المغرب وفرنسا شراكة استراتيجية تتجدد بقوة
زيارة رئيس الوزراء الفرنسي للمغرب تعكس تحوّلاً استراتيجياً بعد اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء الغربية وتعزز التعاون في الدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا لتعزيز شراكة قوية تخدم مصالح البلدين في إفريقيا وخارجها خَبَرَيْن

زيارة رئيس الوزراء الفرنسي Sebastien Lecornu إلى المغرب في 15 و16 يوليو، وهي أولى زياراته الرسمية الخارجية منذ توليه منصبه، ليست مجرّد حدثٍ بروتوكولي في تقويم الدبلوماسية الفرنسية. إنّها خطوةٌ مقصودة في مسار إعادة تأسيس العلاقة مع الرباط، بعد أن أقرّت باريس بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية المتنازع عليها.
رافق Lecornu في هذه الجولة نحو اثني عشر وزيراً، في مشهدٍ يعكس حجم الرهان الفرنسي على استعادة شراكةٍ كانت تُعدّ ذات يومٍ من أمتن الشراكات الأوروبية-الأفريقية، وذلك في وقتٍ تشتدّ فيه المنافسة الجيوسياسية في منطقة الشمال الأفريقي والساحل.
سنوات التوتر وانفراج 2024
تأتي هذه الزيارة الرفيعة، التي تشمل ملفّات الدفاع والأمن والتعاون الاقتصادي والاستثمار، بعد مرحلةٍ من أصعب مراحل العلاقات الفرنسية-المغربية في تاريخها الحديث. بين عامَي 2021 و2023، تراكمت الخلافات حول قيود التأشيرات والتعاون القضائي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، فضلاً عن الغموض الفرنسي المطوَّل حيال ملفّ الصحراء الغربية، وهو ما أجهد علاقةً كانت من أوثق علاقات باريس في العالم العربي.
انقلبت المعادلة عام 2024، حين أقرّ الرئيس Emmanuel Macron بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، تلك الأرض التي تطالب بها الرباط في مواجهة جبهة البوليساريو المدعومة جزائرياً. أنهى ذلك القرار سنواتٍ من التردّد الفرنسي، وفتح الباب أمام مرحلة تقارب أشمل بين البلدين.
في هذا السياق، قالت الباحثة في العلاقات الدولية وصال مرساوي إنّ الزيارة ينبغي أن تُقرأ باعتبارها «الخطوة الكبرى الأولى» في ترجمة ذلك القرار السياسي إلى تعاونٍ فعلي على أرض الواقع، لا مجرّد تواصلٍ دبلوماسي معزول. وأضافت أنّ الزيارة تعكس إعادة معايرة أشمل للسياسة الفرنسية، في ظلّ تراجع النفوذ الفرنسي السياسي والاقتصادي في الشمال الأفريقي والساحل، وبحث باريس عن شركاء إقليميين موثوقين.
وقالت مرساوي: «من الطبيعي في العلاقات الدولية أن تُعيد الدول تموضعها حين تضعف شراكاتها التقليدية وتبرز مراكز نفوذٍ جديدة».
لماذا يمثّل المغرب رهاناً استراتيجياً؟
على مدى العقد الماضي، رسّخ المغرب حضوره بوصفه جسراً محورياً بين أوروبا وأفريقيا، عبر توسيع شبكة علاقاته التجارية، وإطلاق مشاريع بنية تحتية كبرى، والاستثمار في الطاقة المتجدّدة، وتعزيز حضوره الدبلوماسي في غرب أفريقيا والساحل. وقد أسهم توسيع ميناء طنجة المتوسّط ليصبح أحد أكثر الموانئ ازدحاماً في حوض المتوسّط، إلى جانب الاستثمارات في المناطق الصناعية وممرّات النقل، في ترسيخ مكانة المغرب بوّابةً للشركات الأوروبية الراغبة في الوصول إلى الأسواق الأفريقية. ويُضاف إلى ذلك الاستقرار السياسي والقدرات الدفاعية المتنامية.
بالنسبة لباريس، لم تعد إعادة بناء هذه العلاقة مجرّد ترميمٍ لشراكةٍ تاريخية. فمع تعميق الصين وتركيا ودول الخليج والولايات المتحدة حضورها السياسي والاقتصادي في أفريقيا، بات المغرب يمثّل لفرنسا شريكاً مستقرّاً تنفتح من خلاله على المتوسّط والقارة الأفريقية في آنٍ واحد.
وفي هذا الإطار، أوضحت أحلام قفاص، أستاذة الاقتصاد في المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة (ENCG Kenitra)، لقناة الجزيرة، أنّ بروز المغرب بوصفه أحد المراكز اللوجستية الرائدة في المتوسّط أضاف بُعداً جديداً للعلاقة بين البلدين. وقالت إنّ الموانئ الموسَّعة وممرّات النقل والمناطق الصناعية جعلت المغرب نقطة دخولٍ جاذبة بشكلٍ متزايد للشركات الأوروبية الراغبة في ممارسة أعمالها في أفريقيا.
وأشارت قفاص إلى أنّ التعاون الاقتصادي الأوثق يتيح لفرنسا استعادة مواقعها التجارية التي فقدتها في أماكن أخرى من القارة، فيما يوفّر للمغرب الوصول إلى الاستثمارات والتكنولوجيا في قطاعاتٍ يُرتقب أن تُشكّل محرّكات النموّ المستقبلي، من بينها الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتصنيع المتقدّم.
وقالت قفاص إنّ هذه الفرص تتجاوز مجرّد استقطاب رأس المال الأجنبي: «القيمة الحقيقية لهذه الشراكة تكمن في قدرة المغرب على الارتقاء في سلسلة القيمة، من خلال تعزيز التعاون في القطاعات الاستراتيجية كالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتكنولوجيا الصناعية المتقدّمة، ممّا يُسهم في بناء اقتصادٍ أكثر تنافسيةً وصموداً في المستقبل».
التقاطع الاستراتيجي
يتجلّى التقارب بوضوح في الملفّات التي اختار البلدان تصدير أولوياتهما فيها: الدفاع والتعاون الاستخباراتي والاستثمار والنقل والطاقة والتكنولوجيا المتقدّمة.
على الصعيد الفرنسي، يُسهم التقارب مع المغرب في تعزيز موقع باريس في الشمال الأفريقي، في وقتٍ تبقى العلاقات مع الجزائر متوتّرة، وتراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل إثر سلسلة من الانقلابات العسكرية والنكسات الدبلوماسية. ويبقى التعاون الأمني في صلب الأولويات، لا سيّما في ما يخصّ تبادل المعلومات الاستخباراتية ومكافحة الإرهاب والتعاون الصناعي الدفاعي وملفّ الهجرة.
أمّا على الصعيد المغربي، فقد يُعجّل الانخراط الفرنسي المتجدّد من وتيرة الاستثمار في القطاعات المحورية لتحقيق الطموحات الاقتصادية بعيدة المدى، بما فيها البنية التحتية للنقل والطاقة المتجدّدة والتصنيع المتقدّم والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الرقمية.
وفي هذا الإطار، أشارت مرساوي إلى أنّ توسيع التعاون الدفاعي والأمني في أعقاب الاعتراف الفرنسي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية يمنح هذا التحوّل السياسي ثقلاً مؤسّسياً. وقالت: «إنّ فتح الملفّات الدفاعية والعسكرية المرتبطة بالصحراء يُرسّخ الاعتراف الفرنسي داخل المؤسّسات الدولتية، ويحوّل ما كان يمكن أن يُقرأ باعتباره خياراً سياسياً شخصياً للرئيس Macron إلى توجّهٍ استراتيجي راسخ».
من جهته، رأى نوح الحرموزي، مؤسّس المركز العربي للبحث العلمي والدراسات الإنسانية، أنّ أهمية زيارة Lecornu تكمن أقلّ في الاتفاقيات التي قد تُفضي إليها، وأكثر فيما تُشير إليه من مسارٍ لمستقبل العلاقات الفرنسية-المغربية. وقال إنّ التقارب يشير إلى إعادة توازنٍ أشمل، تتحوّل فيه الثقة السياسية تدريجياً إلى تعاونٍ طويل الأمد في الدفاع والتجارة والأمن الإقليمي.
وسيتوقّف مصير هذا التقارب الدبلوماسي، وما إذا كان سيتطوّر إلى شراكةٍ استراتيجية راسخة، على قدرة البلدين على ترجمة التوافق السياسي إلى تعاونٍ متواصل في الدفاع والاستثمار والأمن الإقليمي.
وكما قال الحرموزي: «لم تعد هذه العلاقة تنبع في المقام الأول من الروابط التاريخية أو التقاطعات السياسية الظرفية، بل تعكس تحوّلاً تدريجياً نحو شراكةٍ قائمة على الترابط الاستراتيجي، حيث يرى كلٌّ من البلدين في الآخر فاعلاً لا غنى عنه في مواجهة التحدّيات الإقليمية بعيدة المدى».
أخبار ذات صلة

ارتقاء ثمانية أشخاص في غزة على يد إسرائيل رغم خطة ترامب لنزع سلاح حماس

اتفاق نزع سلاح حماس يلقى ترحيباً حذراً على الصعيد الدولي

السعودية تُجرّ نحو صراعٍ حاولت تجنّبه بإصرار
