خلافات الجمهوريين حول دعم أوكرانيا تتصاعد
مجموعة من المشرّعين الجمهوريين تتحدى قيادتهم لدعم أوكرانيا عبر مشروع قانون يتضمن عقوبات مشدّدة على روسيا. هل ينجح الكونغرس في تمريره؟ اكتشفوا التفاصيل وأبعاد هذا الصراع السياسي في خَبَرَيْن.

ثمّة ما يستحقّ التأمّل في مشهد يبدو للوهلة الأولى مجرّد خلافٍ إجرائي داخل الكونغرس: مجموعةٌ صغيرة من المشرّعين الجمهوريين تتحدّى قيادتها و تتحدّى الرئيس Donald Trump شخصياً لإجبار مجلس النواب على التصويت على مشروع قانونٍ يُقدّم دعماً عسكرياً لأوكرانيا ويفرض عقوباتٍ مشدّدة على روسيا. الأمر ليس مجرّد تمرّدٍ تكتيكي؛ إنّه إشارةٌ إلى أنّ الإجماع الجمهوري حول ملفّ الحرب لم يكتمل بعد.
بات مجلس النواب الذي يهيمن عليه الجمهوريون في طريقه للتصويت في مطلع يونيو على هذا المشروع، في ما سيكون أوّل إجراءٍ تشريعي رئيسي داعمٍ لأوكرانيا في الولاية الثانية لـ Trump وهو ما يُشكّل في حدّ ذاته رسالةً ضمنية حول طريقة تعامله مع هذا الصراع.
الحرب مستمرّة، والوعد لم يتحقّق
منذ أن انصبّ اهتمام Trump الخارجي على الملفّ الإيراني في الأشهر الأخيرة، واصلت روسيا حربها الوحشية على أوكرانيا في غياب شبه تامّ للتدخّل الأمريكي. لم يُحقّق Trump أيّ تقدّمٍ ملموس في وعده بإنهاء الصراع سريعاً بعد توليه السلطة. بل إنّه أثار استياء بعض أعضاء حزبه حين أقدم مؤخّراً على تخفيف القيود المفروضة على النفط الروسي، بذريعة الحدّ من تداعيات الحرب الأمريكية على إيران على أسعار النفط العالمية.
ولكن هل يكفي هذا السياق وحده لتفسير ما جرى؟ الأرجح أنّ الأمر أعمق من ذلك.
آليّة الالتفاف على القيادة
التصويت المرتقب، المتوقَّع بُعيد عطلة ذكرى (Memorial Day)، سيُشكّل صداعاً سياسياً حقيقياً للرئيس Mike Johnson وفريق قيادته، في بيئةٍ سياسية بالغة الحساسية، حيث يُفضّل المشرّعون المعرَّضون للضغط الانتخابي أن يتصدّر حزبهم ملفَّ الأسعار الداخلية، لا أن ينجرّ إلى صراعٍ دولي آخر.
غير أنّه لم يتّضح بعد ما إذا كانت قيادة الحزب ستسعى إلى إسقاط المشروع، ولا ما إذا كان البيت الأبيض سيتحرّك لإجهاضه وذلك في وقتٍ تحاول قيادة الحزب بالتوازي تمرير حزمة تمويل هجرة ضخمة لا تحتمل أيّ هامش للخطأ.
الأداة التي استُخدمت هنا تُعرف بـ«عريضة الإفراج» (discharge petition)، وهي آليّة إجرائية تتيح تجاوز القيادة وإجبار المجلس على التصويت مباشرةً. وكان النائب Kevin Kiley عن كاليفورنيا المستقلّ الذي كثيراً ما يُصوّت مع الجمهوريين آخرَ من وقّع على العريضة، بعد جهود مكثّفة من زملائه لاستمالته.
قال Kiley يوم الأربعاء: "كنتُ أدرس الأمر منذ فترةٍ طويلة، وأجريتُ محادثاتٍ كثيرة مع زملائي هنا ومع أبناء دائرتي الانتخابية. أعتقد أنّ التوقيت مناسبٌ الآن، في ضوء المكاسب الأخيرة التي حقّقتها أوكرانيا، وتراجع الموقف الروسي فضلاً عن انهيار وقف إطلاق النار وعودة الأعمال العدائية."
وأضاف: "لكي تنجح الدبلوماسية هنا، نحتاج إلى رافعةٍ إضافية. الكونغرس قادرٌ على توفير هذه الرافعة، وهذا هو السبيل."
من قاد هذا الجهد؟
قضى النائب Brian Fitzpatrick، الجمهوري المعتدل ورئيس مشارك لـ«كوكس أوكرانيا» في الكونغرس، أشهراً في التنسيق مع النائب الديمقراطي Greg Meeks من نيويورك، لجمع 218 توقيعاً تُتيح تسريع المشروع إلى قاعة التصويت دون الحاجة إلى موافقة Johnson.
وما إن وقّع Kiley رسمياً، حتى صرّح Fitzpatrick : "رسالةٌ إلى أصدقائنا الأوكرانيين: المساعدة في الطريق إليكم."
ماذا يتضمّن المشروع؟
يشتمل مشروع القانون على جملةٍ من الإجراءات الصارمة، أبرزها:
- عقوباتٌ مشدّدة على قيادات ومؤسّسات روسية، تشمل كبرى البنوك وشركات النفط والتعدين
- رسوم جمركية بنسبة 500% على جميع البضائع الروسية المستوردة إلى الولايات المتحدة
- حظرٌ على استيراد النفط الخام الروسي
- دعمٌ عسكري لأوكرانيا، يشمل تفويضاً بـ 8 مليارات دولار لصفقات الأسلحة، وتمديداً لبرنامج الإعارة والتأجير العسكري الذي أرسى قواعده Biden
السيناريوهات المحتملة
مصادر جمهورية وديمقراطية متعدّدة رجّحت أن يمرّ المشروع في مجلس النواب، لكنّها أشارت إلى أنّ مصيره في مجلس الشيوخ يظلّ ضبابياً. فرغم أنّ عدداً من الجمهوريين في الغرفة العليا كانوا من أشدّ المدافعين عن أوكرانيا، يبقى السؤال مطروحاً: هل يكفي عددهم للوصول إلى عتبة الـ 60 صوتاً اللازمة؟
وإن نجح الكونغرس في تمرير ما يُعرف بـ«قانون دعم أوكرانيا» (Ukraine Support Act)، فسيكون ذلك أوّل خطوةٍ تشريعية كبرى في ملفّ الحرب الروسية الأوكرانية منذ مشروع التمويل التكميلي المثير للجدل الذي يعود إلى عهد Biden.
أمّا إن أُسقط المشروع، فيرى مؤيّدوه الجمهوريون أنّه سيُوجّه رسالةً قويّة إلى Trump وإلى قيادة حزبهم على حدٍّ سواء.
وفي هذا السياق، كان السيناتور الجمهوري البارز Mitch McConnell قد نشر مقالاً رأياً الشهر الماضي اتّهم فيه مسؤولين في وزارة الدفاع بـ"حجب" أموالٍ عن أوكرانيا خلافاً لإرادة الكونغرس. وقد ردّ وزير الدفاع Pete Hegseth لاحقاً بأنّ مبلغ الـ 400 مليون دولار قد أُفرج عنه.
ما هو غريب في هذا المشهد هو أنّ التمرّد الجمهوري لم يأتِ من يسار الحزب أو هامشه، بل من وسطه. وهذا يطرح تساؤلاً جديراً بالمتابعة: هل نحن أمام استثناءٍ تكتيكي، أم بداية تصدّعٍ أعمق في الإجماع الذي بناه Trump حول سياسة بلاده الخارجية؟ الإجابة لن تتّضح قبل يونيو وربّما لا قبل ما بعده.
أخبار ذات صلة

ألمانيا تفقد مقعدها في مجلس الأمن: هل دعمها لإسرائيل السبب؟

خليل الرحمن: وزير خارجية بنغلاديش الذي فاز برئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف إطلاق نار مشروط
