تأثير السياسة على الرعاية الصحية في هندوراس
في كاتاكاماس، يواجه هيكتور زيلايا تحديات صحية بعد إلغاء جراحة العيون بسبب إنهاء الحكومة الهندوراسية لعقود مع البرنامج الطبي الكوبي. كيف تتشابك السياسة مع الرعاية الصحية؟ اكتشف القصة وراء هذه الأزمة في خَبَرَيْن.

في مدينة كاتاكاماس الهندوراسية، يسير هيكتور زيلايا بخطواتٍ حذرة داخل عيادة طب العيون المهجورة، بإيقاع من لا يزال يتعلّم كيف يرى من جديد.
كان الرجل الخمسيني، ذو البنية المتينة، مقرّراً له إجراء عملية إزالة الماء الأبيض في أبريل الماضي في تلك العيادة التي تقع على سفح تلّة مشجّرة، على بُعد نحو أربع ساعات شرقي تيغوسيغالبا، عاصمة هندوراس. غير أن الجراحة أُلغيت فجأةً حين أنهت الحكومة الهندوراسية في مارس عقدها مع برنامج "Mission Miracle" الصحي الكوبي، الذي يُرسل آلاف الكوادر الطبية إلى الدول النامية، لكنّه يواجه في الوقت ذاته اتهاماتٍ من الولايات المتحدة وجهاتٍ أخرى بانتهاكات العمل القسري.
جاء القرار من الرئيس ناسري "تيتو" أسفورا، المحافظ الذي حظي بدعم الرئيس الأمريكي Donald Trump في انتخابات العام الماضي، إذ أعلن أن وجود الأطباء والممرضين والمتخصصين الطبيين الكوبيين في هندوراس لا يستوفي الاشتراطات التنظيمية المحلية.
هندوراس ليست وحدها في هذا المسار؛ فعدّة دول في الأمريكتَين أعلنت إنهاء عقودها مع البعثات الطبية الكوبية، التي تُشكّل ركيزةً في السياسة الخارجية لكوبا ومصدراً رئيسياً لعائداتها بالعملة الأجنبية. وقد أقدمت كلٌّ من جامايكا وغيانا وغواتيمالا، بل وحتى فنزويلا التي استقبلت أكبر عدد من الأطباء الكوبيين على مدى العشرين سنة الماضية على إنهاء عقودها مع هذه البعثات أو هي في طريقها إلى ذلك.
وصفت هافانا هذه القرارات بأنّها "إملاءاتٌ من واشنطن"، في ظلّ حملة ضغط دبلوماسية واقتصادية شاملة تشنّها إدارة Trump على كوبا. وفي الأسبوع الماضي، وجّهت الحكومة الأمريكية اتهاماتٍ رسمية للرئيس الكوبي الأسبق Raúl Castro البالغ من العمر 94 عاماً، في خطوةٍ تستحضر المسار الذي سبق الإطاحة بالرئيس الفنزويلي السابق Nicolas Maduro.
وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio، ابن المهاجرَين الكوبيَّين، كان صريحاً في معارضته للبرنامج؛ إذ أعلن في فبراير 2025 أن الولايات المتحدة ستفرض قيوداً على تأشيرات المسؤولين الحكوميين في الدول الثالثة المسؤولين عن البعثات الطبية الكوبية. وسرعان ما تُرجم ذلك إلى إجراءاتٍ فعلية؛ ففي العام الماضي، أعلن Rubio قيوداً على تأشيرات مسؤولين من أمريكا الوسطى وأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي والبرازيل.
وقال Rubio: "اتّخذت وزارة الخارجية خطواتٍ لتقييد إصدار التأشيرات للمسؤولين الحكوميين الكوبيين والمتواطئين معهم من دولٍ ثالثة، والمسؤولين عن برنامج تصدير العمالة الاستغلالي الكوبي. سنعزّز المساءلة أمام النظام الكوبي على قمعه لشعبه وعلى المستفيدين من العمل القسري."
بيد أن هيكتور زيلايا، كغيره من العمال ذوي الدخل المحدود في الأرياف، يرى أن البرنامج الكوبي كان الفرصة الوحيدة للحصول على رعايةٍ صحية في متناول اليد. يتراوح متوسط الأجر الشهري في هندوراس بين 400 و800 دولار بحسب المنطقة، وكانت العيادة الكوبية في كاتاكاماس الخيار الصحي العام الوحيد لجراحة العيون في أكبر محافظات البلاد. وقد اضطرّ زيلايا في نهاية المطاف إلى دفع 2,250 دولاراً في عيادة خاصة، جمعها بمساعدة عائلته.
"معظم الناس هنا لن يستطيعوا دفع هذا المبلغ"، قال.
حين تتشابك السياسة مع الصحة
البعثات الطبية الكوبية موضوع جدلٍ قائم منذ عقود: فمن جهة، تُنظر إليها البرامج التي تُعرف في كوبا بـ"البرغادات" (brigadas) باعتبارها أداةً لتوسيع الرعاية الصحية العامة في المناطق النائية كمدينة كاتاكاماس. ومن جهةٍ أخرى، يرى المنتقدون أنّها أداةٌ للعلاقات العامة في خدمة نظامٍ استبدادي يمتدّ جذوره إلى ستينيات القرن الماضي.
في أبريل الماضي، أصدرت اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان (IACHR) تقريراً مستفيضاً حاولت فيه تقديم صورةٍ أكثر توازناً، إذ أقرّت بالإسهام الإيجابي للبعثات، لكنّها في الوقت نفسه وثّقت ادعاءاتٍ بممارسات العمل القسري والأساليب الإكراهية التي تمارسها القيادة الكوبية. وأشار التقرير إلى أن الكوادر الطبية تتقاضى أجوراً متدنيةً لا تتناسب مع ما تدفعه الدول المضيفة مقابل خدماتهم، وأنّهم ممنوعون من مغادرة مواقع عملهم أو بناء علاقاتٍ مع المجتمعات التي يُرسَلون إليها، فضلاً عن إلزامهم بترديد رسائل سياسية باسم الثورة أو الحكومات المحلية.
كوبا نفت هذه الاتهامات على الدوام، ولم تردّ الحكومة الكوبية على الأسئلة التي تم توجّيهها إليها بشأن البعثات. في المقابل، يقول أفراد البعثات الذين يتحدّثون علناً من داخل كوبا حيث تتقلّص هامش حرية التعبير إنّهم يدعمون هذه البرامج بوصفها قنواتٍ لتعزيز التضامن الدولي.
في عام 2022، أجرى موقع Breakthrough News اليساري مقابلةً مع طبيبٍ كوبي عمل في غواتيمالا وليبيريا، ثمّ في إيطاليا والبرتغال حين رحّبت دول الاتحاد الأوروبي بالبعثات الكوبية إبّان جائحة كوفيد-19.
قال الدكتور Juan Alemán: "فلسفتنا هي مساعدة كلّ من نستطيع مساعدته"، مستعرضاً تاريخ البعثات الطبية منذ انطلاقتها في خمسينيات القرن الماضي بوصفها بادرةً إنسانية من الزعيم الكوبي الراحل Fidel Castro.
غير أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك؛ إذ تستخدم كوبا البعثات أيضاً لتمويل خزينة الدولة. وتُقدّر وزارة الخارجية الأمريكية عائدات كوبا من هذا البرنامج بما يصل إلى 4 مليارات دولار سنوياً، وهو رقمٌ تطعن فيه هافانا. وقد دافع الرئيس الكوبي Miguel Díaz-Canel العام الماضي عن "حقّ بلاده في توظيف التعاون الطبي مصدراً للدخل"، مستنداً إلى أن الحصار الأمريكي المفروض على كوبا يُضيّق فرص التجارة، مما يجعل البعثات الطبية صادراً كأيّ سلعةٍ أخرى.
شهاداتٌ من الداخل
أكّد اثنان من الكوادر الطبية الكوبية السابقين العاملَين في فنزويلا صحّة ما وثّقته اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان. طلبا التحدّث باسمٍ مستعار حمايةً لذويهما، وأفادا بأنّهما انضمّا إلى البعثات بحثاً عن فرصٍ اقتصادية غير متاحة في كوبا، قبل أن يصطدما بواقع الاستغلال على أيدي المسؤولين والمنظومة برمّتها.
أحدهما معالجٌ فيزيائي في الخامسة والثلاثين من عمره، خدم في بعثتَين مختلفتَين إلى فنزويلا بين عامَي 2017 و2024، ثمّ عاد إلى كوبا في نهاية مدّة خدمته، ليغادرها نهائياً العام الماضي.
"في كوبا نمزح بأن راتبك يكفي إمّا للطعام أو للملابس أو للأحذية، لكن لا يكفي للثلاثة معاً... من خلال البعثة تمكّنت من ادّخار بعض المال، لكنّني قرّرت في النهاية المغادرة".
كان في السادسة والعشرين حين سافر إلى فنزويلا للمرة الأولى كانت تلك أول مرةٍ يطأ فيها أرضاً خارج كوبا. كانت فنزويلا تعيش أزمةً اقتصادية حادّة عام 2017، لكنّ المشهد ترك فيه أثراً عميقاً. "أتذكر حين دخلت السوبرماركت للمرة الأولى، لم أصدّق أنّني أستطيع شراء ما أريد براتبي الخاص"، قال. تمكّن من ادّخار ما يزيد على 6,000 دولار خلال مدّة خدمته الأولى، وهو مبلغٌ كبير بمعايير أيّ كوبي.
انتقل منذ ذلك الحين إلى كولومبيا، حيث وجد عملاً في عيادةٍ خاصة بفضل الكفاءات التي اكتسبها خلال مشاركته في البعثات. ويرى أن المهارات الطبية للبعثات لا تزال ذات قيمة، لكنّ فكرة البعثات الصحية العامة في خدمة المصالح الجيوسياسية لدولةٍ ما باتت متجاوزة.
"كوبا كفقّاعةٍ مغلقة؛ حين تكون بداخلها يقولون لك إن بقية العالم شرّير. لكن الحقيقة أنّك لا تبدأ في فتح عينَيك إلا حين تغادر"، قال. "حلمي أن أعود يوماً ما، لكن للعودة تحتاج كوبا أن تكون مختلفة."
أخبار ذات صلة

ألمانيا تفقد مقعدها في مجلس الأمن: هل دعمها لإسرائيل السبب؟

خليل الرحمن: وزير خارجية بنغلاديش الذي فاز برئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف إطلاق نار مشروط
