مارس 2026 لم يكن في أيٍّ من حساباتها.

باترا، التي أمضت سنواتٍ طويلة مترجمةً في محاكم الهجرة بولاية تكساس، تعرّفت على الوجه الآخر لمنظومة الهجرة حين احتجزتها وزارة الأمن الداخلي (DHS) في مطار Valley International في مدينة Harlingen بتكساس. كانت تعرف قواعد اللعبة من الجانب الآخر من جانب المترجم الذي يُوصل الأخبار السيّئة والجيّدة على حدٍّ سواء. لم تكن تتوقّع أن تصبح يوماً هي الشخص الجالس في قفص الاتهام.

أمل في حياةٍ أفضل

جاءت مينو باترا إلى الولايات المتحدة عام 1991، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، تحمل جرحاً عميقاً لم يندمل بعد. في عام 1984، اغتالت حارستان من الحرس الشخصي السيخ رئيسةَ الوزراء الهندية إنديرا غاندي، فأشعل ذلك موجةً من المجازر المنظّمة ضدّ السيخ في أرجاء الهند. كان والدا باترا بين ضحايا تلك الموجة الدموية.

قالت باترا: "فقدت الإحساس بكلّ شيء" بعد مقتل والديها. وحين قرّرت المجيء إلى الولايات المتحدة، كانت تترك خلفها كلّ ما هو مألوف: "كنت أترك كلّ شيء أعرفه، أصدقائي. لم تتح لي الفرصة لأودّع كثيرين منهم."

التحقت بإخوتها الأكبر سنّاً الذين كانوا مقيمين بالفعل في الولايات المتحدة، وتقدّمت بطلب لجوء. وفي عام 2000، في عهد الرئيس Bill Clinton، أصدر قاضٍ للهجرة بحقّها أمر ترحيل نهائياً غير أنّه في اليوم ذاته منحها ما يُعرف بـ"تعليق الترحيل" (withholding of removal)، وهو حمايةٌ قانونية مشابهة للجوء تمنع ترحيلها إلى الهند. لم تطعن الحكومة في ذلك القرار، وأُفرج عنها، وأمضت الـ25 سنة التالية دون أيّ تعاملٍ رسمي مع سلطات الهجرة.

أقامت باترا لفترةٍ على الساحل الشرقي قبل أن تنتقل إلى تكساس عام 2002، حيث وجدت في مهارتها اللغوية بوّابةً لمهنةٍ جديدة. كانت تقطن على بُعد 30 دقيقة فقط من الحدود الأمريكية المكسيكية، حيث تنتشر مراكز احتجاز وزارة الأمن الداخلي، وحيث اكتشفت حاجةً ماسّة إلى مترجمين في لغات جنوب آسيا.

لم تكن بداياتها في محاكم الهجرة سهلة. قالت: "كنت تمرّ بإجراءات التفتيش الأمني. كان ذلك مثيراً للتوتّر دائماً. ثمّ ترى المحتجزين قادمين، وأحياناً يكونون مقيّدين بالسلاسل، فتتساءل: لماذا هم مقيّدون هكذا؟" لكنّها تمسّكت بالعمل حين أدركت أهمية أن يفهم المهاجرون ما يجري في قاعة المحكمة وأن يشاركوا فعلياً في قضاياهم. "كان الأمر يُشعرني بالرضا دائماً حين أستطيع إيصال أخبار جيّدة إليهم."

أصبحت المترجمة القضائية المعتمدة الوحيدة في لغات الهندية والبنجابية والأردية في ولاية تكساس بأسرها، وترجمت في عشرات قضايا الهجرة قبل أن تنتقل للعمل في المحاكم الجنائية والمدنية. غرست تلك السنوات فيها احتراماً عميقاً للمنظومة القانونية الأمريكية، وإيماناً بأنّ "ثمّة طريقة صحيحة لفعل الأشياء، وهذا بالضبط ما حاولت الالتزام به طوال 35 عاماً."

السقوط في "ثقبٍ أسود"

في 17 مارس، حين طلب منها أحد الضبّاط الخروج من طابور التفتيش الأمني في المطار، قالت باترا إنّها أحسّت كأنّها تسقط في "ثقبٍ أسود." "الخوف والخدر اجتاحا جسدي"، وصفت تلك اللحظة. وكان يدور في ذهنها أيضاً القلق على جلسة المحاكمة في ميلووكي التي كانت مستأجرةً للترجمة فيها: "لم يحدث قطّ أن تأخّرت عن عملي، والآن سأكون غائبةً كلياً."

ظلّت تتمسّك بأملٍ واهٍ حتى لحظة وصولها إلى مركز الاحتجاز أملٌ في أنّ "هذا مجرّد خطأٍ كبير"، وأنّ الضبّاط سينظرون في وثائقها ويتركونها تمضي. لكنّ ذلك لم يحدث. جرى تسجيلها في مركز احتجاز El Valle في مدينة Raymondville بتكساس، حيث قضت 45 يوماً وصفتها بـ"الطويلة الغريبة."

وصفت باترا عملية الاعتقال والتسجيل والاحتجاز بأنّها كانت "مهينة": "تصبح أصغر وأصغر مع كلّ لحظة. حتى قبل أن أجد نفسي في الزنزانة، بدأت أشعر بالسجن."

وصفت وزارة الأمن الداخلي باترا بأنّها "أجنبية غير شرعية"، وقالت إنّها اعتُقلت في إطار "عملية إنفاذ موجّهة." وحين سُئل متحدّث باسم الوزارة عن قضيّتها، قال: "سنواصل العمل من أجل ترحيل الأجانب غير الشرعيين الذين لا حقّ لهم في البقاء في بلدنا."

محامي باترا، Deepak Ahluwalia، يعتقد أنّها استُهدفت في المطار بناءً على بيانات قائمة ركّاب الرحلة. واستند إلى تحقيق نشرته وكالة Reuters يكشف أنّ إدارة أمن النقل (TSA) شاركت أكثر من 31,000 سجلّ مسافر مع دائرة الهجرة وإنفاذ الجمارك (ICE) لأغراض تنفيذ قوانين الهجرة، ما أفضى إلى اعتقال أكثر من 800 شخص. لم تردّ وزارة الأمن الداخلي على تساؤلات بشأن ما إذا كانت TSA قد شاركت بيانات باترا مع ICE، واكتفت بتكرار أنّها استُهدفت لوجودها في الولايات المتحدة "بصورةٍ غير قانونية"، مع إبراز العبارة بالخطّ العريض في ردّها.

صورة لعائلة تتكون من خمسة أفراد، يقفون معًا أمام منظر طبيعي على البحر، مع تعبيرات سعيدة، تعكس لحظة عائلية مميزة.
Loading image...
باترا مع أطفالها. مينو باترا

كونها تتحدّث الإنجليزية بطلاقة وتفهم قوانين الهجرة من سنوات عملها مترجمةً، رأت باترا في نفسها شخصاً يتمتّع بـ"امتياز" نسبي داخل مركز الاحتجاز، ومن ثَمَّ شعرت بمسؤولية مساعدة المحتجزين الآخرين على فهم حقوقهم والدفاع عن أنفسهم. بعضهم كان خلف القضبان منذ سنوات.

وبسبب حمايتها القانونية من الترحيل إلى الهند، كانت باترا تخشى أن تُرحَّل إلى بلدٍ تمزّقه النزاعات ولا تربطها به أيّ صلة كجنوب السودان أو جمهورية الكونغو الديمقراطية، اللتَين رحّلت إليهما الولايات المتحدة أشخاصاً من قبل. وكان قد أصدر قاضٍ فيدرالي في فبراير حكماً يقضي بعدم مشروعية ممارسة الترحيل إلى دولٍ ثالثة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، وإن كانت وزارة الخارجية قد دافعت عنها على نطاقٍ واسع وفق ما ورد.

"واقعٌ جديد"

في الأيام التي أعقبت احتجازها، اتّصلت باترا بابنتها البالغة في انعكاسٍ مؤلم لدورها المعتاد بوصفها أمّاً عزباء اعتزّت دائماً بكونها مصدر الدعم والاستقرار لأبنائها. سارعت ابنتها إلى توكيل محامٍ للهجرة للدفاع عن أمّها، وتقدّم الفريق القانوني في 26 مارس بالتماس "المثول أمام القضاء" (habeas corpus)، وهو إجراءٌ قانوني شهد تصاعداً حادّاً في قضايا الهجرة منذ عودة Trump إلى السلطة.

في 30 أبريل، أصدر القاضي الفيدرالي Rolando Olvera أمراً بالإفراج الفوري عن باترا، وحظر احتجازها من جديد "إلى أن تُزوَّد بإشعارٍ بأسباب إعادة الاحتجاز وفرصةٍ للردّ." وكتب القاضي في حكمه أنّ باترا "اعتُقلت واحتُجزت دون سببٍ واضح يمكن تحديده، ودون أيّ تغيير في الظروف يؤثّر على احتمالية الترحيل."

قالت باترا إنّها لم تصدّق أنّها حرّةٌ فعلاً إلا حين كانت ابنتها تقودها بعيداً عن مركز الاحتجاز. انهارت باكيةً وكان ذلك تفريغاً لأسابيع من الابتعاد عن عائلتها.

الأمر المؤقّت الذي يحول دون احتجازها مجدّداً كان مقرّراً انتهاؤه في 27 مايو. ويتوقّع محاميها Ahluwalia أن يُبتّ في التماس المثول أمام القضاء لصالحها، ممّا يُبقيها بعيدةً عن الاحتجاز.

لكنّ تداعيات ما مرّت به لا تزال تُلقي بظلالها على حياتها اليومية. قالت باترا إنّ ابنتها تعاني من اضطرابات النوم منذ عودة أمّها إلى المنزل، وتقفز مذعورةً كلّما مرّت سيارةٌ في الشارع خشية أن "يأتي أحدٌ ليأخذ ماما." قالت باترا: "هذا هو الواقع الجديد الذي نعيشه." فالعيش قرب الحدود يعني أنّ مركبات وزارة الأمن الداخلي وعناصرها مشهدٌ متكرّر تذكيرٌ دائم بما مرّت به، وبمستقبلٍ لا يزال ضبابياً.

ثمّة بصيصٌ من الأمل في الأفق: فأحد أبناء باترا التحق بالجيش الأمريكي قبل أشهر من احتجازها، وهو ما قد يفتح أمامها طريقاً للحصول على بطاقة الإقامة الدائمة (Green Card) عبر برنامج "الإفراج المشروط في مكان الإقامة" (parole-in-place)، وفق ما أوضح محاميها.

قال Ahluwalia إنّه كان "مصدوماً" من مساعي الحكومة لاحتجاز باترا وترحيلها. وأضاف: "أعتقد أنّنا بحاجة إلى إعادة الرحمة والبُعد الإنساني إلى منظومة تطبيق قوانين الهجرة، وإلّا سنفقد أنفسنا."

أمّا باترا، فلا تزال تتمسّك بإيمانها بالقيم الأمريكية. قالت: "هذا البلد مبنيٌّ على أناسٍ يريدون العمل بجدٍّ، وهذا حقٌّ إنساني أساسي أن نحلم وأن نسعى لحياةٍ أفضل لأنفسنا."

وأضافت: "أؤمن بأنّنا يجب أن ندافع عن تلك المُثُل، وأن نحميها، وأن نضمن بقاءها للأجيال القادمة."

في مكانٍ ما على الحدود بين تكساس والمكسيك، تعود مينو باترا كلّ يومٍ إلى بيتٍ لم تكن متأكّدةً أنّها ستراه مجدّداً. ابنتها لا تنام جيّداً بعد. وكلّ سيارةٍ تمرّ في الشارع تحمل في صوتها ذكرى تلك الأيام الـ45. لكنّها تقول إنّها ستواصل الكلام ليس فقط من أجل نفسها، بل من أجل كلّ من لا يملك صوتاً في تلك القاعات التي أمضت عمرها تترجم فيها.

أخبار ذات صلة

Loading...
فريق من العاملين في المجال الصحي يرتدي ملابس واقية، يقومون بحفر قبر في منطقة نانيوكي بكينيا، وسط مخاوف من انتشار الإيبولا.

الخدمات الطبية الأمريكية في كينيا: لماذا تثير مختبرات الإيبولا غضباً محلياً؟

في كينيا، حيث يلتقي القلق الشعبي مع الأزمات الصحية، تشتعل الاحتجاجات ضد منشأة طبية لمواجهة الإيبولا. هل ستنجح الحكومة في تهدئة المخاوف؟ اكتشف التفاصيل المثيرة حول هذا الصراع الدبلوماسي والشعبي.
أزمات إنسانية
Loading...
عمال يقومون بتحميل خزانات مياه بلاستيكية على سيارة في موقع تخزين، وسط أزمة مياه حادة في إيران.

إيران والأزمة المائية: كيف فاقمت الحرب الجفاف

تعيش إيران أزمة مائية خانقة، تفاقمت بفعل الحرب، مما أدى إلى تراجع حاد في الموارد المائية. اكتشف كيف أثر سوء الإدارة وتغير المناخ على واقع البلاد، واستعد لتفاصيل مثيرة حول هذا التحدي. تابع القراءة!
أزمات إنسانية
Loading...
مظاهرة في Mossel Bay، حيث يحمل المشاركون علم جنوب أفريقيا، تعبيرًا عن الاحتجاجات ضد الهجرة والعنف الموجه ضد المهاجرين.

موزمبيق: مقتل 5 مواطنين في هجمات عنصرية بجنوب أفريقيا

في Mossel Bay، تتفاقم الأوضاع مع تصاعد العنف ضد المهاجرين، مما أدى إلى مقتل خمسة موزمبيقيين وتهجير العديد. هل ستستمر هذه الموجة من الكراهية؟ تابعوا التفاصيل حول هذه الأحداث المأساوية وتأثيراتها.
أزمات إنسانية
Loading...
طفل يرتدي قبعة التخرج وزيّاً أكاديمياً، يشير بفخر إلى كلمة "THE GRAD" مع تفاحة حمراء، معبراً عن فرحة التخرج والإنجاز.

كيف خذل العالم ريان ويمان

في ظلام الأنقاض، حيث يختلط الألم بالذكريات، تكشف قصة أم فقدت طفليها في حرب غزة. كيف يمكن للعالم أن يتجاهل هذه المآسي؟ انضم إلينا لاستكشاف معاناة الأمهات الفلسطينيات وما وراء الأرقام.
أزمات إنسانية
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية