حرائق تشيلي تكشف أزمة المناخ المتفاقمة
تسبب حريق تشيلي في دمار واسع، حيث التهم أكثر من 1,750 منزلاً وخلّف 21 قتيلاً. سرعة انتشار النيران كانت مذهلة، مما جعل جهود الإطفاء شبه مستحيلة. تعرف على تفاصيل هذه الكارثة وتأثيرها على المجتمعات المحلية. خَبَرَيْن.

في غضون 20 دقيقةً فحسب، تحوّلت عقودٌ من الذكريات العائلية إلى دخانٍ ورماد. انهارت كلوديا ماتامالا، البالغة من العمر 34 عاماً، في بكاءٍ مرير وهي تروي كيف التهمت النيران منزل والديها في بلدة Lirquén الساحلية بوسط تشيلي وهي البلدة التي لجأت إليها بعد أن أتى حريقٌ آخر على منزلها قبل خمسة أسابيعٍ فحسب.
شمّت ماتامالا رائحة الدخان في ساعات المساء الأولى، وفي غضون خمس ساعاتٍ كانت النيران قد وصلت إلى المنزل. كانت سرعة الدمار مُرعبة؛ إذ ابتلع الحريق المنزل بأكمله قبل أن ينحدر من التلّة ليُحيل الحيّ المجاور إلى ركام. قالت ماتامالا: "حدث كلّ شيءٍ في دقائق."
في 16 يناير، اندلعت سلسلة من الحرائق الكارثية في محافظة Concepción بوسط تشيلي، دمّرت أكثر من 1,750 منزلاً في غضون ساعاتٍ قليلة، وفق بيانات الاستشعار عن بُعد التي تشاركتها مع شركتا الأقمار الصناعية ICEYE و Vantor.
أسفرت الحرائق عن مقتل 21 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من 300 آخرين، وفق ما أعلنته السلطات التشيلية التي أشارت إلى أنّ النيران التهمت أكثر من 74,000 فدّان في يومين. وفي غضون ساعاتٍ، أعلنت الحكومة "حالة الكارثة" واستنجدت بالمساعدة الدولية لمكافحة الحرائق.
ليست الحرائق الكارثية ظاهرةً جديدةً على تشيلي، غير أنّ حرائق هذا العام تميّزت بسرعة انتشارها المذهلة، إذ التهمت النيران ما يقارب 25 فداناً في الدقيقة الواحدة. قال خافيير فوكسلوشر، المندوب الرئاسي الإقليمي لمنطقة Biobío التي تركّزت فيها الحرائق في حينه: "انتقلنا من وضعٍ شبه مضبوط إلى جبهة حريقٍ أوسع بكثير في غضون ساعاتٍ قليلة."
غذّى حريق تشيلي الجهنّمي حرٌّ شديد مع درجات حرارةٍ تجاوزت 38 درجةً مئوية، وجفافٌ استثنائي فضلاً عن التغيّرات التي أحدثها الإنسان في طبيعة المنطقة. فقد دفع التوسّع العمراني غير المنضبط المنازلَ إلى أطراف الغابات عالية الخطورة، كما حوّلت الغابات الصناعية التي زرعتها شركات الأخشاب التشيلية التلالَ إلى مستودعاتٍ للوقود الجاهز للاشتعال.
تم الحديث إلى ناجين من الحريق ورجال إطفاء وخبراء لفهم أسباب الانتشار المتسارع للنيران، كما حلّلت بيانات الرحلات الجوية والاستشعار عن بُعد لرسم خريطة عمليات الإطفاء الجوي. وتكشف هذه الصورة المجمّعة عن حرائق خاطفة أحرقت أحياءً بأكملها وأثبتت صعوبةً استثنائية في الاحتواء.
ما جرى في تشيلي ليس استثناءً. فمع تسارع أزمة المناخ والنموّ الحضري المتواصل، باتت حرائق الغابات في أرجاء العالم أوسع نطاقاً وأشدّ اشتعالاً وأعسر احتواءً، وفق ما أكّده خبراء. يدخل الكوكب حقبةً جديدةً من الحرائق، وهو ليس مستعدّاً لها.
رجال الإطفاء أمام حريقٍ يتجاوز طاقتهم
أُصيب كثيرٌ من الناجين من حرائق يناير بالصدمة جرّاء شدّة النيران وسرعتها. قال كريستوبال ريبوييدو، أحد سكان مدينة Penco المجاورة المتضرّرة: إنّها "هاجمت مناطق كثيرةً في آنٍ واحد"، مضيفاً: "حين وصلت النيران إلى أوّل منزلٍ في شارعنا، لم يكن أمامنا إلّا الفرار ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه."
بحلول الوقت الذي وصلت فيه النيران إلى ضواحي Concepción في الساعات الأولى من 18 يناير، كانت قد اتّسعت أكثر من 35 ضعفاً مقارنةً بمساحتها قبل ساعاتٍ قليلة، وفق تحليل لبيانات الاستشعار عن بُعد التي جمعتها NASA.
أعاقت شدّة النيران والدخان الكثيف إلى جانب انتشار الحريق في معظمه خلال ساعات الليل عمليات الإطفاء الجوي. وحتى مع تسيير 37 طائرةً إضافةً إلى الفرق الأرضية، عجز رجال الإطفاء عن إنقاذ مساحاتٍ واسعة من Penco و Lirquén، حيث كان ماتامالا وريبوييدو يقطنان. وتحوّلت أحياءٌ بأكملها إلى رماد.
تم تحليل بيانات ما يقارب 1,200 رحلة إطفاء جوي فوق Concepción امتدّت على مدى أسبوعين في ذروة الحرائق، وكشفت أنّ طائرات الإطفاء لم تتمكّن من الوصول إلى بعض أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان، كـ Lirquén.
قال طيّار إطفاء طلب عدم الكشف عن هويّته لعدم حصوله على إذنٍ بالتحدّث إلى وسائل الإعلام، إنّه حين بلغت النيران Penco و Lirquén "كانت الرؤية بالغة السوء، ولم نتمكّن من التحليق لأنّنا لم نكد نرى شيئاً." وأوضح أنّه كان يخشى اصطدام الطائرة بكابلٍ أو برجٍ أو حتى بطائرةٍ أخرى، ما جعل التحليق الآمن أمراً مستحيلاً.
قالت ماريا ميزا، مهندسة الغابات في الوحدة الوطنية لإدارة مخاطر الكوارث في كولومبيا: إنّ حرائق الغابات باتت أشدّ حرارةً وأعلى لهباً مما كانت عليه، ما يجعل مكافحتها أصعب، بما في ذلك من الجوّ. وأضافت: "لا نشهد بالضرورة مزيداً من الحرائق في العالم، لكنّ الحرائق التي تقع باتت أشدّ كثافةً." وتابعت: "أحياناً نظنّ أنّ إرسال طائرةٍ واحدة يحلّ المشكلة، لكنّ هذه الطائرات تشتغل وفق شروط سلامةٍ محدّدة، وهذه الحرائق باتت شديدةً لدرجة أنّك لا تستطيع حتى الاقتراب منها."
فوضى التخطيط العمراني
الضواحي الأكثر تضرّراً في Concepción هي مناطق تشهد تراخياً في أنظمة البناء وانتشاراً واسعاً للمساكن غير الرسمية والمستأجَرة، وفق ما أوضح ألفارو هوفلينغر، خبير الهشاشة الاجتماعية في جامعة Arizona State الذي نشأ في تشيلي. وأشار إلى أنّ هذه المجتمعات أكثر عرضةً للكوارث الطبيعية والحرائق الكبرى، نظراً لتراصّ المباني وضيق المناطق العازلة التي تحول دون امتداد النيران.
تقع معظم حرائق الغابات في العالم في ما يُعرف بـ"منطقة التقاطع بين الغابات والمناطق الحضرية" (Wildland-Urban Interface): وهي مناطق انتقالية تتاخم فيها التجمّعات السكنية الكثيفة المناطقَ الغابية. في تشيلي، توسّعت مدنٌ كـ Penco و Lirquén توسّعاً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة، حتى باتت أطرافها على مسافةٍ ضيّقة من الغابات التي اجتاحتها النيران.
يتساءل خبراء من أمثال هوفلينغر عمّا إذا كانت معايير البناء المحلية كافيةً ومُطبَّقةً بصرامةٍ كافية للحدّ من مخاطر الحريق. فمثلاً، لا تُنظّم قوانين البناء المسافاتِ الفاصلة بين المنازل ولا درجة قابلية بعض المواد للاشتعال.
تُظهر بيانات المركز الألماني لعلوم الفضاء الجوي، المتخصّص في تحليل التوسّع العمراني العالمي، حين تُقارَن بصور ICEYE و Vantor، أنّ المباني المحيطة بأطراف المدن التي طالها الدمار هذا العام نشأت في معظمها خلال العقدين الأوّل والثاني من الألفية الثالثة.
كان منزل كارين كيخادا، إحدى الناجيات من منطقة Las Aranejas في Concepción، قد شُيِّد قبل عقدين عند أطراف المدينة محاطاً بغاباتٍ كثيفة. حين جاء الحريق، نجت هي وعائلتها بصعوبة وأغلب أفراد عائلتها سائقو شاحناتٍ يعملون في صناعة الأخشاب. قالت : "عشنا هنا 23 عاماً، وكلّ شيءٍ احترق. لم يبقَ شيء."
تلالٌ مُحمَّلة بالوقود
تبدو التلال المحيطة بـ Concepción و Penco وLirquén من الجوّ خضراء داكنة، مكسوّةً بالأشجار، وفي كثافة هذه الغابات يكمن خطرٌ خفيّ.
على مدى السنوات الخمسين الماضية، انتشرت مزارع الأشجار الصناعية في المنطقة، تزرع في معظمها أصناف الصنوبر والكينا (الأوكاليبتوس) غير المحلّية، وهي أصنافٌ عالية القابلية للاشتعال. في عام 1979، كانت مساحة الأراضي المزروعة بالصنوبر والكينا في تشيلي نحو 166,000 فدّان. بعد أن شرعت الحكومة في دعم توسّع هذه الصناعة، ارتفع الرقم ليتجاوز اليوم 7.4 مليون فدّان، وفق هوفلينغر.
قالت ألكساندرا بيج فيشر، الأستاذة المشاركة في جامعة Michigan: "ثمّة سوقٌ تصديري ضخم لأخشاب هذه المزارع. المشكلة أنّ هذه المزارع باتت تجفّ وتصبح شديدة الاشتعال. بمعنىً ما، تشيلي تصنع خطرها بنفسها بزراعة هذه الأنواع من الأشجار."
وجد باحثون أنّ نحو 40% من أراضي Biobío الساحلية، المنطقة التي تقع فيها Concepción و Penco وLirquén، مغطّاةٌ حالياً بأشجار الصنوبر أو الكينا.
في 22 أبريل 2025، كتب أليخاندرو كاساغراندي، رئيس CORMA رابطة صناعة الأخشاب في Concepción التي تمثّل أكثر من 160 شركة رسالةً إلى السلطات المحلية والإقليمية يُحذّر فيها من تصاعد مستويات الأعشاب القابلة للاشتعال والنفايات العضوية وغيرها من المخلّفات التي تنتجها صناعة الأخشاب.
حثّ كاساغراندي السلطاتِ في رسالته على تخفيف القيود المفروضة على الحرائق الضبطية (الحرائق المتعمّدة لإزالة الغطاء النباتي الزائد وتقليل مخاطر الحريق). يُقيّد القانون التشيلي هذه الحرائق بفصل الشتاء حين تجعلها الأمطار أكثر أماناً، غير أنّ كاساغراندي رأى أنّه ينبغي إجراؤها على مدار العام.
صعّد الممثّل المحلي للحكومة الوطنية إدواردو باتشيكو هذا الطلب، فكتب إلى وزارة الداخلية في 19 مايو طالباً استثناءً لإجراء الحرائق الوقائية، وفق ما أفادت به BioBíoChile. وبحسب موقع Reportea.cl الاستقصائي المحلي، لم تردّ الوزارة على الطلب.
الشرارة المتعمّدة
في عام 2023، وجدت وكالة إدارة الحرائق والغابات التشيلية CONAF أنّ ما يصل إلى 60% من حرائق Biobío كانت متعمّدة ما يعني أنّ الإنسان يُشعل أحياناً الشرارة بنفسه، إلى جانب العوامل البيئية.
لا تزال CONAF تحقّق في أسباب حرائق هذا العام، غير أنّه جرى اعتقال شخصٍ واحد على الأقل بتهمة الإشعال المتعمّد، وهو موضوعٌ قيد المحاكمة تحت الإقامة الجبرية.
في أعقاب حرائق يناير، تعدّدت أصابع الاتهام: قالت وزارة الداخلية إنّ المزارعين الذين يحرقون النفايات قد يُشعلون حرائق إذا لم يُديروا العملية بشكلٍ سليم؛ في حين حمّلت مجموعات المزارعين الحكومةَ مسؤولية غياب التخطيط؛ بينما طالبت مجموعاتٌ ناشطة في Penco و Concepción بفتح تحقيقٍ مع شركة Aclara، وهي شركة تعدين كندية تتقدّم بطلب للحصول على ترخيص لتشغيل منجم للمعادن النادرة في المنطقة المتضرّرة.
أكّد الرئيس التنفيذي لشركة Aclara، رامون باروا، أنّ الشركة لم يكن لها أيّ دخلٍ في الحرائق.
وتُعدّ ظاهرة الإشعال المتعمّد للحرائق مشكلةً متجذّرة تتخطّى تشيلي بكثير؛ ففي الولايات المتحدة وحدها، سُجِّلت أكثر من 554,000 جريمة إشعالٍ متعمّد بين عامَي 2015 و 2024.
الشرارة القادمة
تُجسّد موسم حرائق تشيلي 2025 إخفاقاً مركّباً: فشلت المؤسسات الحكومية على مختلف مستوياتها، والشركات، ومجموعات الخبراء في استيعاب حجم المخاطر التي تفرضها الحرائق المتصاعدة الشدّة والتحرّك الجادّ للحدّ منها.
والدروس المستخلصة لا تخصّ تشيلي وحدها. فآلاف المجتمعات حول العالم تواجه تحدّياتٍ مماثلة، ولا سيّما تلك التي تقع في المناطق التي تلتقي فيها المدن بالغابات.
في الولايات المتحدة وحدها، يقع 45 مليون منزل في هذه المناطق وفق بيانات شركة Cotality، منها 180,000 منزل في منطقة لوس أنجلوس الكبرى التي عانت من حرائق مدمّرة العام الماضي.
قالت ميزا، مهندسة الغابات، إنّ التشريعات قادرةٌ على المساعدة في هذه الحقبة الجديدة من الحرائق. ففي عام 2024، أصدرت البرازيل قوانين خاصة لمعالجة مخاطر حرائق الغابات، تشمل تخفيف القيود على الحرائق الضبطية، وتوجيه المؤسسات لتنسيق خطط إدارة الحرائق، وزيادة تمويل عمليات الإطفاء. ويُعزى جزئياً إلى هذا القانون انخفاضُ المساحات التي أتت عليها الحرائق في البرازيل بنسبة 65% العام الماضي، وفق وزارة البيئة.
وقد صاغت تشيلي تشريعاً مماثلاً يُناقَش حالياً في البرلمان، يرمي إلى تشديد قوانين البناء والسماح بالحرائق الضبطية للمساعدة في إدارة مخاطر الحريق.
في Concepción، بدأت عمليات إعادة الإعمار. بالنسبة لمن عاشوا الكارثة، السؤال ليس إن كانت الحرائق ستعود، بل متى وكيف يمكن الاستعداد لها حين تصل النيران.
قال ريبوييدو: "هذا سيحدث مجدّداً، أنا متأكّد. بعد عامين أو خمسة أعوام، سيصل حريقٌ كبير آخر إلى المدينة.".
أخبار ذات صلة

المحيطات في أزمة.. إدارة ترامب تتخلّى عن نظام مراقبة قاع البحار الحيوي

أوروبا تعاني من موجة حرّ مبكّرة فتّاكة: الأسباب العلمية

كيف احتكرت دولة واحدة أعلى 50 درجة حرارة على الأرض في يوم واحد
