سرقة الكوكايين من خزنة المحكمة تكشف ثغرات النظام القضائي
في فيجي سرقة 40 كيلوغرام كوكايين من خزنة المحكمة العليا بعد استبدالها بالدقيق ما يطرح تساؤلات عن أمان حفظ الأدلة وثقة النظام القضائي في مواجهة شبكات تهريب المخدرات خَبَرَيْن يكشف تفاصيل الفضيحة والتحقيقات الجارية.

ثمّة افتراضٌ يكاد يكون بديهياً في أيّ نظامٍ قضائي: أنّ خزنة المحكمة هي آخر مكانٍ يمكن أن يُسرق منه شيء. فالأدلة الجنائية، حين تُحفظ في عهدة القضاء، تنتقل من كونها موضوع اتهامٍ إلى كونها ضمانةَ عدالة، محروسةً بقداسة المؤسسة نفسها لا بأقفالها فحسب. لكنّ ما كشفته السلطات في فيجي هذا الأسبوع يضع هذا الافتراض موضع اختبارٍ قاسٍ: فقد تبيّن أنّ ما يقارب 40 كيلوغراماً (88 رطلاً) من الكوكايين، المحتجزة كدليلٍ في المحكمة العليا بمدينة سوفا، قد اختفت بالكامل، وأنّ ما تبقّى في الخزنة لم يكن سوى بدائل استُبدل معظمها، بحسب وسائل إعلام محلية، بالدقيق.
كيف اكتُشفت السرقة؟
تعود القصة إلى قضيةٍ جنائية من عام 2019، أُدين فيها جوشوا رحمن، وهو مواطن فيجي-كندي، بتهمة الحيازة غير المشروعة للمخدرات. وبينما كانت الاستئنافات جارية، ظلّت المضبوطات 39 قالباً من الكوكايين تقدّر قيمتها بـ30 مليون دولار فيجي (13.3 مليون دولار أمريكي) محفوظةً في خزنة المحكمة العليا منذ مارس 2021. وكان فحصٌ أُجري عام 2019 قد أكّد أنّ المادة هي فعلاً كوكايين.
لكنّ تفتيشاً روتينياً في 15 سبتمبر كشف أنّ سبعة قوالب من أصل 39 مفقودة. وحين خضعت بقية القوالب لفحوصٍ جنائية، جاءت النتائج، كما أعلنت الشرطة يوم الثلاثاء، سلبيةً بالكامل: "الفحوص الجنائية التي أُجريت على المضبوطات المتبقية جاءت جميعها سلبية"، أي أنّ الكوكايين الأصلي لم يعد له أثر، وأنّ ما وُجد في الخزنة كان تقليداً مُصنّعاً لا مادةً حقيقية.
قالت الشرطة في بيانها إنّ "جميع المضبوطات تم العبث بها، والتحقيق يركز على المكلفين مباشرة بإدارة المضبوطات في سجل المحكمة العليا". وقد حدّدت السلطات ستة موظفين في الجهاز القضائي كأشخاصٍ محل اهتمام، أحدهم كان خارج البلاد وقت الإعلان. أمّا مفوّض الشرطة روسياتي توداروفو فأقرّ بأنّ توقيت وقوع السرقة نفسه لا يزال غامضاً: "كلّنا قلقون. الحكومة قلقة. وأنا شخصياً قلق بشأن هذا الأمر"، مضيفاً: "لهذا نبذل قصارى جهدنا لإجراء التحقيق بأسرع ما يمكن". وتُجري الشرطة حالياً مراجعةً شاملة لبقية المضبوطات في عهدة المحكمة، بما فيها النقود المصادرة في قضايا أخرى.
سابقةٌ لم تُستخلص منها العبرة
هنا يكمن جوهر المفارقة: هذه ليست الحادثة الأولى من نوعها. فقد اكتشفت الشرطة في وقتٍ سابقٍ من مارس اختفاء 12 كيلوغراماً أخرى من الكوكايين المصادر في قضيةٍ جنائية منفصلة. وحين انعقد المؤتمر الصحفي يوم الأربعاء، لم يفت الصحفيين الحاضرين أن يسألوا السؤال البديهي: لماذا لم تُشدَّد إجراءات الأمن بعد اكتشاف مارس؟ وهل كان بالإمكان منع سرقة سبتمبر لو أُخذ التحذير الأول على محمل الجدّ؟
هذا السؤال بالذات هو ما يستحق التوقّف عنده. فحين تتكرّر الحادثة بعد أشهرٍ قليلة من سابقتها، يصعب القول إنّها استثناءٌ عابر أو خللٌ فردي؛ بل تصبح مؤشّراً على ثغرةٍ بنيوية في منظومة حفظ الأدلة نفسها. وقد عبّر السياسي المعارض جون أوساماتي عن هذا القلق بوضوح: "استبدال الكوكايين بالدقيق، أياً كان الأمر، إدانة محزنة لمن يتحمل المسؤولية عن ذلك"، متسائلاً بما يتجاوز هذه الحادثة تحديداً: "كيف نعرف الآن أن ما في تلك المضبوطات كلها هو فعلاً ما يقال أنه موجود فيها؟" وهو سؤالٌ ينسف الثقة لا في قضيةٍ واحدة، بل في منظومة الإثبات الجنائي برمّتها.
من جهته، وصف وزير العدل سيرومي توراغا الحادثة بـ"خيبة الأمل"، لكنه ربطها فوراً بسياقٍ أوسع: "جاء ذلك في وقت نتحدث فيه عن الجريمة العابرة للحدود"، مضيفاً: "هذا يُظهر حجم المشكلة التي نواجهها". وتعهّد بأنّ "لا أحد محصّن من هذا. لن ندع حجراً إلا وقلبناه. وسيُحاسب كل من تثبت إدانته"، معلناً في الوقت نفسه عن رفع مستوى الأمن في المحكمة العليا ومراجعة بروتوكولات حفظ الأدلة.
فيجي بين شواطئها السياحية وممرّاتها السرّية
لفهم لماذا تحمل هذه الحادثة وزناً يتجاوز كونها فضيحة إدارية محلية، لا بدّ من النظر إلى موقع فيجي نفسه. فهذا الأرخبيل، المعروف عالمياً بشواطئه البيضاء وشعابه المرجانية وثقافته المضيافة، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى نقطة عبورٍ رئيسية للمخدرات المهرَّبة من الأمريكتين باتجاه أستراليا ونيوزيلندا وأجزاء من آسيا. وقد أدخلت عصابات الجريمة المنظّمة كمياتٍ ضخمة من الميثامفيتامين إلى الجزر، ما غذّى أزمة إدمانٍ واسعة وُصفت بأنها محرّكٌ رئيسي لوباء فيروس نقص المناعة البشرية الذي أعلنت فيجي بشأنه حالة طوارئ وطنية مؤخراً.
في ضوء هذا السياق، لا يمكن قراءة سرقة الكوكايين من خزنة المحكمة العليا بوصفها حادثاً معزولاً عن هذه المعركة الأوسع. فحين تعجز الدولة عن تأمين الأدلة التي صادرتها بنفسها، يصعب تصديق قدرتها على ضبط شبكات التهريب التي لا تزال هذه الأدلة تمثّل الجزء الظاهر منها فقط. والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً ليس فقط من سرق الكوكايين من الخزنة، بل: كم من الأدلة الأخرى، في قضايا لم تُفحص بعد، تنتظر أن يُكتشف أنها استُبدلت هي الأخرى بالدقيق؟
أخبار ذات صلة

البحث عن أسطورة الحرب الكورية: الطيار المفقود والطائرة الشبح

خريطةٌ جديدة للعالم: الأمم المتحدة تصوّت على إعادة رسم النظام الجغرافي

بوتين والقروش: لماذا سلام ترامب في أوكرانيا قد لا يحدث
