اكتشاف حطام طائرة أمريكية في أعماق بحر اليابان
في أعماق بحر اليابان اكتُشفت حطام طائرة أمريكية من الحرب الكورية بعد سبعة عقود من الغموض. قصة غواصين يجنون ثمرة صبرهم ليعيدوا الأمل لعائلات المفقودين ويكشفوا أسرار التاريخ في مهمة إنسانية مؤثرة على خَبَرَيْن.

في أعماق بحر اليابان، على بُعد نحو 45 متراً تحت السطح قبالة شواطئ يانغيانغ الكورية الجنوبية، كان الغوّاص كيم كيونغ-سو يشقّ الظلام الأزرق حين لاحت له كتلةٌ داكنة على قاع البحر. لم يكن يعلم وقتها أنّه يقف على حافّة اكتشافٍ طال انتظاره أكثر من سبعة عقود بقايا طائرةٍ أمريكية حملت طيّارها إلى قاع المحيط في فبراير 1952، ولم تُعثر له على أثر منذ ذلك اليوم.
يقول كيم واصفاً لحظة الاكتشاف في مايو 2025: "حين وصلنا إلى عمق 148 قدماً (45 متراً)، لم أستطع رؤية قاع البحر. كنت أسبح على ذلك العمق حين رأيت جسماً داكناً على الأرضية." ويُضيف: "لم أستطع رؤية شكله بدقّة، لكنّه كان يمتلك هيئةً أسطوانية طويلة تشبه الغوّاصة. لم يكن كبيراً جداً... ظننت أنّه ربّما غوّاصة صغيرة من كوريا الشمالية."
لم يكن الأمر سهلاً على الغوّاص المخضرم أن يُقنع الآخرين بما رآه. "عادةً حين تُخبر الناس أنّك رأيت شيئاً تحت الماء، لا يصدّقونك. يقولون: لا تكذب! لا بدّ أنّك مخطئ" هكذا روى كيم تجربته مع شكوك المحيطين به.
من أعماق الحرب الباردة إلى قاع البحر
الطائرة التي رقدت في صمت كلّ هذه العقود هي مقاتلة F4U Corsair، واحدةٌ من أبرز الطائرات الحربية في التاريخ الأمريكي الحديث. دخلت الخدمة العسكرية عام 1942، وبحلول عام 1952 كان قد تسلّم منها الجيش الأمريكي أكثر من 12,500 وحدة. أسقطت Corsairs ما يزيد على 2,100 طائرة يابانية خلال الحرب العالمية الثانية، وكان الطيّارون اليابانيون يُسمّونها "الموت الصافر" لصوتها المميّز حين تنقضّ على أهدافها. أمّا الطيّارون الأمريكيون أنفسهم، فكانوا يُلقّبونها بـ"صانعة الأرامل" لصعوبة قيادتها وما خلّفته من حوادث.
في الحرب الكورية (1950-1953)، اضطلعت هذه الطائرة بدورٍ محوري في دعم القوات البرية؛ إذ نفّذت 82% من مهامّ الدعم الجوّي القريب خلال الأشهر العشرة الأولى من الحرب. وقد فُقد ما لا يقلّ عن 494 طائرة Corsair خلال تلك الحرب وحدها.
في 21 فبراير 1952، كانت مجموعة الناقلات الجوية الخامسة Carrier Air Group Five تُنفّذ 85 طلعةً قتالية من على متن حاملات الطائرات USS Valley Forge وUSS Antietam وUSS Philippine Sea وUSS Essex. في ذلك اليوم، تعرّضت طائرة AD-4 لأضرار قتالية، فأُرسلت Corsair لمرافقتها، لكنّ الطائرة المرافِقة تحطّمت في عاصفة ثلجية. فُقد طيّارها ولم يُعثر عليه حتّى اليوم. كان ذلك ضمن خسارة طائرتَين اثنتَين من أسطول المحيط الهادئ الأمريكي في ذلك اليوم بالذات.
"قلبي بدأ يدقّ بسرعة"
بعد أن أبلغ كيم كيونغ-سو عن اكتشافه، توجّه الغوّاص أن هيون-جين، صاحب متجر الغوص، إلى الموقع. لم يكن الأمر يسيراً؛ احتاج أن هيون-جين إلى أكثر من 10 غطسات قبل أن يعثر على المروحة والجزء الأمامي من هيكل الطائرة. يصف تلك اللحظة بقوله: "حين عثرت على المروحة، فوجئت حقاً أنّ كيم لم يكن مخطئاً فيما رآه؛ وكأنّك تقول: يا إلهي، ثمّة طائرة حقيقية هنا، وبدأ قلبي يدقّ بسرعة."
الحطام الذي رصده الغوّاصان يحمل ملامح واضحة: أجنحة بشكل النورس المقلوب المميّزة للـCorsair، وهيكلٌ أمامي صدئ مغطّى بالمحار، فيما اختفى الذيل تماماً. يرقد الحطام على عمق 45 متراً، فيما يمتدّ قاع البحر 7 أمتار أعمق منه.
مهمّة الحساب مع التاريخ
سرعان ما تحرّكت الجهات الرسمية. وكالة DPAA وكالة الدفاع الأمريكية المعنية بالمحاسبة عن أسرى الحرب والمفقودين شكّلت فريقاً مشتركاً مع وكالة الدفاع الكورية الجنوبية، وفي أغسطس 2025 أجرى الفريقان عمليات مسح بطائرات مسيّرة تحت الماء وتقنيات النمذجة ثلاثية الأبعاد للتحقّق من هوية الحطام قرب يانغيانغ.
قال النقيب Spencer Jefferson، قائد فريق DPAA، وهو يصف ما رصده: "هذا قد يكون ما نبحث عنه... الشكل، ومقصورات المحرك المختلفة وأشياء من هذا القبيل." وأضاف في سياق الهدف الأشمل للمهمّة: "من هناك، يمكننا التعرّف بشكلٍ إيجابي على هوية هذا الشخص تحديداً."
أمّا عالمة الآثار الجنائية تحت الماء Meghan Mumford، فقد عبّرت عن عمق الرسالة الإنسانية لهذا العمل بقولها: "أعتقد أنّه شرفٌ حقيقي أن نُعيد الإجابات ونُعيد رفات أبطالنا ومنتسبينا العسكريين ليس فقط إلى وطننا، بل تحديداً إلى عائلاتهم."
تُفيد DPAA بأنّ 7,354 أمريكياً لا يزالون في عداد المفقودين من الحرب الكورية وحدها، فيما يتجاوز عدد المفقودين منذ الحرب العالمية الثانية 80,000 شخص. وتشمل عمليات التعرّف على الرفات تحليل الحمض النووي DNA في مختبر DPAA في هاواي.
"الموت الصافر" فوق جبال كوريا
لفهم ما تعنيه هذه الطائرة، يكفي أن نستعيد مشهداً من نوفمبر 1950، حين كانت قوات مشاة البحرية الأمريكية محاصَرةً في معركة بحيرة تشوسين في أقسى ظروف الشتاء الكوري. الطيّار لايل برادلي أسقط 2,000 رطل من القنابل دعماً للقوات المحاصَرة، فيما كان ضابط توجيه الطيران الجوّي المعروف بـ"Dunkirk 1-4" يُرسل رسائل لاسلكية تنضح بالارتياح والامتنان: "يسعدنا رؤيتكم أيّها الـCorsairs. حلّقوا فوقنا أطول وقتٍ ممكن. أنتم صلتنا بالعالم الخارجي." وحين أسقطت الطائرة قنابلها بدقّة، أضاف: "تبدو كإصابةٍ مثالية. نحبّكم يا أصحاب الـCorsair."
بعد عقود، التقى برادلي بذلك الضابط وجهاً لوجه. يروي برادلي: "احتضنني وصاح: أنتم أنقذتم مؤخّراتنا!"
"في مكانٍ ما تحت مدينة حديثة"
لا تزال هذه القصّة مفتوحة على نهايتها. فعمليات المسح التي جرت في أغسطس 2025 لم تُفضِ بعد إلى تأكيدٍ رسمي نهائي بهوية الطائرة، ولم يُعلَن بعد عن أيّ جدول زمني لعملية الاستخراج المحتملة. لكنّ ضابط الاتصال الكوري في DPAA، كريس جو، يضع هذا الاكتشاف في سياقه الأوسع بكلماتٍ تحمل ثقل المهمّة كلّها: "في مكانٍ ما تحت مدينة حديثة، أو على جبل، أو في وسط حقل ألغام، أو في أعماق البحار، قد يكمن الأثر الأخير لحياةٍ أُزهقت بالحرب." ثمّ يُكمل: "الوفاء بوعد أمّتنا هو ألّا نترك أحداً خلفنا، وأن نُعيد الإغلاق المنتظَر منذ أمدٍ بعيد إلى العائلات."
في يانغيانغ، حيث تلتقي مياه بحر اليابان بذاكرة حربٍ لم تُغلق جراحها بعد، ينتظر حطامٌ صدئ مغطّى بالمحار أن يُعيد اسماً إلى السجلّات وربّما يُعيد لعائلةٍ ما حقّها في أن تودّع.
أخبار ذات صلة

ضبط 40 كيلوغراماً من الكوكايين في فيجي.. استُبدلت بالدقيق

خريطةٌ جديدة للعالم: الأمم المتحدة تصوّت على إعادة رسم النظام الجغرافي

بوتين والقروش: لماذا سلام ترامب في أوكرانيا قد لا يحدث
