موجة حرّ تعصف برولان غاروس وتختبر اللاعبين
موجة حرّ قياسية تضرب رولان غاروس، واللاعبون يعانون تحت أشعة الشمس القاسية. من انهيار Menšík إلى ابتكارات Gauff، تتجاوز التحديات حدود الملعب. اكتشف كيف تؤثر الحرارة على البطولة في خَبَرَيْن.

موجة الحرّ تضرب رولان غاروس: لاعبون يترنّحون كالأشباح وعلماء المناخ يحذّرون
في نهاية مباراةٍ استمرّت أكثر من أربع ساعاتٍ ونصف تحت شمسٍ لا ترحم، انهار اللاعب التشيكي Jakub Menšík على أرضية الملعب الترابية فور إحرازه الفوز. عُرض عليه كرسيٌّ متحرّك، لكنّه أصرّ على المغادرة بقدميه. هذه اللحظة، أكثر من أيّ نتيجةٍ أو إحصاء، تختصر ما تعيشه بطولة رولان غاروس هذا الأسبوع.
موجة حرٍّ قياسية تضرب أوروبا، وملاعب باريس الترابية تتحوّل إلى ساحة اختبارٍ لا للمهارة وحدها، بل للقدرة الجسدية على الصمود في مواجهة الطبيعة.
«من الجنون أن نلعب في هذا الجوّ»
وفقاً للمصلحة الوطنية للأرصاد الجوية الفرنسية، تجاوزت درجات الحرارة اليومية 32 درجة مئوية منذ السبت الماضي وهو رقمٌ مذهل لهذا الوقت من العام. بل إنّ هذه الأيام الحارة تجاوزت متوسّطات شهر يوليو، الذي يُعدّ تقليدياً الأشدّ حرارةً في فرنسا، وسجّلت البلاد هذا الأسبوع أعلى درجة حرارة في مايو منذ بدء التسجيل.
لا يحتاج المرء إلى خبرةٍ تكتيكية ليرى الأثر على اللاعبين. في كلّ توقّفٍ للعب، يهرع اللاعبون إلى مقاعدهم باحثين عن أيّ وسيلةٍ للتبريد. مراوح محمولة، مشروباتٌ غنية بالأملاح المعدنية، وأكياسٌ من الثلج تُضغط على الوجوه والأعناق قبل أن تذوب بسرعةٍ لا تُصدَّق. مظلّاتٌ تُمدّ للاستفادة من كلّ لحظةٍ في الظلّ. كلّ هذا، ومع ذلك، لا يكفي لإيقاف الشمس.
قال اللاعب النرويجي Casper Ruud، المصنّف السادس عشر عالمياً، إنّ الظروف جعلته «يمشي كالزومبي» بعد فوزه في الجولة الأولى بتاريخ 25 مايو.
وأضاف Ruud بعد انتصاره في خمس مجموعات على Roman Safiullin: «كان الشعور يشبه ضربة الشمس. عشتُ شيئاً مماثلاً قبل سنواتٍ حين لعبتُ في واشنطن العاصمة، واضطررتُ للانسحاب في المجموعة الثالثة. تلك كانت المرّة الوحيدة التي عشتُ فيها هذا الإحساس قبل اليوم في المجموعة الرابعة، شعرتُ بدوارٍ شديد وكنتُ أمشي كالزومبي تقريباً».
أمّا Menšík، فكان أكثر حدّةً في تعبيره. قال اللاعب التشيكي البالغ من العمر 20 عاماً عقب مباراته: «من الجنون أن نلعب في هذا الجوّ، خصوصاً تحت أشعّة الشمس المباشرة، وأن تبقى في الملعب أكثر من أربع ساعاتٍ ونصف هذا جنونٌ بكلّ المقاييس، حتى مع الاستراحات، لأنّها لا تكفي».
و أوضح أنّه بدأ يشعر بالغثيان خلال المباراة، ما حال دون تناوله أيّ سوائل تحتوي على أملاح معدنية، ثمّ أصابته تشنّجاتٌ مؤلمة مع اقتراب نهاية المباراة. وبعد تسجيل نقطة الفوز الأخيرة، سقط فوراً على أرضية الملعب الترابية. وقد عاد Menšík ليؤكّد موقفه مطالباً بمرونةٍ أكبر في تطبيق قواعد الاستراحات الصارمة في رولان غاروس.
ما يعانيه هؤلاء اللاعبون ليس مجرّد إرهاقٍ عادي. ما يحدث هو ما يُعرف بـ«قبّة الحرارة» (Heat Dome)، وهي منظومة ضغطٍ مرتفع مستمرّة تعمل كغطاءٍ على إناءٍ مغلق، تحبس الهواء الساخن وتدفعه نحو الأسفل، فترتفع درجات الحرارة إلى مستوياتٍ قياسية.
وعلى هامش الحديث عن الطقس، كان الحدث الأبرز في البطولة خروج Jannik Sinner المفاجئ في الجولة الثانية أمام Juan Manuel Cerúndolo. الرقم واحد عالمياً الذي كان يتقدّم بمجموعتين وبـ5-1 في المجموعة الثالثة، عانى جسدياً قبل أن تنقلب المباراة. غير أنّ Sinner أبى أن يُحمّل الطقس المسؤولية، إذ قال عقب المباراة: «كان وضعاً صعباً. لكن هذه هي الرياضة. كان الجوّ دافئاً لكن ليس بالشكل المجنون. أشعر أنّه كان مقبولاً للعب. لم يكن الأمر ضدّ الحرارة أو الطقس كنتُ أنا المشكلة اليوم، لكن هذا يحدث».
بيد أنّ المشاهد أظهرت Sinner متصلّباً في بعض اللحظات، عاجزاً عن التحرّك من مكانه خلال التبادلات. يصعب تصديق أنّ الحرارة لم تكن طرفاً في المعادلة.
توتّرٌ يصل إلى الأوتار
لا يقتصر تأثير الحرارة على اللاعبين وحدهم؛ المعدّات أيضاً تتأثّر، وبعض المتنافسين يبتكرون حلولاً غير مألوفة.
المراقبون المنتبهون لاحظوا أنّ بطلة الدورة الحالية Coco Gauff تضع مضاربها الاحتياطية داخل حقيبةٍ مبرّدة، وذلك على ما يبدو لحماية الأوتار من الحرارة الشديدة.
و أوضحت اللاعبة الألمانية Sabine Lisicki، التي وصلت إلى نهائي Wimbledon سابقاً، في تعليقٍ على Instagram: «توتّر الأوتار يتغيّر مع اختلاف الطقس. حين يشتدّ الحرّ، ينخفض التوتّر بسرعةٍ أكبر من المعتاد. حقائب المضارب تكون دائماً تحت أشعّة الشمس المباشرة، لذا أرادت أن أكون أكثر حذراً و وضعتها في المبرّد».
ومع توقّعات باستمرار موجة الحرّ حتى السبت، هل سنرى مزيداً من اللاعبين يبتكرون حلولاً خارج الصندوق تحت الشمس الحارقة؟
وقد تجد بعض الأنماط اللعبية في هذه الظروف ما يناسبها. الكرة تتصرّف بشكلٍ مختلف في الحرارة الشديدة؛ إذ ترتدّ بشكلٍ أعلى وتُنتج دوراناً علوياً (Top Spin) أكبر من المعتاد، وهو ما قد يصبّ في مصلحة أصحاب الإرجاعات القوية والإرسالات المدمّرة الراغبين في فرض سيطرتهم.
«جنونٌ يفوق التصوّر»
صور اللاعبين بوجوههم داخل صناديق التبريد أو بأيديهم على المراوح المحمولة ستبقى الصورة الأكثر تعبيراً عن الأسبوع الأوّل في رولان غاروس وقد يكون الأسوأ لم يأتِ بعد في السنوات المقبلة.
تغيير المناخ يُلقي بظلاله الثقيلة على موجات الحرّ كالتي تشهدها باريس هذا الأسبوع. وفقاً لمنظّمة Climate Central غير الربحية، فإنّ الحرارة التي شهدتها باريس هذا الأسبوع باتت أكثر احتمالاً بأربعة أضعافٍ على الأقلّ ممّا كانت ستكون عليه لولا تغيّر المناخ.
والمؤشّرات لا تبشّر بتحسّن. موجات الحرّ ستزداد شدّةً وتكراراً وستبدأ في وقتٍ أبكر من العام مع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب جرّاء تلوّث الوقود الأحفوري.
وقال Peter Thorne، مدير مركز ICARUS لأبحاث المناخ في جامعة Maynooth الأيرلندية: «لا يساورنا أدنى شكٍّ في أنّ موجات الحرّ كهذه باتت أكثر احتمالاً وأشدّ وطأةً بسبب تغيّر المناخ. ومع ذلك، فإنّ كثيراً من الأرقام القياسية التي تُسجَّل الآن، لا سيّما في المملكة المتحدة وفرنسا، تبلغ من الجنون حدّاً يفوق التصوّر».
خارج الملاعب، تتحوّل الحرارة الشديدة إلى كارثةٍ إنسانية. أعلنت المتحدّثة باسم الحكومة الفرنسية Maud Bregeon في تصريحٍ لشبكة TF1 الفرنسية، عن تسجيل «سبع وفياتٍ مرتبطة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بالحرارة، من بينها خمسٌ على الأقلّ بسبب الغرق، إضافةً إلى وفياتٍ مرتبطة بالحرارة الشديدة خلال أنشطةٍ رياضية».
يوم الأحد، لقي رجلٌ يبلغ من العمر 53 عاماً حتفه خلال سباقٍ للجري في باريس، وتوفّيت امرأةٌ خلال فعاليةٍ رياضية من نوع Hyrox في مدينة ليون، نقلاً عن وسائل إعلام محلّية. ولم يُؤكَّد بعد ما إذا كانت هذه الوفيات مرتبطةً بالحرارة مباشرةً، غير أنّ وزيرة الرياضة الفرنسية Marina Ferrari بدت تُلمح إلى وجود رابط، إذ قالت إنّ هذه الوفيات «تذكيرٌ صارخ بأنّ ممارسة الرياضة في الحرارة الشديدة تستلزم يقظةً مطلقة».
إذا كان هذا هو حال الطقس في مايو، فكيف سيكون الوضع في يونيو ويوليو مع اقتراب بطولة Wimbledon؟ وإذا كانت الأمور لن تزيد إلّا سوءاً مع مرور الوقت، فما الذي ينتظر الرياضيين والجماهير في المستقبل؟ سؤالٌ يبقى مفتوحاً، والأرقام القياسية للأسف لا تبدو في عجلةٍ من أمرها لتتوقّف.
أخبار ذات صلة

انخفاض تاريخي لخزانات كولورادو يفرض تخفيضات حادة على ثلاث ولايات

خزّانات الجنوب الغربي تصل لأدنى مستوياتها التاريخية وتهدّد الكهرباء والمياه

أوروبا تحت الحرّ الشديد.. يوروستار تطلب قطاراً يتحمّل 55 درجة مئوية
