أزمة الوقود في القرم تكشف هشاشة الوضع العسكري
تتفاقم أزمة الوقود في القرم مع طوابير طويلة وارتفاع الأسعار، بينما تتعرض البنية التحتية لهجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية. الأوضاع الاقتصادية تتدهور والسياحة تتأثر، فهل تشهد المنطقة مزيداً من التصعيد؟ تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

في طابورٍ يمتدّ لكيلومترات بالقرب من سيمفيروبول، عاصمة القرم الإدارية، أمضى ديليافر قرابة سبع ساعات ينتظر دوره في صفٍّ من مئات السيارات التي كانت تتقدّم بخطى السلحفاة نحو محطة الوقود. في نهاية المطاف، أفلح في شراء الوقود.
دفع 22 دولاراً مقابل 20 لتراً.
قال الرجل البالغ من العمر 52 عاماً، وهو من التتار القرميين، يوم السبت: "كان هناك مراهقون يجوبون الطابور عارضين الوقود بـ300 روبل 4.2 دولار، وكاد أحدهم يُضرب من قِبَل رجالٍ غاضبين في الصف." وقد أحجم عن الإفصاح عن اسمه الأخير وتفاصيله الشخصية، إذ إنّ مجرّد الإدلاء بتصريح لوسيلة إعلام أجنبية قد يُودي به إلى السجن.
لاحظ ديليافر، من خلال لوحات السيارات ولهجات أصحابها، أنّ بعض الرجال في الطابور كانوا سياحاً روساً قرّروا قطع إجازاتهم والفرار عبر جسر القرم البالغة تكلفته 4 مليارات دولار والممتدّ على مسافة 19 كيلومتراً. وقال: "الموسم السياحي خُرِّب، وهذه أخبارٌ سيئة لمعظم الناس هنا"، في إشارة إلى الملايين من السياح الذين يصلون كلّ عام ويُشكّلون شريان الحياة الاقتصادي لهذه الشبه الجزيرة الجافّة، التي عانت زراعتُها منذ أن أقدمت كييف على سدّ قناة مائية رئيسية.
لا يعلم ديليافر متى سيتمكّن من تعبئة خزّان سيارته Skoda المتهالكة مجدّداً، إذ يتوقّع أن تزداد أزمة الوقود حدّةً في الأيام المقبلة.
غير أنّ أزمة الوقود ليست سوى قمّة جبل الجليد من المشكلات التي تعانيها القرم.
يقول نيكولاي ميتروخين، الباحث في جامعة بريمن الألمانية المتخصّص في تحليل الحرب الروسية الأوكرانية: "المشكلة الجوهرية في القرم ليست شُحّ الوقود. المشكلة أنّ الطائرات المسيّرة الأوكرانية باتت تُغير بشكلٍ متواصل على الطرق الداخلية لشبه الجزيرة."
منذ منتصف مايو، شنّت الطائرات المسيّرة الأوكرانية هجمات على مئات الشاحنات التي تنقل الوقود والذخيرة والإمدادات الأخرى من جنوب غرب روسيا إلى القرم عبر ما يُعرف بـ"الجسر البري" الممتدّ عبر الأراضي الأوكرانية المحتلّة. ويجلس مشغّلو هذه الطائرات في مواقع محصّنة تبعد ما يصل إلى 200 كيلومتر عن ذلك الجسر، فيما تنثر المسيّرات ألغاماً على الطرق لا يتجاوز وزن الواحد منها 500 غرام، مزوّدةً بمستشعرات مغناطيسية أو حركية.
كذلك تعرّضت السفن التجارية التي تحاول إيصال الوقود والغذاء إلى القرم، أو نقل الصلب والحبوب من المناطق المحتلّة في جنوب شرق أوكرانيا، لهجماتٍ مماثلة.
يرى فولوديمير فيسينكو، رئيس مركز أبحاث Penta في كييف، أنّ هذه الهجمات "تكشف هشاشة القرم"، مضيفاً : "تستطيع أوكرانيا أن تضرب بصورة منتظمة، يومياً، مواقعَ عسكرية وبنيةً تحتية في القرم... لقد حوّلت أوكرانيا القرم إلى جزيرةٍ محاطة بالحرب والنيران."
"هذه مجرّد البداية"
أعلن الفوج الخاص الأوكراني الثالث في وقتٍ سابق من هذا الشهر أنّ مشغّلي طائراته المسيّرة "سيطروا جوّياً" على خطّ الإمداد الاستراتيجي الممتدّ من مدينة ميليتوبول المحتلّة في الجنوب حتى جسر تشونغار في شمال القرم. وقال الفوج في مقطع فيديو نشره على Facebook مصحوباً بمشاهد لشاحنات مشتعلة: "هذه مجرّد البداية! ثمّة المزيد قادم!"
وتشونغار مدخلٌ رئيسي إلى شبه جزيرة القرم التي تكاد لا تستحقّ هذه التسمية، إذ يفصلها عن البرّ الأوكراني الرئيسي بحرُ سيفاش، المعروف بـ"البحر العفن"، وهو متاهةٌ من البحيرات الساحلية والمستنقعات الملحية والأراضي الرطبة، لا تتبقّى منها سوى ثلاثة ممرّات برية ضيّقة تتحمّل الطرق وخطّ السكك الحديدية.
قبل أكثر من أسبوعٍ بقليل، تضرّر جسر تشونغار جرّاء هجوم بالطائرات المسيّرة، وبات لا يستوعب سوى المركبات الخفيفة، فيما تسلك الحافلات والشاحنات جسراً عائماً مجاوراً. وكتب أحد السائقين الذين عبروا المنطقة على Telegram: "الجسر مفتوح، الجزء المتضرّر محاطٌ بالحواجز، مسربٌ واحد يعمل، ولا ازدحام لأنّ حركة السيارات خفيفة."
كما استهدفت الطائرات المسيّرة الأوكرانية مستودعات الوقود داخل القرم، إلى جانب منظومات الدفاع الجوي والمطارات والقواعد العسكرية ومراكز القيادة ومنشآت أسطول البحر الأسود الروسي، الذي اضطرّ إلى نقل عملياته إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي بعد أن فقد ما لا يقلّ عن ثلث سفنه.
منذ ضمّ روسيا لشبه الجزيرة عام 2014، أنفقت موسكو مليارات الدولارات على تحصينها عسكرياً، فنشرت فرقاطات وغوّاصات ديزل، ومنظومات الدفاع الجوي المتطوّرة S-400، وعشرات الآلاف من الجنود، وشيّدت قواعد عسكرية ومطارات ومحطات رادار وثكنات ومرافق سكنية.
يقول فيسينكو: "حوّل بوتين القرم إلى قاعدة عسكرية، وبذلك جعلها النقطة الأكثر هشاشةً في مواجهته مع أوكرانيا."
ولا يستطيع جسر القرم وحده استيعاب حجم الحركة المُحوَّلة إليه، في ظلّ الحظر المفروض على الشاحنات التي يتجاوز وزنها 1.5 طن. وفي الساعات الأولى من صباح الاثنين، ضربت طائرةٌ مسيّرة أوكرانية قطاراً كان يسير على الخطّ، ما أودى بحياة أحد السائقين ودفع موسكو إلى تعليق حركة تسعة قطارات أخرى، فيما أعلنت السلطات التي عيّنها الكرملين أنّ إجلاء الركّاب يجري بالحافلات.
وقبل أيامٍ من ذلك، أطلّ أحد أبرز المتشدّدين العسكريين الروس بصوتٍ عالٍ على الفوضى التي تعيشها القرم. كتب إيغور غيركين، الضابط السابق في الاستخبارات الذي قاد أولى مجموعات الانفصاليين الموالين لموسكو في جنوب شرق أوكرانيا عام 2014، على Telegram في الأول من يونيو: "ما يجري في محطات الوقود بالقرم كابوسٌ حقيقي للسكان والعسكريين." وأضاف غيركين، الذي صدر بحقّه حكمٌ بالسجن أربع سنوات عام 2024 إثر انتقاداته العلنية لإخفاقات الجيش الروسي في أوكرانيا، من خلف القضبان: "كييف تتصرّف بوقاحة... تحاول قطع شبه الجزيرة ومجموعاتنا العسكرية الجنوبية عن الإمداد بالوقود." وختم: "يتخيّل البعض القرم منتجعاً. لا، هي اليوم منطقة خطّ المواجهة."
أمّا بالنسبة لديليافر وأبناء جلدته من التتار القرميين، فإنّ ما يجري من حولهم ليس حدثاً طارئاً، بل هو امتدادٌ لنضالٍ ممتدّ لعقود من أجل البقاء في ظلّ الهيمنة الروسية.
{{MEDIA}}
منذ الضمّ، يرزح مجتمع التتار القرميين البالغ تعداده نحو 250,000 نسمة أي ما يعادل عُشر سكان شبه الجزيرة تحت ضغطٍ متواصل. يقتحم ضباطٌ ملثّمون منازل قادة المجتمع والناشطين والمسلمين الملتزمين دينياً في ساعات الفجر، بحثاً عن "مواد متطرّفة" كثيراً ما تتبيّن في نهاية المطاف أنّها نصوصٌ دينية، من بينها القرآن الكريم في طبعاته المخصّصة للأطفال. تتبع ذلك اعتقالاتٌ ومحاكمات صدرت بحقّ أكثر من 100 تتاري أحكامٌ بالسجن بتهم "التطرّف" و"الانفصالية" و"الإرهاب". كما اختفى ما لا يقلّ عن اثني عشر شخصاً دون أثر، ويُرجَّح أنّهم اختُطفوا وقُتلوا على أيدي الاستخبارات الروسية.
كان ديليافر يمتلك بقّالةً صغيرة قرب سيمفيروبول، لكنّه اضطرّ إلى إغلاقها بعد أن ثقل عليه عبء الضرائب المتصاعدة وزيارات المفتّشين الحكوميين الذين كانوا يطلبون رشاوى، فضلاً عن تعرّضه لعملية نصب. بات يكسب رزقه بالكاد من بيع فطائر اللحم والجبن المقلية بجانب موقف الحافلات.
وُلد والدا ديليافر في أوزبكستان السوفيتية، بعد أن رحّل الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين عام 1944 كلّ تتار القرم قسراً، إذ رأى في روابطهم الثقافية مع تركيا تهديداً لأمن الاتحاد السوفيتي. تقول غولسوم، والدة ديليافر البالغة من العمر 77 عاماً: "عندنا مثلٌ يقول: إن سكن روسيٌّ بجانبك، فأبقِ الفأس في متناول يدك. لقد عانينا منهم كثيراً، والأمر لم ينتهِ بعد."
أفضت الهجمات الأوكرانية إلى نقصٍ في المواد الغذائية؛ فقد اختفت من رفوف بعض المتاجر والمحلّات التجارية الكبرى المعكرونةُ والدقيق والمعلّبات من اللحوم والأسماك والخضروات. يعلّق ديليافر بمرارةٍ ساخرة: "العقلية السوفيتية لا تزال حيّة. إذا وقعت أزمة اشترِ الحنطة السوداء." في إشارةٍ إلى تلك الحبوب الرخيصة المغذّية التي باتت رمزاً للصمود في دول الاتحاد السوفيتي السابق.
أخبار ذات صلة

تراجع الأفضلية العددية الروسية في الحرب ضد أوكرانيا

بوتين يلجأ للمدفعية بينما تُوقف أوكرانيا تقدّم جيشه

زيلينسكي يطلب لقاء بوتين: ماذا يعرض وهل تقبل موسكو؟
