أوباما والذكاء الاصطناعي تحديات وفرص الانتخابات القادمة
في ظل تصاعد تأثير الذكاء الاصطناعي على السياسة والاقتصاد يضغط أوباما لتبني إطار تنظيمي جاد بينما يتردد الديمقراطيون في المواقف والتمويل الانتخابي يتحول إلى ساحة صراع بين التكنولوجيا والسياسة خَبَرَيْن

تتزايد الضغوط داخل الحزب الديمقراطي على المرشحين المحتملين لانتخابات 2028 لبلورة مواقف واضحة من الذكاء الاصطناعي، في وقتٍ يتردّد فيه كثيرون منهم بين حذرٍ من الانحياز لصناعةٍ باتت من أكثر القطاعات إنفاقاً في الحملات الانتخابية، ومخاوف من أن يُنظر إليهم كمعارضين للتقدّم التكنولوجي. فبينما يدفع باراك أوباما شخصياً باتجاه تبنّي سياساتٍ جادة، تلوح في الأفق أرقامٌ تُظهر كيف يمكن لأموال هذه الصناعة أن تُعيد رسم خريطة الانتخابات التمهيدية قبل أن تبدأ فعلياً.
أوباما يطالب بـ«إطار تنظيمي جاد» لا بخطابات عابرة
يضغط أوباما منذ أشهر على قيادات الحزب الديمقراطي لإعداد استجاباتٍ سياسية وحزبية جدّية إزاء الذكاء الاصطناعي، معتبراً أنّ الجهود الحالية للمرشحين المحتملين لا ترقى إلى حجم التأثيرات المتوقّعة لهذه التقنية ولا إلى حجم التحدّيات السياسية المصاحبة لها. وقد أجرى الرئيس السابق محادثاتٍ مع سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، إضافةً إلى مسؤولين تنفيذيين في Google وAnthropic، وخبراء وأكاديميين، وجيسون غولدمان، المسؤول السابق في Twitter. كما يتابع أوباما بانتظامٍ مقالات كلٍّ من عزرا كلاين، وديريك تومسون، وتشارلي ورزل، وكيسي نيوتن.
تتركّز اهتمامات أوباما على ثلاثة محاور رئيسية: فقدان الوظائف، والأمن القومي، وتعرّض الأطفال للمعلومات المضلّلة. وهو يدعو إلى ما وصفه بـ«إطار تنظيمي جادّ»، على غرار المعايير الفيدرالية المعتمدة في قطاعَي الغذاء والطيران، من دون أن يطلب من المرشحين المحتملين تبنّي خطةٍ بعينها. وقال في هذا السياق إنّ إدارةً كفؤة ستظلّ تواجه تحدّياتٍ جدّية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مُعرباً عن عدم ثقته بنهج الرئيس دونالد ترامب في التعامل مع هذا الملف.
وينقل مستشار أوباما الأول، إريك شولتز، عن الرئيس السابق قوله: «نظراً لحجم الاضطراب الذي من المرجّح أن نواجهه، يرى الرئيس أوباما أنّ من المهمّ إجراء نقاشٍ واقعي ومستنير حول كيفية تطوير هذه التقنية وإدخالها». ويضيف شولتز: «ستتوقّف آثارها على اقتصادنا وديمقراطيتنا على الخيارات التي نتّخذها. وهذا يعني فهم الفرص الهائلة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، مع إدراكٍ واضح للمخاطر وأفضل السبل لتخفيفها».
وفي ظهورٍ له في جامعة كولغيت في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، عاد أوباما إلى مزحةٍ أطلقها قبل عشر سنواتٍ في مقابلةٍ حول الذكاء الاصطناعي قال فيها: «عندما ترى أنّه على وشك الحدوث، عليك أن تنزع الكهرباء من الجدار»، ليقرّ هذه المرّة بأنّ البلاد لم تعد مستعدّة لمواجهة هذا التحوّل. كما أوضح أنّ التطوير التقني لا يستلزم بالضرورة المخاطر القصوى التي تُسوَّق أحياناً، قائلاً: «من ناحية علاج السرطان أو الحصول على طاقةٍ أفضل، يمكنك فعل ذلك من دون الحاجة إلى ذكاءٍ اصطناعي ‘وكيل‘ (agentic) يجول بحريةٍ على الإنترنت. والسبب في أنّك تفعل ذلك هو أنّه يتعيّن عليك تسويق منتجٍ يدفع الناس المال مقابله». تجدر الإشارة إلى أنّ أوباما اضطلع بدورٍ غير رسمي كمبعوثٍ إلى عالم الذكاء الاصطناعي بعدما كلّفه الرئيس جو بايدن بهذه المهمّة عام 2023.
بين «الذكاء الفائق» عند ترامب وغياب التنظيم الفيدرالي
على الصعيد الآخر، استضاف البيت الأبيض، الثلاثاء الماضي، عدداً من قادة شركات الذكاء الاصطناعي الذين وقّعوا التزاماً بـ«الرقابة الذاتية» على شركاتهم. وأعلن ترامب عزمه توقيع أمرٍ تنفيذي قريباً لإعادة تسمية «الذكاء الاصطناعي» بـ«الذكاء الفائق»، بعد أن كان قد أبدى تفضيله لهذا المصطلح في كلمته أمام الأمم المتحدة الأسبوع الماضي. ويتماشى غالبية الجمهوريين في واشنطن مع نهج ترامب الرافض لأيّ تنظيمٍ فيدرالي واسع للذكاء الاصطناعي، ما يترك الملف مفتوحاً أمام تجاذبٍ حزبي حاد قبل الاستحقاق الانتخابي المقبل.
في المقابل، اكتفى معظم المرشحين الديمقراطيين المحتملين حتى الآن بخطاباتٍ ولجانٍ وخططٍ وصفها عاملون في الحزب بأنّها لا تزال في «مراحلها الجنينية». ويقول مستشارون إنّ بعض المرشحين يفتقرون إلى فهمٍ كافٍ لواقع الذكاء الاصطناعي الحالي وللتحوّلات المحتملة خلال العامَين المقبلَين، فضلاً عن مخاوفهم من الظهور بمظهرٍ منحازٍ للشركات الكبرى، أو مثيرٍ للجدل، أو شعبوي، أو مفرطٍ في النزعة التنظيمية. وتشير استطلاعاتٌ، بحسب مستشاري المرشحين، إلى تحوّلٍ في الرأي العام ضدّ مراكز البيانات الضخمة ومنصّات التواصل الاجتماعي، فيما يشتبه بعض المستشارين في وقوع أضرارٍ مرتبطة بالذكاء الاصطناعي أكثر ممّا كُشف عنه علناً، بما في ذلك زرع عملاء رقميين خفيّين على الإنترنت.
كيف تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى سلاحٍ في التمويل الانتخابي؟
تكشف تجربة أليكس بوريس، الموظّف السابق في Palantir وعضو مجلس ولاية نيويورك السابق، حجم المخاطر التي قد يواجهها أيّ سياسيٍّ يقترب من هذا الملف. فقد دعم بوريس، خلال عضويته في مجلس الولاية، عدّة تدابير لتنظيم الذكاء الاصطناعي على المستوى المحلي، لتتحوّل انتخاباته التمهيدية المفتوحة في مانهاتن، هذا الربيع، إلى واحدةٍ من أكثر السباقات الانتخابية كلفةً في التاريخ الأمريكي. فقد أنفقت لجانٌ عملٍ سياسي مرتبطة بشركات الذكاء الاصطناعي 8.5 مليون دولار لمعارضته، مقابل 22.5 مليون دولار لدعمه.
ويقول بوريس إنّ مسألة الإنفاق الانتخابي باتت تُطرح باستمرارٍ في لقاءاته مع مرشحين محتملين وفرقهم، الذين ينقلون له أسئلةً من قبيل: «كيف كان الشعور وأنت ترى كلّ هذا المال يُنفق ضدّك؟» و«كيف عرفت أنّهم سيستهدفونك؟»، إلى جانب استفساراتٍ أكثر عمليةً مثل: «هل هناك أفخاخ محدّدة يمكنني تجنّبها؟» و«كيف يمكنني أن أُبحر في هذه المياه بطريقةٍ تقول الشيء الصحيح عن الذكاء الاصطناعي من دون أن أستجلب هذا الكمّ الهائل من المال من الجانب الآخر؟». ويلاحظ بوريس فارقاً في مستوى الجرأة بين المرشحين، إذ يقول: «بعض المرشحين الذين تكون حظوظهم أقلّ أكثر استعداداً لخوض المخاطر. لكن كثيرين لا يزالون يحاولون إيجاد طريقةٍ لإرضاء الجميع».
وتؤكّد الأرقام حجم هذا التحدّي: فقد أنفقت جماعاتٌ خارجية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 50 مليون دولار على إعلاناتٍ متنافسة في سباقات انتخابات 2026، وفق بيانات AdImpact، فيما جمعت جماعاتٌ مرتبطة بشركتَي Anthropic وOpenAI أكثر من 150 مليون دولار خلال هذه الدورة الانتخابية، بحسب سجلّات لجنة الانتخابات الفيدرالية (FEC). ومن أبرز هذه الجماعات لجنة «Leading the Future» التي يموّلها إلى حدٍّ كبير أفرادٌ مرتبطون حالياً أو سابقاً بشركة OpenAI وصندوق Andreessen Horowitz. ويقول المتحدّث باسمها، جيسي هانت: «سنواصل دعم القادة الذين يريدون التوصّل إلى توافقٍ حول هذا الموضوع المهمّ، ورفض التطرّف». في حين حذّر مصدرٌ في صناعة الذكاء الاصطناعي من أنّ مواقف ديمقراطية مفرطة التنظيم أو التشاؤم قد تثير ردّ فعلٍ انتخابي عكسي، مشبّهاً ذلك بما استفاد منه ترامب من إنفاق صناعة العملات المشفّرة في انتخابات 2024.
ماذا يقول أصحاب الخبرة داخل الحزب؟
تتعدّد الأصوات الديمقراطية التي تحاول صياغة مقاربةٍ مختلفة لهذا الملف. فلينا خان، الرئيسة السابقة للجنة التجارة الفيدرالية، تعتبر أنّ النقاش المنصبّ على لجان العمل السياسي أو على احتمالية «فناء البشرية» (p(doom)) يغفل هموم الناس الفعلية، مشيرةً إلى أنّ مراكز البيانات يمكن أن ترفع فواتير المياه والكهرباء، وأنّ روبوتات المحادثة قد تُعقّد التعامل مع خدمة العملاء أو مطالبات التأمين. وتدعو خان المرشحين إلى معالجة انعدام الأمان الاقتصادي وتنامي الثروة لدى الأثرياء، متسائلةً: «هناك أيضاً هذا السؤال الأساسي: يوماً بعد يوم، يشرح مديرو شركات الذكاء الاصطناعي التنفيذيّون كيف تخترق تقنياتهم شركاتٍ أخرى وحكومات دولٍ أخرى. لو فعل ذلك أيّ شخصٍ عادي، لكان ذلك يُعدّ عملاً غير قانوني. فلماذا لا يكون كذلك عندما تقوم به هذه الشركات وتقنياتها المتطوّرة؟». وتذهب خان أبعد من ذلك في تشخيص أزمة الحوكمة، قائلةً: «من الصعب أن يبدو أيٌّ من ذلك موثوقاً، لأنّ الكونغرس فقد كلّ قدرته، والسلطة التنفيذية انزلقت إلى فسادٍ تام، والمحاكم أصبحت شديدة الليبرتارية». وتخلص إلى أنّ «مواجهة هذه الأسئلة الجادّة حول الذكاء الاصطناعي وكيفية تنظيمه ستستلزم أيضاً مواجهة أزمة الحكم القائمة».
من جهتها، تدير جينا رايموندو، وزيرة التجارة الأمريكية السابقة، مبادرة «RAISE US» التي تروّج لانتقالٍ منظّم لسوق العمل نحو اقتصادٍ قائمٍ على الذكاء الاصطناعي. وتصف رايموندو مواقف المرشحين الحاليين بأنّها في الغالب ردّة فعلٍ على معارضة مراكز البيانات أو على تحذيرات المسؤولين التنفيذيين، لا خططاً استباقية. وتقول: «إن أردتَ أن تكون رئيساً، عليك أن تتراجع خطوةً وتقول: كيف ستبدو أمريكا بعد سنواتٍ قليلة بسبب الذكاء الاصطناعي؟ وما هي خطّتي الاستباقية لضمان تحقيق الابتكار وحصول كلّ عاملٍ أمريكي على وظيفةٍ جيّدة في عالم الذكاء الاصطناعي، واستفادة الجميع منه؟». وتضيف: «عندما يشعر الناس بالخوف، فإنّ أسوأ ما يمكن فعله هو محاولة إقناعهم بأنّه لا داعي للقلق، وأفضل ما يمكن فعله هو الصدق والوضوح والمساءلة، وطمأنتهم بأنّك مسيطرٌ على الأمر»، واصفةً نفسها بأنّها «إنسانة مؤمنة». وتتوقّع رايموندو، التي أقرّت بأنّها فكّرت في خوض السباق الرئاسي لعام 2028 قبل أن تستبعد ذلك نهائياً، أنّ «المرشحين الرئاسيين، يميناً ويساراً ووسطاً، سيدركون أنّ هذه قد تكون أكبر قضية، ولن يكفي أن يكونوا مجرّد ردّ فعل».
أمّا السيناتور مارك كيلي، عضو لجنتَي القوات المسلّحة والاستخبارات في مجلس الشيوخ، فقد أصدر منذ عامٍ خارطة طريقٍ للذكاء الاصطناعي تقترح إنشاء صندوقٍ فيدرالي تموّله شركات الذكاء الاصطناعي لمعالجة ارتفاع فواتير الكهرباء، والاستثمار في البنية التحتية، ووضع بروتوكولات السلامة. وقد قدّم كيلي الأسبوع الماضي مشروع قانونٍ للتخفيف من الاضطرابات المرتقبة في سوق العمل، بعد جلسة إحاطةٍ من خبراء في سبتمبر حذّرت أعضاء مجلس الشيوخ من وتيرة التغيّر السريعة في هذا المجال، وهو ما يلخّصه كيلي بقوله: «وكلّ بضعة أشهر، هناك شيءٌ جديد». ويوضح أنّ نقاشاته داخل اللجان تتناول التطوّرات الأمريكية ومواكبة الخصوم، لكنّه ينأى بنفسه عن السيناريوهات المتطرّفة قائلاً: «لا أعتقد أنّنا نقترب من نوعٍ من ‘انتفاضة الروبوتات‘، أشياء من نوع ‘Terminator‘، لكنّني أعتقد أنّنا أذكياء بما يكفي لوضع الضمانات اللازمة، وتوجيه هذا الأمر في اتجاهٍ يفيد الإنسانية في النهاية هذا ما أتمنّى رؤيته». وفي إشارةٍ إلى إمكانية استهدافه بإنفاقٍ انتخابي مرتبط بالذكاء الاصطناعي إذا ترشّح عام 2028، يقول كيلي: «لا أعتقد أنّنا بحاجة فعلاً إلى ذلك، خاصةً إن كنت تتابع ما يجري في العالم»، مضيفاً: «لا ينبغي أن نتّخذ قراراتٍ بناءً على اعتقادنا أنّ أحداً سيُسقط علينا قنبلةً ماليةً في انتخاباتٍ ما».
أمّا السيناتور كريس ميرفي، المطروح اسمه ضمن المرشحين المحتملين، فيتبنّى نهجاً أكثر مواجهة، إذ يرى أنّ بإمكان الديمقراطيين تحويل إنفاق صناعتَي الذكاء الاصطناعي والعملات المشفّرة إلى قضيةٍ انتخابية بحدّ ذاتها. ويقول: «أمامنا قرارٌ يجب اتّخاذه: هل نريد أن نلتزم الصمت إزاء الذكاء الاصطناعي والعملات المشفّرة أملاً في ألّا يُنفقوا المال ضدّنا؟ أم نريد أن نجعل أموالهم قضيةً في الانتخابات؟ أعتقد أنّه سيكون خطأً فادحاً أن نحاول استرضاء صناعتَين غير شعبيتين سياسياً وتحاولان الإفلات بفعلتهما. لذا رأيي هو أنّنا إن كنّا صريحين وصاخبين بشأن محاولات صناعة الذكاء الاصطناعي والعملات المشفّرة شراء سياستنا، فتلك هي أكثر خطوةٍ سياسيةٍ أماناً يمكننا اتّخاذها».
وتُشير هذه المواقف المتباينة، من دعوة أوباما إلى إطارٍ تنظيمي جادّ، إلى تحذير خان من أزمة حوكمةٍ أعمق، مروراً بمقاربة رايموندو الاستباقية ومواجهة ميرفي المباشرة لأموال الشركات، إلى أنّ الحزب الديمقراطي لم يحسم بعد شكل خطابه إزاء الذكاء الاصطناعي قبل انتخابات 2028. وبينما يستعدّ حاكما إلينوي وكاليفورنيا، جي بي بريتزكر وغافين نيوسوم، إلى جانب حاكمَي بنسلفانيا وماريلاند، جوش شابيرو وويس مور، لتطبيق أوامر تنفيذية أصدروها في سبتمبر على مستوى الولايات، يبقى السؤال الأكبر معلّقاً: هل سيتمكّن أيّ مرشحٍ ديمقراطي من صياغة موقفٍ متماسك يوازن بين مخاوف الناخبين وضغوط تمويل صناعةٍ باتت من أكثر اللاعبين نفوذاً في المال السياسي الأمريكي، قبل أن تُحسم التمهيديات المقبلة؟
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
