اعتقال مهندسين كوريين في أمريكا يثير أزمة قانونية حادة
في إيلابيل جورجيا اعتُقل مئات العمال الكوريين الجنوبيين في غارة كبيرة داخل مصنع هيونداي بتهمة انتهاك قوانين الهجرة رغم حملهم تأشيرات قانونية. قضية تكشف التوتر بين دعم التصنيع المحلي وتشديد قوانين الهجرة في أمريكا خَبَرَيْن

في مدينة إيلابيل الصغيرة بولاية جورجيا الأمريكية، وفي صبيحة الرابع من سبتمبر 2023، لم يكن المهندسون الكوريون الجنوبيون الذين توجّهوا إلى مصنع Hyundai لتركيب المعدات يتوقّعون أن يُقضوا ما تبقّى من يومهم مكبّلين بالأصفاد. جاؤوا لتدريب العمال الأمريكيين وإعداد خطوط إنتاج السيارات الكهربائية، لكنّهم وجدوا أنفسهم في مواجهة ما وصفه محامي الدفاع عنهم بـ«اقتحام» نفّذته مئات العناصر الفيدرالية والمحلية المدجّجة بالسلاح.
اليوم، يتحوّل ذلك الاقتحام إلى معركة قانونية مفتوحة: أكثر من 300 عامل كوري جنوبي يُقدّمون مطالبات إدارية ضد الحكومة الأمريكية، متّهمين إيّاها بالاعتقال غير المشروع وسوء المعاملة، في قضية باتت تكشف التناقض الحادّ بين سياستَين أمريكيتَين تسيران في اتجاهَين متعاكسَين: تشجيع التصنيع المحلي وتشديد تطبيق قوانين الهجرة.
ما الذي جرى في ذلك الصباح؟
وفقاً لما وثّقته المطالبات القانونية، نشرت وكالة Immigration and Customs Enforcement (ICE) ما يقارب 500 عنصر من الأجهزة الفيدرالية والولائية والمحلية في عملية وصفتها الوكالة بأنّها الأكبر من نوعها على مستوى موقع عمل واحد ضمن عمليات التحقيقات الأمنية التابعة لوزارة الأمن الداخلي (DHS). اعتُقل في تلك الغارة 475 عاملاً، معظمهم كوريون جنوبيون تتراوح أعمارهم بين العشرينيات والستينيات.
لكنّ ما يثير الاستغراب، بحسب المطالبات المقدَّمة، أنّ الغارة كانت تستهدف في الأصل أربعة أفراد بعينهم لم يكن أيٌّ منهم من بين الكوريين المعتقلين.
يروي العامل الذي اختار اسم «Ryu» كاسم مستعار لحماية هويّته: «حتى بعد أن اعتُقلنا تماماً، لم نكن نعرف لماذا أُخذنا، ولا ما الجريمة التي ارتكبناها. لم يكن أحدٌ يعرف شيئاً. كان الجميع في حيرة تامّة».
أمّا العامل «Kim» الذي بات المنظّم الرئيسي لهذه المطالبات القانونية فيؤكّد أنّ عنصراً من ICE قال له صراحةً: «قد يعذّبونك»، وهو ما وثّقه في مطالبته الرسمية. ويصف Kim المشهد بقوله: «لم يكن ثمّة أيّ تفسير، ومع ذلك حدث لنا هذا».
أصفاد وغرف مكتظّة وأوراق لم يفهموها
تصف المطالبات المقدَّمة بموجب قانون المطالبات الفيدرالية التعسّفية (Federal Tort Claims Act) سلسلةً من الانتهاكات: اعتقال دون توضيح أسباب، وغياب مترجمين، وتكبيل بالأصفاد، وإجبار على التوقيع على وثائق لم يفهم أصحابها مضمونها.
نُقل المعتقلون إلى مرفق ICE في مدينة Folkston بجورجيا، حيث احتُجزوا لمدد وصلت إلى 7 أيام في ظروف وصفها المطالبون بأنّها قاسية: 80 رجلاً في غرفة واحدة، مع عدد قليل من دورات المياه، وبرودة شديدة، وطعام وماء رديئَي الجودة.
تشمل المطالبات القانونية اتّهامات بالسجن ، وإساءة استخدام الإجراءات القانونية، والإيذاء النفسي المتعمّد، وتطالب بتعويضات عن خسائر في الأجور وأضرار نفسية ومقتنيات مصادَرة. وقد وُجّهت هذه المطالبات إلى تسعة أجهزة فيدرالية، من بينها FBI ووزارتا العدل والعمل.
المحامي الكوري المدافع عن العمال لم يُخفِ غضبه في صياغة موقفه: «استخدمت الحكومة الأمريكية ذريعة زائفة تتمثّل في البحث عن أربعة أشخاص غير موثّقين لإرسال مئات العناصر بكامل تسليحهم لاقتحام موقع عمل شركة كورية تُعدّ من أكبر المساهمين في الاقتصاد الأمريكي». ثمّ أضاف: «أمام العالم كلّه، وضعوا مهندسين جاؤوا بصورة قانونية لتركيب معدات في الأصفاد والقيود، وساقوهم كالمجرمين، مُشوِّهين سمعة الكوريين أمام العالم كأنّ الشركات الكورية تغزو سوق العمل الأمريكي».
تأشيرات ملتبسة في عالم التصنيع المتشابك
الحكومة الأمريكية، ممثَّلةً في DHS وهيئة حماية الحدود والجمارك (CBP)، تتمسّك بموقفها: المعتقلون كانوا يعملون بصورة غير قانونية أو ينتهكون شروط تأشيراتهم؛ بعضهم دخل البلاد بصورة غير نظامية، وبعضهم تجاوز مدّة الإقامة المسموح بها، وآخرون استخدموا إعفاءات تأشيرات تحظر العمل.
غير أنّ المطالبات تكشف أنّ بعض المعتقلين كانوا يحملون تأشيرات سارية المفعول ولم يُخبَروا بأيّ سبب لاعتقالهم. والأكثر إثارةً للتساؤل أنّ بعض هؤلاء العمال عادوا لاحقاً للعمل في المصانع الأمريكية ذاتها، وبالتأشيرات نفسها، بين يونيو وأغسطس 2024.
جوهر الإشكالية يكمن في التأشيرة من فئة B-1، وهي تأشيرة زيارة عمل تُجيز للحاملها المشاركة في التدريب وإعداد المعدات، لكنّها تحظر صراحةً العمل الإنتاجي أو تلقّي راتب من جهة أمريكية. العمال الكوريون كانوا يتقاضون رواتبهم بالعملة الكورية الجنوبية (الوون)، ويُقدّمون تدريباً مكثّفاً للعمال الأمريكيين وهو ما يرى المدافعون عنهم أنّه يقع ضمن نطاق ما تُجيزه التأشيرة. لكنّ الحكومة ترى خلاف ذلك.
Hyundai Metaplant في Ellabell يضمّ مصنعاً للسيارات الكهربائية ومصنعاً مشتركاً للبطاريات مع شركة LG الكورية. بعد الغارة، استُؤنفت أعمال إنشاء مصنع البطاريات في نوفمبر 2023 بمزيج من العمال الجدد والعائدين، وانطلق الإنتاج التجاري في أبريل 2024، مع أوّل شحنة من خلايا البطاريات في مايو 2024. يوظّف المصنع اليوم أكثر من 500 عامل، غالبيتهم من المنطقة المحلية، لكنّه لا يزال يعتمد على متخصّصين أجانب للأعمال التقنية الدقيقة وهو ما يُجسّد المعضلة بعينها التي أفضت إلى الغارة.
بعد الحادثة، باتت الشركة تُزوّد عمّالها ببطاقات تُدرج عليها نوع التأشيرة وجهة العمل والمسمّى الوظيفي، ليُبرزوها أمام عناصر الهجرة عند الحاجة.
ما الذي يمكن أن يُحقّقه القانون؟
يُلزم قانون المطالبات الفيدرالية التعسّفية المتضرّرين بتقديم مطالبات إدارية قبل اللجوء إلى القضاء. وقد قُدّمت أولى هذه المطالبات قبل نهاية عام 2023، مع توقّع استكمال جميعها بحلول نهاية العام ذاته.
لكنّ الطريق القانوني ليس مفتوحاً على مصراعَيه. يُحذّر خبراء القانون من أنّ الحكومة قد تتذرّع بـ«استثناء الوظيفة التقديرية» (discretionary function exception) لتفادي المسؤولية، وهو استثناء يُعفي الأجهزة الحكومية من المساءلة حين تمارس صلاحيات تقديرية. ولم تردّ ICE ولا وزارة الخارجية الكورية الجنوبية على الأسئلة المتعلّقة بمشروعية الغارة أو ظروف الاحتجاز.
غير أنّ السوابق القانونية تُشير إلى إمكانية الفوز بتعويضات: غارة عام 2018 على مصنع للحوم في ولاية تينيسي انتهت بتسويات تجاوزت مليون دولار لصالح العمال المحتجزين الذين ادّعوا انتهاك حقوقهم المدنية.
الخوف الذي لا يمنع العودة
ما يبقى في الذاكرة بعد قراءة هذه الشهادات ليس فقط الإجراءات القانونية، بل الجرح الأعمق الذي تركته تلك الغارة في نظرة هؤلاء المهندسين إلى الولايات المتحدة.
يقول Kim: «قبل ذلك، كانت صورتي عن الولايات المتحدة أنّها دولة قوية وغنية وحليفة. لم أكن أشعر بأيّ قلق. لكنّها ليست عادلة حقاً، ولا أرض الحرية التي نتخيّلها عادةً».
أمّا Choi، المهندس الميداني الذي بات أحد المطالبين، فيُعبّر عمّا يؤلمه أكثر من الاحتجاز نفسه: «ما يُغضبني أكثر من أيّ شيء هو غياب أيّ اعتذار. أُخذنا جميعاً، وسُجنّا، وغادرنا الولايات المتحدة كأنّنا طُردنا منها».
ومع ذلك، يعود بعضهم. Jung، المهندس البرمجي، يُلخّص المعادلة المرّة بكلمات قليلة: «رغم خوفي، لا خيار أمامي سوى الذهاب».
في هذه الجملة القصيرة يتكثّف السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه القضية: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تستقطب الكفاءات الأجنبية اللازمة لبناء صناعتها المستقبلية من السيارات الكهربائية إلى البطاريات في ظلّ منظومة هجرة تُعامل هؤلاء الكفاءات بوصفهم تهديداً لا شريكاً؟ هذا هو السؤال الذي لم تُجب عنه بعد لا المحاكم ولا السياسة الأمريكية.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
