صراع الديمقراطيين والجمهوريين في معركة مجلس الشيوخ
تراجع شعبية ترامب وظهور وجوه ديمقراطية جديدة يعيد رسم خريطة السباقات في مجلس الشيوخ والنواب مع منافسات حامية في ولايات كانت حمراء سابقاً هل يكفي ضعف الجمهوريين لصناعة نصر ديمقراطي؟ اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن

ثمّة فرضيّةٌ يتداولها كثيرٌ من المراقبين هذه الأيام في واشنطن: أنّ تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب ضعف بعض مرشّحي الحزب الجمهوري، يكفيان وحدهما لمنح الديمقراطيين الأغلبية في مجلس الشيوخ هذا الخريف. المشهد يبدو، للوهلة الأولى، داعماً لهذه القراءة: مرشّحون ديمقراطيون يحوّلون ولاياتٍ كانت تُعدّ حمراء بامتيازٍ إلى سباقاتٍ تنافسيةٍ حقيقية، فيما يحتاج الحزب إلى أربعة مقاعد فقط ليستعيد السيطرة على الغرفة، وهو في موقعٍ جيّدٍ أيضاً لحصد أغلبية مجلس النواب الشهر المقبل. لكن هل يكفي ضعف الخصم لصناعة نصرٍ أكيد؟ التاريخ القريب يفرض هنا تحفّظاً جوهرياً.
هل يكفي أن يكون الخصم ضعيفاً؟
في عام 2022، دعم ترامب مرشّحين مثل مهمت أوز في بنسلفانيا وهيرشل ووكر في جورجيا، فساهم ضعفهما في احتفاظ الديمقراطيين بمجلس الشيوخ رغم شعبية الرئيس جو بايدن المتراجعة حينها. السيناريو يتكرّر اليوم بشكلٍ لافت: ترامب يدعم مايك كولينز في جورجيا وكين باكستون في تكساس رغم تحفّظات المؤسّسة الجمهورية على اختياره، تماماً كما فعل قبل عامين. غير أنّ القياس التاريخي نفسه يحمل تحذيراً مضادّاً: فالتقدّم المبكر في الاستطلاعات ليس قدراً. ففي أيلول/سبتمبر 2024، كان شيرود براون يتصدّر استطلاعات أوهايو، قبل أن يخسر مقعده في مجلس الشيوخ لصالح بيرني مورينو. وقبل أيامٍ قليلةٍ من فوز ترامب بولاية أيوا، أظهر استطلاع «ديموين ريجستر/ميدياكوم» تقدّم كامالا هاريس هناك. الدرس بسيطٌ وقاسٍ في آنٍ واحد: التقدّم في خريف الحملات قابلٌ للانكماش في لحظاته الأخيرة، ومن يبني توقّعاته على مسحٍ واحدٍ يخاطر بتكرار خطأ 2024 نفسه.
وجوهٌ جديدة في ولاياتٍ كانت تُغلق أبوابها على الديمقراطيين
مع ذلك، فإنّ ما يجري في عددٍ من الولايات هذا الموسم يتجاوز مجرّد انعكاسٍ لشعبية ترامب المتراجعة؛ إذ يبدو أنّ اختيار المرشّح نفسه بات عاملاً حاسماً.
في كارولاينا الشمالية، يقدّم الحاكم السابق روي كوبر، الذي أمضى ولايتين في منصبه، نفسه بوصفه صوتاً «مستقلاً» عن الاستقطاب الحزبي، ويرفع شعار «اجعلوا الأشياء أرخص»، مستنداً إلى عبارةٍ لافتة: «ثمة الكثير من الشهر المتبقي بعد نفاد المال». الاستطلاعات تمنحه تقدّماً مريحاً على منافسه الجمهوري مايكل واتلي، الرئيس السابق للجنة الوطنية الجمهورية، والذي يحظى بمعرفةٍ واسعةٍ في الأوساط الحزبية لكنّه يعجز عن مجاراة كوبر في الشعبية العامة. استطلاعات مايكل بيتزر، أستاذ العلوم السياسية والتاريخ في كلّية كاتاوبا، تؤكّد ما كشفته مسوحٌ أخرى: تقدّم كوبر بين المستقلّين، وأداؤه الأفضل من المعتاد الجمهوري في المناطق الريفية. يقول بيتزر إنّ كوبر «يدرك أنّ ذلك الوسط المعتدل في كارولاينا الشمالية قد يميل لهذا الاتجاه أو ذاك، وهو يعرف كيف يخاطب قاعدة حزبه، وأيضاً ذلك الوسط المعتدل الذي قد يُقسّم تصويته». والمفارقة أنّ الولاية لم تصوّت لمرشّحٍ ديمقراطيٍّ للرئاسة منذ باراك أوباما عام 2008.
في أيوا، التي فاز فيها ترامب قبل عامين بفارق 13 نقطة، يُحدث المشرّع المحلّي جوش توريك تنافسيةً غير متوقّعة، مستحضراً إرث السيناتور الراحل توم هاركن الذي خدم الولاية في الكونغرس أربعين عاماً ولايةٌ صوّتت مرتين لأوباما وثلاث مرات لترامب. يصف توريك نفسه بأنّه «شعبوي البراري صاحب الحسّ المشترك»، ويركّز حملته على كلفة المعيشة والوصول إلى الرعاية الصحية ومعدّلات الإصابة بالسرطان، إلى جانب ما يسمّيه «الفساد» في واشنطن، من دون أن يتخلّى عن دعمه للتعديل الثاني (حق حمل السلاح) ولسياسة حدوديةٍ صارمة. وتُسهم تداعيات تعرفة ترامب الجمركية وارتفاع كلفة الوقود على الاقتصاد الزراعي في أيوا في تعقيد موقف خصمته الجمهورية، النائبة آشلي هينسون، الإعلامية السابقة والمتحدّثة القوية، التي تسعى لوراثة مقعد السيناتورة جوني إرنست.
أمّا في جورجيا، فقد بنى السيناتور جون أوسوف شخصيةً سياسيةً متمايزة عبر نقدٍ متواصلٍ لترامب، ما أثار تكهّناتٍ حول طموحاته الرئاسية في 2028. وفي تكساس، يجمع المرشّح جيمس تالاريكو بين الشعبوية الاقتصادية والإيمان المسيحي، في مراهنةٍ ديمقراطيةٍ على كسر حظرٍ يمتدّ ثلاثة عقود دون فوزٍ ديمقراطيٍّ على مستوى الولاية. وفي أوهايو، التي فاز بها ترامب في 2024، يستعيد السيناتور السابق شيرود براون صدى شعبويته العمّالية في وقتٍ يرتبط فيه اسم ترامب بالمليارديرات. وفي ميشيغان، يمثّل عالم الأوبئة عبد السيد، البالغ من العمر 41 عاماً، جيلاً سياسياً جديداً وحركةً تقدّمية، في مواجهة الجمهوري السابق مايك روجرز بعدما رفض الناخبون التقدّميون النائبة الأكثر اعتدالاً هايلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية؛ وأيّ فوزٍ لروجرز قد يفتح الباب لانتقاداتٍ بأنّ يسار الحزب كلّفه مقعداً كان يمكن حسمه بسهولة. وفي ماين، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز أصعب معركة انتخابيةٍ في مسيرتها، بعدما أضعفت سياسات حقبة ترامب سمعتها كصوتٍ مستقل، فيما يستحضر خصمها الديمقراطي تصويتها لتثبيت القاضي بريت كافانو في المحكمة العليا دليلاً على أنّها باتت أقرب إلى تمكين ترامب منها إلى معارضته.
موجةٌ زرقاء أم تيارٌ أحمر تحت السطح؟
الصورة الرقمية لا تخلو من تعقيد. استطلاعٌ لـCNN/SSRS أواخر يوليو/تمّوز أظهر تفضيلاً وطنياً للديمقراطيين بفارق 8 نقاط لموسم الخريف، لكنّ الاستطلاع نفسه كشف أنّ الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، يتساويان تقريباً في عدم الشعبية لدى الجمهور، وأنّ التوقّعات العامة لما قد تحقّقه أغلبيةٌ ديمقراطيةٌ متدنّيةٌ أصلاً. آخر استطلاعات مجلس الشيوخ لا تُظهر تقدّماً واضحاً لأيّ طرفٍ في تكساس، بينما يبدو الديمقراطيون في موقعٍ أفضل نسبياً في أيوا، وتميل الحملات الأخيرة لصالحهم في جورجيا وكارولاينا الشمالية وأوهايو. ومع ذلك، يحذّر الخبير الانتخابي تشارلي كوك من قراءة هذا كلّه بوصفه «موجةً زرقاء»، واصفاً المشهد بدلاً من ذلك بأنّه «تيارٌ أحمرٌ خفي» عبارةٌ تحمل تذكيراً بأنّ انحساراً جزئياً في شعبية الحزب الحاكم ليس بالضرورة إقبالاً حاسماً على بديله. ويضيف بيتزر ملاحظةً منهجيةً تُفسّر طبيعة الانتخابات النصفية عموماً: «عندما يسيطر حزب الرئيس على الكونغرس، يكون الرئيس هو موضوع الاستفتاء، لكن الحزب ومرشّحيه هم الأهداف».
الدرس الذي قد لا يتعلّمه الحزب
هنا تكمن المفارقة الأعمق في مشهد هذا الخريف: بينما يراهن الديمقراطيون على مرشّحين كوبر وتوريك القادرين على مخاطبة الناخب المستقلّ والريفي، يواجه الحزب في الوقت نفسه توتّراً داخلياً قد يقوّض هذا المسعى. فبحلول عام 2024، كانت مواقف الحزب من الهجرة وقضايا الهوية الجندرية والتضخّم قد نفّرت بعض الناخبين المعتدلين، بعد عقودٍ من خطابٍ ثقافيٍّ راق للمدن الليبرالية والناخبين من ذوي التعليم الجامعي في الضواحي، لكنّه أبعد ناخبي الريف والطبقة العاملة الذين كانوا يوماً من قاعدة الحزب التقليدية قبل أن ينتقلوا إلى معسكر ترامب.
وتتكرّر الإشارات إلى هذا التوتّر في الانتخابات التمهيدية الأخيرة: في الدائرة الثانية والعشرين بكاليفورنيا، التي فاز بها ترامب بفارقٍ ضئيلٍ في 2024، هزم راندي فيّيغاس منافساً معتدلاً كانت تفضّله قيادة الحزب في واشنطن. وفي ماين، تغلّب التقدّمي مات دنلاب على منافسٍ من المؤسّسة الحزبية في دائرةٍ متأرجحة. صحيحٌ أنّ معظم الانتصارات التقدّمية المتطرّفة في الانتخابات التمهيدية جاءت في ولاياتٍ زرقاء عميقاً، لكنّ قلق الديمقراطيين من أنّ بعض الفائزين التقدّميين قد يكونون أكثر راديكاليةً ممّا يحتمله الناخب في الانتخابات العامة يبقى قائماً وهو القلق الذي يستثمر فيه الخطاب الجمهوري حين يحذّر من أنّ «شيوعيين» و«اشتراكيين» يتحكّمون بالحزب.
وفي هذا السياق بالذات، تبدو تصريحات جوش توريك أقرب إلى ردٍّ مباشرٍ على تلك الاتهامات من كونها مجرّد موقفٍ شخصي: «العلامة الديمقراطية تضرّرت بالتأكيد»، يقول، مضيفاً: «هناك أوقاتٌ أتّفق فيها مع الجمهوريين المعتدلين في قضايا أكثر من اتفاقي مع أكثر الديمقراطيين يساريةً وتطرّفاً». هذا التموضع، إذا نجح انتخابياً، قد يفنّد ادّعاء الجمهوريين بأنّ الديمقراطيين انجرفوا بعيداً إلى اليسار لكنّه في الوقت نفسه يفتح سؤالاً أصعب داخل الحزب نفسه: هل يمكن لحزبٍ أن يحتضن في آنٍ واحدٍ شعبويي البراري المعتدلين وتيّاراً تقدّمياً يرفض التنازل في دوائر مثل كاليفورنيا وماين، من دون أن ينفجر هذا التوازن عند أوّل اختبارٍ حقيقي؟
فوز كوبر وتوريك في تشرين الثاني/نوفمبر، إن تحقّق، لن يكون مجرّد مكسبٍ عدديٍّ في عدّ المقاعد؛ بل سيشكّل، على الأرجح، النموذج الذي سيُستحضر في النقاش الداخلي الديمقراطي استعداداً لانتخابات 2028 نموذج المرشّح القادر على الفوز بالوسط المعتدل والريف معاً. أمّا إن تحقّق «التيار الأحمر الخفي» الذي يصفه تشارلي كوك بدلاً من ذلك، فسيكون الدرس معاكساً تماماً: أنّ ضعف الخصم وتعثّر مرشّحيه لا يكفيان لصناعة أغلبية، ما لم يُحسم الحزب نفسه أمره بين شعبويته الريفية الجديدة وتيّاره التقدّمي الذي لا يزال يبحث عن مكانٍ في الخريطة نفسها.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
